قراءة في كتاب_”لعبة المغزل”

يبني حجي جابر “لعبة المغزل” على مراوغة جذرية تنسف في النهاية كل الحكاية المروية وتفتتها إلى “كرات صوف مبعثرة”، ليعيد غزلها بطريقة أخرى، خالقاً حكاية جديدة منها. لكن ما هي الحكاية الحقيقية؟ هذا ما لا ينشغل به الكاتب، فالحقيقة متغيّرة، يكتبها المنتصر على هواه، ووفقاً لمصالحه، ومصلحة حجي جابر هنا أن يلاعب القارئ ويمنحه بعضاً من المتعة.

إذاً، ما الذي تريد هذه الرواية قوله ما دامت تهدم في النهاية كل ما بنته، ثم تبني قولاً جديداً لا يستطيع المتلقي اعتباره بناءً غير قابل هو الآخر للهدم؟

هذا بالتحديد ما تريد قوله: إن الحكاية، أي حكاية، حتى هذه الحكاية، لها وجوهٌ عديدة. لا شيء حقيقي وصحيح بالمطلق، وكل شيء قابل لإعادة التدوير والتأويل، في لعبةٍ تشبه حركة المغزل التي يستعيرها الكاتب ليبني وفقها شكل روايته.

في أحد أوجه الحكاية، أن بطلة الرواية، التي لا نعرف اسمها، سمراء جميلة، ممشوقة القوام، تعيش مع جدتها في مدينة أسمرا بعد أن توفي والداها وهي لم تزل في الثالثة من عمرها. تعمل في “دائرة الأرشفة”، وهي دائرة تهتم بأرشفة وثائق الدولة وحفظها إلكترونياً.

هكذا تجد الفتاة نفسها أمام أكوام من الورق الأصفر المهترئ الحافل بعبارات جافة، مملة رتيبة، لا روح فيها. ولا تلبث أن تجد طريقها إلى الاستمتاع بالعمل، تبدأ بتغيير ما ورد في الوثائق، تكمل الحكايات الناقصة، وتخترع حكايات جديدة للأشخاص، وتعدّل على هواها، “كانت تشعر بالإثارة، فها هي تصنع حكايتها الخاصة، ها هي تبث الروح في وثائقها البنية”.

تشير الرواية إلى التزييف الحاصل في كتابة التاريخ، وكيف أن المنتصر يكتبه على هواه، فيزوّر الحقيقة بما يلائم مصالحه، خالقاً الأمجاد من حوله، مشوّهاً صور الآخرين، ومحوّلاً هزائمه إلى انتصارات.

يقسم الكاتب روايته إلى 10 شرائط، لكل شريط منها وجهان، وفي الفصل الأخير الذي لا يتبع لهذا التقسيم، نكتشف أن ما سبق لم يكن إلا تسجيلات صوتية قامت بها الفتاة، لكن هذا الفصل يكمل لعبة الرواية، فيغيّر الكثير من حقائقها ليعيدنا إلى السؤال: “ما هي الحقيقة؟ من يكتبها؟ وهل ما سبق من تسجيلات هو الحقيقة أم ما ورد في هذا الفصل؟”.

مقالات ذات صله