قراءة مغايرة لملحمة “جلجامش” وسط البحث عن معنى للحياة

بغداد_ متابعة
تعد ملحمة “جلجامش” أحسن نموذج يمثل أدب العراق القديم.. يصنفها الباحثون ومؤرخو الأدب من إحدى روائع الأدب العالمي، وهي أطول وأكمل ملحمة وصلت إلينا من حضارات الشرق الأدنى، ولقد دونت هذه الملحمة قبل 4000 عام ق. م، وترجع حوادثها إلى أزمان أبعد، ولقد عالجت هذه الملحمة البطولية قضايا إنسانية عامة، كمشكلة الحياة والموت، ومشكلة الخلود، فقد مثلت الصراع الأزلي بين الموت والزوال وبين إرادة الإنسان المغلوبة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء.. لقد انشغلت الملحمة بموضوع أساسي هو حتمية الموت حتى بالنسبة لبطل مثل “جلجامش”، ثلثاه من مادة الآلهة الخالدة وثلثه الباقي من مادة البشر الفانية، كما حوت الملحمة على موضوعات إنسانية أخرى.. الصداقة، والحب، والكراهية، والأماني، والحنين إلى الذكريات، والبطولة، والحرب، والمغامرات، والرثاء.. وأروع رثاء ما قام به “جلجامش” لصديقه “انكيدو” وبكاؤه عليه.

كما صورت الملحمة جوانب هامة من حضارة وادي الرافدين، حيث يمكن للباحث عنها أن يطلع على عقائد العراق الدينية، وآرائهم وأفكارهم في الحياة والكون وأحوالهم الاجتماعية، والجوانب المثيرة من حياتهم العاطفية وعلاقتهم الاجتماعية وتركيب المجتمع.

لقد انتشرت الملحمة في القسم الجنوبي والأوسط من العراق، ذلك القسم الذي عرف باسم بلاد “سومر وأكد”، كما تسربت إلى القسم الشمالي إلى “بلاد آشور”، فقد وجدت نسخ كثيرة للملحمة في حواضر العراق القديم من عهد ازدهار الحضارة البابلية، في العهد البابلي القديم “الألف الثاني قبل الميلاد”.
بالرغم من أن الملحمة وصلت إلينا على هيئة وحدة متكاملة من ناحية الفن القصصي، خاصة في آخر نسخة لها من القرن السابع ق. م, “وهي النسخة الآشورية من خزانة الملك آشور بانيبال”، إلا أنها كانت أقرب ما يكون إلى الجمع الأدبي، أي أنها مؤلفة من عدة قطع وأجزاء تتعلق بحوادث وأعمال مختلفة، ومن هذه الأجزاء المهمة القصص الدائرة عن أعمال “جلجامش” البطولية ومغامراته مع “انكيدو”، وقسم آخر مهم يدور حول رواية الطوفان الذي يؤلف قسماً مستقلاً من الناحية الفنية، وهناك قسم ثالث يكون بنفسه قصة لا علاقة لها بسياق حوادث الملحمة ولا بموضوعها العام، حيث يدور على وصف العالم الأسفل، أو عالم الأرواح كما شاهده “انكيدو”، ومما يقال أن المؤلف أو المؤلفين لهذه النسخة وفقوا في جمع الجزأين الأولين أي الأعمال البطولية والمغامرات لـ”جلجامش” و”انكيدو” وحوادث الطوفان الشهيرة مما جعل الملحمة كلها تبدو وكأنها وحدة فنية مطردة، على الرغم من أن المؤلف أو المؤلفين استعملوا ما يشبه طريقة القصص المتبعة في حكايات “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة” في ربط قصة بأخرى، أما القسم الثالث الذي يدور عن عالم الأرواح فليس له صلة بموضوع الملحمة ولذلك نجد كل المترجمين للملحمة لا يدرجونه فيها.
وهنا يقدم الباحث “ناجح المعموري” قراءة مخالفة لملحمة “جلجامش”، تعتمد على نفي التفسيرات القديمة للملحمة، والتي دارت حول ثنائية الموت – الحياة، واستبدل ذلك بالصراع بين الديانتين القمرية والشمسية، مشيراً إلى أن “جلجامش” كان, وظل, مركزاً حيوياً في نص الملحمة، ومثل “انكيدو” هامشاً فيه، على الرغم من أنه قام بمهام عديدة وخطيرة، ولولاه لما استطاع الملك من تحقيق كل أحلامه، لكن في رأيه الذي كتب نص الملحمة لم يستطيع أن يتخلص من هيمنة مركزية المؤسسة الدينية والسياسية، ويكون محايداً في تعامله، لذا اختار نهاية مأساوية لـ”انكيدو”, وتقرر باجتماع شكلي هيمن عليه الإله “انليل” اغتيال “انكيدو”.
لقد هيمن “جلجامش” على مدينة “أوروك” ومارس لهوه وعبثه فاتكاً برجالها وشبابها، مغتصباً فتياتها، فهو الملك المفوض من الإله “انليل” بالحكم.. لقد كان المجتمع العراقي القديم يتألف من طبقتين الأحرار والعبيد، واستنجد أهل المدينة بعد طغيان “جلجامش” سواء من العبيد أو الأحرار، المقيدة حريتهم بسلطة ملك جائر، بالسلطة القمرية وسلطة الألوهة الأنثوية، وهذا الاستنجاد كان تأكيداً لقوتها وبقاء فاعليتها وتأثيرها في الحياة العامة، على الرغم من أنها دفعت إلى منزلة أدني، بعد صعود الديانة الشمسية، لذا كانت الإلهة “ارورو” هي التي خلقت “انكيدو” كما كانت كاهنة الرغبات واحدة من ممثلات الإلهة “عشتار” هي التي أوكلت لها مهمة التحاور مع “انكيدو”.
لقد تجاورت الديانة القمرية مع الشمسية وتحاورتا معاً، لكن الديانة القمرية كانت مهيمنة في الخلق والحوار الاتصالي الشفاهي، حيث حصلت على يديها المتغيرات الأساسية والجوهرية في شخصية “انكيدو”، لقد استلم “انكيدو” المعرفة والفطنة، وأصبح مثل الإله “آنو”، وأكدت تحولات شخصيته سيادة سلطة الألوهة الأنثوية التي قادت “انكيدو” مأسوراً بها إلى مدينة “أوروك”، ويرى “ناجح المعموري” أن المركز الديني تعرض إلى الخلخلة بعد دخول “انكيدو” إلى “أوروك” وتعرضه لـ”جلجامش” بعد تهيئة مراسم طقوس الاتصال المقدس مع الإلهة “شخارا” (شكل من أشكال عشتار), ويتضمن المشهد الشعائر الدينية الخاصة بالزواج المقدس، الذي كان يمارس في العراق القديم، رمزاً لاتصال الملك بالآلهة، وكانت الكاهنة تقوم بدور الآلهة في الاتصال الجنسي مع الملك لإحلال الخصب والرخاء في البلاد، ولما كان “جلجامش” يتهيأ للقيام بهذه الشعائر، وصادف مجيء “انكيدو” فتصدى له ومنعه من دخول المعبد وعطل الطقس المقدس، ولم يستطع “جلجامش” الانتصار على خصمه فعقد صداقة متينة معه، لكن تلك الصداقة حرمت “جلجامش” من مزاولة طقوس الاتصال المقدس، وعطلتها تماماً، وتعطلت إلى الأبد اغتصابات الملك للفتيات.
تخليق شخصية “انكيدو”, واتصاله الشهوي المعرفي قد حدث من خلال سلطة الألوهة الأنثوية وبذا استطاعت أن تجد لها نصيراً في صراعها مع السلطة الشمسية الذكرية، الممثل لها الملك “جلجامش” لكننا نفاجئ بـ”انكيدو” القمري يدخل في صراع مقدس مع طقس قمري، يؤديه بممارسة فعلية الملك “جلجامش” عند عتبة المعبد.. لقد حدثت قطيعة، فقد اتخذ مسار الصراع طابعاً جديداً، وتحول “انكيدو” و”جلجامش” إلى علامة شمسية بعد نمو الصداقة بينهما.

