قراءة في كتاب_ “مستودع الطفولة”

في «مستودع الطفولة» التي نقلها نجيب مبارك إلى العربية ، يحكي الروائي الفرنسي الحائز «نوبل للآداب» قصة كاتب يرتحل عن مدينته باريس من دون أسف، لأسباب رجراجة يذكرها عبر تلميح غامض.

في تداخل الذكريات واختلاطها في رأس الكاتب، يُسطّر لنا الروائي الفرنسي باتريك موديانو روايته «مستودع الطفولة» (1989) التي صدرت ترجمتها العربية («منشورات ضفاف»، «ذات السلاسل»، «منشورات الاختلاف») أخيراً بتوقيع نجيب مبارك الذي قارب روح السرد الهاذي، وهيأ لأجله المفردات القريبة من روحه.

موديانو المعروف بولعه بكتابة التفاصيل، من دون مراعاة ترتيبها الزمني، حرص في «مستودع الطفولة» على تضمين هذه التفاصيل روايته كلها، فأتت كأنها مجموعة تفاصيل، على القارئ وحدهُ، ردّها الى أصل السرد لتستقيم القراءة، وبالتالي الرواية.

في مقاربتنا هنا، نرى موديانو فارداً الأولوية للمحسوس على حساب المفهوم، كما أننا كقرّاء لا نرى في مشاهد روايته إلا انعكاساً لما يريده لنا الروائي أن نراه، في محاولته ــ عبر أسلوبه هذا ـــ الى إدراك جوهر حياته، والغاية منها والسبب.

يكتب موديانو هنا، رحلة اغترابه عن باريس طوعاً، مسكوناً بقلق من يرتحلون عن أوطانهم الى جغرافيا جديدة. القلق الذي له ألف من الأسباب، قابلة للاختزال في واحدة: معاناة الكتابة، وبالتالي معاناة العلاقة بينها وبين صاحبها، مع الالتفات الى المسؤولية المترتبة تجاه الأحداث وشخوص الرواية، أي تجاه التأويل عنها، وما يشترطهُ ذلك من إبهام، نجد أن موديانو يبرع في التصّدي له، ويُيسّر لنا كقرّاء مشاركتهُ متاهتهُ. يلفتنا وعي الكاتب بالأشياء، وبالشوارع، ومنعطفاتها، والحياة خارج دائرة الجموع وفي قلبها، بالقطارات ووسائل النقل، بأسماء المتاجر والمقاهي والتفاصيل التي ليست سوى رؤى جزئية تتفوّق عنده على الحقائق الكبيرة. نجحت «مستودع الطفولة» كرواية في تمّلك حضور غير مرئي، أو على الأقل هامشي، لأنها تقوم على المفردة الشاعرية وعلى روحانية الكلمة. يحكي موديانو قصة كاتب يرتحل عن مدينته باريس من دون أسف، لأسباب رجراجة في حقيقتها يتحفظ الكاتب عن ذكرها سوى عبر تلميح غامض. ينكب على كتابة مسلسل إذاعي لصالح راديو «مونديال» في اسبانيا تحت عنوان: «مغامرات لويس السابع عشر» يذيعهُ كارلوس سيرفون باللغة الإسبانية كل مساء لمستمعين مفترضين.

 

مقالات ذات صله