قرار الكتابة.. قلق اللحظة ومواجهة الذات

بغداد_ متابعة

الكتابة عالم مليء بالألغام. من يتجاسر على إضافة كتاب إلى مكتبة تضم عباقرة الفكر والأدب الإنساني. ولكن ثمة لحظة واحدة، هي تلك التي يقرر فيها المرء أن يصبح كاتباً، رغم كل شيء. ماهي هذه اللحظة، كيف تولد ومتى، وما الدافع، المحرك وراء التحول من فعل القراءة إلى فعل الكتابة الإبداعية.

في هذه المساحة، نطل على كتّاب من حقول الأدب الروائي والقصصي والمسرحي، لنستطلع آرائهم حول هذه المسألة التي رغم بساطتها، إلا أنها بالضرورة تستدعي مواجهة عميقة بين الكاتب وذاته، وما أصعبها من مواجهة.

بداية يشير الروائي السعودي مبارك الهاجري إلى لحظة البداية قائلا: «هي اللحظة الحاسمة في تحول ذروة الانفعالات القرائية والتأثيرات الحياتية الخاصة بي إلى مادة كتابية تستحق القراءة، مادة خلَّقها الصدق، وشذبتها التجارب والمسودات والسفر في عقول الأدباء وصفحاتهم». مضيفاً: «تلك اللحظة لم أكن فيها سيداً قرارياً كما قد أكونه في أي لحظةٍ أخرى، تلك اللحظة سلَّمت فيها عاطفتي وفكري للقدر الذي مدَّ لي بالقلم لأكتب». مبيناً أن اللحظة المثلى لبدء الكتابة، حين «تشعر أن الكلام الذي تكتبه أصبح في مستوى الكلام الذي تقرأه وتتذوق له، حين ذاك تبدأ لحظة التحليق السماوي الذي لا ينتهي».

ويرى الكاتب المسرحي السعودي عباس الحايك: أن «لا وجود لكاتب خلق كاتباً من فراغ». مضيفاً: «ومن جاء إلى عالم الكتابة من هذا الفراغ تظل كتاباته خالية من المحتوى والقيمة، فالكتابة دون قراءة وإطلاع عميقين يعد مأزقاً حقيقياً، يستسهله البعض فيقعون في هذا المأزق». موضحاً: « الكتابة لا تأتي إلا بعد قراءة وتجربة متواصلة، فالشاعر لا يمكن أن يكون شاعراً حتى وإن امتلك موهبة دون أن يقرأ دواوين الشعر منذ بدايات الشعر إلى وقتنا الحالي إضافة لقراءة كل أشكال الكتابة الأدبية التي سترفع من قيمة ما يكتبه هذا الشاعر، والروائي لا يمكن أن يكون روائياً دون أن يبدأ بقراءة المنتج الروائي العالمي». ويؤكد الكاتب الحايك « أن القراءة وحدها لا تصنع كاتباً، فنماذج عديدة ممن حولنا تشير إلى ذلك، فالقراء عديدون، يقضون حياتهم قراءة لكن شرارة الكتابة لا تنقدح أبداً، يظلون قراءً مخلصين للكتاب، فالكتابة لحظة تأتي أحياناً بغتة كالحب أو لنقل كالموت، تأتي رغبة في تحويل فكرة أو خاطرة إلى فعل، وإلى كلمات تقرأ، والقراءة المتعمقة تكون محرضة على فعل الكتابة، والقارئ الذي يملك موهبة سيجد نفسه في هذا العالم غالباً دون ترتيب، وقد يكون بترتيب مقصود، فقد يؤجل فعل الكتابة حتى تنضج مرحلة القراءة والاكتشاف».

وتتحدث الروائية الإماراتية إيمان يوسف عن تجربتها قائلةً: «بالنسبة لي جاءت القراءة عن حاجة مُلحة، والكتابة فيما بعد بالصدفة، ثم لاحقاً اكتشفت أن الكتب لا تجيب عن الأسئلة بل تفتح أبوابًا كثيرة للمزيد من الأسئلة، مع الوقت أصبحت الكتب الرفيق والصديق والمُتنفس والملجأ». مؤكدة أنها بدأت الكتابة باكراً، وكتبت أول قصة قصيرة حقيقية على مقاعد الجامعة. مضيفة: « ثم استمرت مشاكساتي الأدبية بين المحاضرات وحصص المختبرات الطويلة. وترى صاحبة رواية (حارس الشمس) أن على القراءة أن تكون أسلوب حياة، ممارسة يومية أما الكتابة فلا يجب أن يستعجلها الكاتب، هناك من بدأ مبكرًا ومن تأخر حتى أصدر أولى أعماله مثل جوزيه ساراماغو ومن أصدر كتابًا خالدًا واحدًا مثل هاربر لي في «أن تقتل طائرًا بريئًا».

ويعتقد صاحب مسرحية « المزبلة الفاضلة» بأن الكتابة من جهة أخرى يمكن اعتبارها مسألة وجودة في أبعادها المختلفة، فهي تعلن عن ذلك الأثر وذلك الوجود المتمثل بالحالة الإنسانية، وفي بعدها كهوية، فالكتابة لا تفترق عن البشر في وجودهم الفعلي ووجودهم الافتراضي، كما أنها تمثل هويتهم ضمن وجودهم المكاني والاجتماعي والثقافي. لا يمكن الفصل بين الكتابة والإنسان.

وهل يمكن للكاتب أن يندم على لحظة دخول عوالم الكتابة؟، تجيب الروائية الإماراتية بالقول: « إن كان العائد المادي ضمن أولوياته، نعم سيندم للأسف وأيضًا، سيُصدم البعض بقلة الاهتمام وضعف التلقي خاصة من يكتب بشكل حقيقي». مشيرة إلى أن الكثير من الأدباء عانوا من عدم تقديرهم في حياتهم أو بعد رحيلهم بسنين طويلة وذلك لعبقريتهم، الكتابة طريقٌ شائكة ووعرة، من يتوقع سهولة الدرب فقد يُصدم أو يندم أيضًا.

ويعتقد الروائي السوري: أن دخول عالم الكتابة يعيدني إلى خط البداية سابق الذكر، متى ما تمّ الانطلاق منه بحق فإن عليه أن يقود إلى خط بداية آخر، وهنا يمكن الحديث عن عالم كتابة، وهذا معيار -إن صحت الكلمة- متعلق بغياب خط النهاية، والوصول، والظفر، إذ ما من انتصار في الكتابة، ما من حسم، هناك انتصارات وجيزة تفضي إلى صراع جديد والهزيمة وإرادة في أية لحظة، وبهذا المعنى فإن من يتوقف عن الكتابة يكون قد أصيب بشعور الظفر أو الاكتفاء أو التعب، وركن إلى خط نهاية السباق مع الزمن، الزمن أي العمر أيضاً وجهلي بما قد يرميني به».

هل الكتابة إذاً تحقيق للذات، يختم عبدالله حديثنا بالقول: «تحقيق الذات في الكتابة أمر مرتبط بالبدايات والتي تترافق مع أوهام بتغيير العالم، إلا أن ذلك دفعني لاحقاً للرهان عليها بحياتي، أن أعيش لأجلها مثلاً، أن أتجنب أية غواية أو خطوة مهما بلغ بريقها قد تشوش على الكتابة، وهذا كله لا أدّعي فيه «تضحية» ولا شيء من تلك التوصيفات المبالغ بها، بل هو أسلوب عيش نطاقه الحيوي الطاولة».

 

مقالات ذات صله