قراءة في كتاب_”هذيان نواقيس القيامة”

ليس جديداً أن يستخدم روائي شكل “رواية داخل الرواية”، غير أن الجديد في رواية “هذيان نواقيس القيامة” هو أنك لا تستطيع القول إن الكاتب استخدم هذا الشكل، وفي الوقت نفسه لا يمكنك أن تنفي ذلك. يلعب الكاتب ببراعة بين المنطقتين: يخدعك حين يوحي إليك أن المخطوط الذي وصله هو الرواية، وأن كل الفصول قبله وبعده خارج الرواية، – أو هي فصول تحكي قصة وصول المخطوط الذي لم يكتبه هو إليه. لكن أثناء السرد تتعالق الروايتان وتتداخلان بطريقة ذكية، ثم في وقتٍ متأخر تدرك أن الروايتين ما هما في الحقيقة إلا رواية واحدة لكاتب واحد.

هكذا، يدخلنا محمد جعفر في لعبة المخطوط الذي وصله مع رسالة من شخص مجهول يخبره فيها أنه يعرفه حق المعرفة، لا بل هو على دراية بأدق التفاصيل عنه، تلك التي لا يعرفها أحد في الدنيا. يعرض عليه الشخص المجهول صفقة رابحة ستنقذه من ورطته بعد أن أصبح كاتباً لا يستطيع تقديم شيء جديد لقارئه، إذ يقوم بإرسال مخطوط روايته إلى “جعفر” كي ينشرها باسمه.

يبدأ المخطوط الموسوم بـ “نواقيس القيامة” بثلاثة مقتطفات إخبارية ، نعرف من خلالها الجريمة التي ستشكل محور الرواية، إذ يتم العثور على جثة الشابة “مريم” في شقتها، حيث انتحرت، ويكشف الطبيب الشرعي عن تعرضها لضربة على الدماغ عجلت بوفاتها، وتبدأ التحقيقات لمعرفة القاتل، بدعوة المشتبه فيهم ممن كانوا على صلة بالشابة.

بقدرة مدهشة على توليد الحكايات بعضها من بعض، يبني “جعفر” روايته بحبكة بوليسية، مقسماً إياها إلى عدة فصول (نواقيس) يخصص كل واحد منها لمشتبه به، يسرد فيه مجموع حكايات هذه الشخصية، وعلاقتها بالضحية، بدءاً بالمحقق “رشيد الأزعر” الذي يتولى التحقيق في هذه القضية، مروراً بأبي مريم، وزوجها السابق “فوزي العياشي”، وزوجها الحالي القاضي “منصور بن عياد”، ونهايةً بكاتب المخطوط نفسه “موحد جابر”، وهو الذي كان على علاقة عاطفية بها، وقد استطاع الحصول على بعض المعلومات عن الجريمة. ولكن لم يتمكن كاتب المخطوط من نشر معلوماته في أي جريدة، إذ كان الرد بالرفض يواجهه مرة بعد أخرى، فلا أحد يريد الحقيقة التي تشير إلى أسماء وشخصيات لها ثقلها في المجتمع، لذا يقرر في النهاية كتابة شهادته حول هذه القضية على شكل رواية.

مقالات ذات صله