قراء في كتاب_ “زهرة عباد الشمس”

طرح الكاتب التونسي نبيل قديش في روايته الأولى زهرة عباد الشمس، قضية العلاقة الشائكة والغامضة بين الروائي وشخصيات رواياته. كيف ينظر الكاتب إلى شخصية خلقها وصنع لها حياةً كاملة؟ هل ينساها حين ينتهي من الرواية وينغمس في رواية جديدة وخلق شخصيات جديدة، أم يتذكرها؟ هل يحق له أن يعود إلى روايته بعد صدورها ويغيّر مصير بطلها، أم أن النص لا يعود ملكاً له، ويصبح بعد نشره ملكاً للقارئ؟

هذه الأسئلة وغيرها ربما تخطر في بال كاتب لديه رزمة من الروايات السابقة، ويحاول فهم العلاقة الملتبسة بينه وبين نتاجه. غير أن ما يُفاجئ هنا أن هذه الأسئلة أرّقت نبيل قديش منذ عمله الروائي الأول، فكتبها مدفوعاً برغبته في فهم طبيعة خلق الشخصية، وطبيعة الصراع الذي ينشأ بينها وبين الكاتب.

بطل الرواية نديم كاتب روائي لديه مجموعة من الروايات، لكن من أطلق شهرته هي روايته الأولى إنجان، والكلمة مشتقة من كلمتين (إنسان – جان)، للدلالة على مخلوق هجين بين الاثنين. وهي تدور حول “شاب فقير، مهيض الجناح، غفا في كهف، ثم ظهرت له جنية رائعة الجمال لتوقظه من نومه، وتخبره بمكان كنز مطمور. وقعا في الحب واشتركا منذ اليوم في كشف واستخراج الكنوز مناصفة. تزوجا وعاشا بين كوخهما والكهف. ثم بمرور الأيام يتحول الرجل إلى جن بدوره. يختفي وتبدأ تلك القرية بل كل تلك الربوع في بحث جاد عنه، وفك لغز اختفائه المريب”.

ويعلن الكاتب من دون مواربة أنه معجب بعمله إنجان، وأنه واقع تحت تأثير علاقة روحية، خفية ومسيطرة تربطه ببطلها عزازير، لدرجة أنه كان يعيد قراءة روايته يومياً، تحت تأثير هذه العلاقة، بالرغم من أنه أصدر بعدها عدداً من الروايات، وأصبحت كتابته مختلفة كلياً، وصار يرى كتابته الأولى تلك “طفولية، حالمة”. ما سيحرّك مشاعر الروائي ويستنفرها، هو اتصالٌ غريب من مخرج يعمل على تحويل روايته تلك إلى فيلم سينمائي، إذ يطلب المخرج طلباً في غاية الجنون، وهو أن يقوم الكاتب بكتابة سيناريو جديد لكن من دون وجود عزازير، أو بجعل دوره ثانوياً أو هامشياً.

وأعتقد أن أحد أهم الأسئلة التي تثيرها الرواية يكمن هنا، مع أن الكاتب لا يشير إليها مباشرة: هل يبقى الفن ذا قيمة حين يرضخ لمنطق المادة؟

مقالات ذات صله