قراءة في كتاب _ “جدائل صعدة”

يستخدم مروان الغفوري في روايته الأخيرة “جدائل صعدة” شكل الرسائل المتبادلة بينه وبين بطلة روايته طريقةً للسرد، فتكون الرواية كلها عبارة عن رسائل تقصّ  فيها “إيمان” حكايتها لشخصية المؤلف الحقيقية، ورسائل يردّ فيها هو على تساؤلاتها، يحفزها على الاستمرار في الكتابة، يذكّرها بأحداث روتها له قبلاً، وينقل لها ما تثيره رسائلها في داخله من مشاعر وذكريات.

النقطة التي ينطلق منها الغفوري لبناء حبكة روايته هي أن لدى “إيمان” حكاية تريد أن تخبره عنها، كي يرويها هو لقرائه، لأنها لا تريد أن تموت هذه القصة وتنتهي بموتها.

في رسائلها تخبره “إيمان” أنها تعيش لدى امرأة عجوز في صنعاء، إذ تركت بلدتها في محافظة  “صعدة” وأتت إلى العاصمة، بسبب “خطيئة” لم ترتكبها. بطنها انتفخ وبدأت الأقاويل والشائعات تسري في البلدة عن حَملها، ثم بدأت القصة تتضخم مع تضخم بطنها، وبدأ الأهالي ينسجون الحكايات حول علاقة غرامية تربط الفتاة المراهقة بمدرّس القرية.

تصوّر “إيمان” في رسائلها مجتمع البلدة المنغلق، الذي يكبّل المرأة بقيود من العادات والتقاليد الظالمة، وكيف أنه يمارس سطوته في حرمان الفتيات من التعلّم. وتشير إلى حروب صعدة الست الشهيرة، لكنها لا تذكر تفاصيل الصراع السياسي وأسبابه، بل تنقل معاناة سكان البلدة، وتأثرهم بالحرب التي لا يعرفون فيها من المنتصر ومن المهزوم. هكذا تحكي كيف اشترك أخوها “حسن” في بعض هذه الحروب، لتجرّه إلى العنف والقسوة والتجرد من الإنسانية، رغماً عنه، فيقرر بعد عودته من إحداها ألا يشترك مجدداً في أي حرب تنشب.

تمتد الرسائل فترة زمنية صغيرة نسبياً هي شهر ونصف الشهر من مطلع عام 2014، ولكنها تلخص سنوات طويلة من حياة الشخصيات التي تحكي عنها “إيمان”.

بسلاسة وخفّة وبعض الومضات الشعرية، تمضي صفحات الرواية. نقرأ الكثير من المشاعر، والذكريات، والحكايات، ونقرأ عن الأسوار غير المرئية التي تفصل البشر في صنعاء، عن الفقر والثراء، عن الحب والكراهية، عن الحروب والتوق إلى السلام. نقرأ عن جدائل “إيمان” التي “تنسدل من أعالي الجبال وتبلغ أسفل الوادي، فتمشطّه الجنيات وتختبئ خلفه الخيول والقوافل والفرسان”.

مقالات ذات صله