أن ثورة “جلجامش” على الطقوس وما فعله لاحقاً بالثور المقدس السحري, تمثل انهياراً للثقافات الأمومية وصعود الثقافات الذكرية، غلبت الشمس القمر، وتوطدت الديانات الشمسية وراح آلهة الشمس وآلهة السماء السامية يبنون مجدهم بعد معارك حاسمة مع “سيدة العتم” وابنها الثور، فقتل “مردوخ” الأم “تعامة” في صورة تنين رهيب، إن أساطير هؤلاء الأبطال بشكلها المزخرف الأخير وبناءها الأدبي لا يخفي أصلها القديم وشكلها الأول، الذي صاغه آباء الانقلاب الديني قبل مطلع عصور الكتابة، وكل أفعاله تتركز على قهر الرموز القمرية فـ”جلجامش” البابلي حبيب “شمش” إله الشمس يسير برعاية الإله وتوجيهه، فيقتل مع صديقه “انكيدو” تنين غابة الأرز، وتجعل الأسطورة الذكرية من “عشتار” امرأة لعوب تقع في حب “جلجامش” الذي يعرض عنها ويقوم بتحقيرها وتعداد مثالبها، لقد اتسعت سلطته الذكرية بسبب انتصارها وشموخها والإعلان عن سيادتها المطلقة داخل “أوروك”.

ثم تأتي أقصى الصدمات التي تواجه “جلجامش” بموت “انكيدو”, لتدخل الملحمة في مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد تصفية رموز الديانة القمرية في غابة الأرز، هذه الحقبة الجديدة والتي سيواجه فيها النظام السياسي والديني نوعاً جديداً من الصراع، يتمثل في العداوات الباقية مع المدن المتجاورة والتي تتعمق حتماً، والصراع الذي ستشهده الديانة الشمسية الجديدة والتي صعدت فوق حراك الديانة القمرية، التي لم تستلم رغم انهيار رموزها وتعطل بعض طقوسها، هذه الحقبة ستثير المتاعب للملك “جلجامش” والمؤسسات التي يمثلها (سياسية واقتصادية ودينية) أمامها الكثير لتثبيت دعائم حكمها.

موت “انكيدو” يمثل حسماً لصراع مرير بين قوتين يمثلان مرحلتين، وانتهى الصراع باستتاب السلطة الذكرية “البطرياركية” وتعمق هيمنتها وإزاحتها للسلطة القمرية، هكذا صورت ملحمة “جلجامش”، في مستوى من مستويات القراءة المتعمقة، صعود سلطة الذكر الفاتح الباني، الذي كان له دور هام في إنشاء المدن وإخضاع أهلها في نفس الوقت.

مقالات ذات صله