قراءة في كتاب_”الراويات”

تكتب مها حسن في روايتها الجديدة “الراويات” عن متعة “الروي”، عن فن أن تحكي، وأن تخلق الحكايات. عن تلك النشوة الخالصة التي يحققها فعل “الروي” للراويات.

من حيث الشكل، تبني حسن روايتها على شكل ثلاث روايات مستقلة ومتصلة في آن واحد، هي أشبه بدمية “ماتريوشكا” روسية، فالرواية تخفي بداخلها رواية أصغر، هذه الرواية تخفي واحدة أصغر أيضاً، وهكذا.

الراوية الأولى في الكتاب هي “أبدون” التي تحيا ضمن عوالم خيالية، تخلق فيها شخصيات لا نهائية، تعيش معها، وتتخيّل حكاياتها. تتغيّر حياتها بعد أن يأتي رجل يعرض عليها المال اللازم كي تترك عملها وتتفرغ لكتابة رواية. توافق “أبدون” مدفوعةً بحبها لهذا الرجل الذي لفتتها وسامته. لكنه بعد أن تنتهي من الكتابة يسطو على الرواية وينشرها باسمه، مع ذلك فإنها لا تمانع.

يحقق الرجل شهرة واسعة بسبب هذه الرواية، لكنه يبقى عاجزاً عن كتابة واحدة ثانية، فيذهب إلى قرية للاستجمام والاسترخاء، وهناك يعثر على حب حياته “لويز”، التي تكون واحدة من الراويات أيضاً. يتزوجها وينجب منها ابنة، لكن ظهور رواية تدور أحداثها في تلك القرية، والشهرة التي تنالها، يسببان له نوعاً من الهوس، خاصة بعد أن يربط الناس بين الاسم المستعار الذي وُقعت به الرواية، ووجوده هو في تلك القرية.

الخاتمة ستكون بعنوان “مقهى شهرزاد”، ذلك المكان المخصص للراويات اللواتي لديهن حكايات لم يكتبنها، والذي يبدأ استقبال الزائرات بعد منتصف الليل، حيث يلبسن الملابس التاريخية الملونة، ويحكين حكاياتهن.

تسرد حسن فصولاً تبدو متقطعة ولا علاقة لها بخط السرد الأساسي، لكن، فجأة وفي غمرة انشغال القارئ بحكايات جديدة وحبكات فرعية، تربط الروايات الثلاث بعضها ببعض، ببراعة من خطط مسبقاً لإدهاش المتلقي.

هكذا، تنحاز منذ البداية إلى الحكاية، التي هي الأصل، إلى الشفوي، البعيد عن التدوين، الذي يحمل في أحد معانيه: الرغبة في النشر، ما يُجبر صاحب الحكاية على أن يخضع لمتطلبات النشر والتسويق، فتفقد الكتابة تلقائيتها، وتفقد الحكاية طزاجتها. والتدوين يعني أيضاً، أن تصبح الحكاية ثابتة لا مجال لتعديلها أو تغييرها، بينما الكاتبة مغرمة – في هذه الرواية على الأقل – بالتحوير والتبديل وكسر المتوقع. لا اسم ثابت على امتداد الرواية، كل شخصية يمكن أن تحمل اسمين، ثلاثة، أو أكثر. لا وجود للمطلق والنهائي، حتى تلك الحكايات التي عرفناها صغاراً، نجد أن أبطال روايتها يغيّرون فيها ويحكونها على هواهم، فتصبح “سندريلا” ليست تلك الفتاة صاحبة الحذاء، بل الفتاة التي يعكس وجهها مستقبل الزمن القادم للشخص الذي ينظر إليه.

مقالات ذات صله