قراءة تحليلية في كتاب الشر السائل ( العيش مع اللابديل )

بقلم / الشيخ عبد الهادي الدراجي – الجزء الثاني

المانوية الحديثة :

وتلك النظرة عن القدرية والحتمية تعود بنا الى الديانة المانوية كما يقول ليونيداس والصراع الكبير الذي وقع بينها وبين المسيحية كديانة، فالمسيحية ترى الشر معصية ونقيصة يمكن التغلب عليها بينما ترى المانوية الخير والشر أمران واقعيان وبينهما تصارع على الدوام وهذه هي المعركة  بين المسيحية والمانوية فكراً وأعتقادا، وهنا يسأل ليونيداس في مقدمته عن الشر السائل عن مدى أهمية الرؤية المانوية في عالمنا اليوم وهل هي متحققة بصياغاتها المحدثة والجديدة أم لا ؟

ويجيب ليونيداس عن ذلك من خلال أستشهاده بمفكرين اعتنقوا فكرة المانوية حينما لاحظوا حجم الدمار الفظيع الذي شهده القرن العشرين الأمر الذي أستدعى الى أستحظار فكرة المانوية من خلال ماكتبه ميخائيل بولجاكوف في روايته ” المعلم ومارجاريتا” والتي تم نشرها بين عامي ١٩٦٦و ١٩٨٤ وكل عمل تلك الرواية نابع من عمل يموج بروح العقيدة المانوية يقول ليونيداس معلقاً عن المانوية الحديثة ومعتنقيها الجدد [ فالرواية تحتوي على اشارات عدة لمفاهيم ” النور ” و” الظلام” التي صاغها النبي الفارسي ومهندس هذه المنظومة العقدية التي أشتق اسمها من اسمه وتفسير الشر في هذه الرواية التي ولدت في شرق أوربا في القرن العشرين هو تفسير يؤكد أن الشر يتمتع بالكفاية الذاتية] كتاب الشر السائل ص٢٤.

وعلى كل حال فأن أستحضار المانوية كعقيدة في الفكر الغربي جاء ايضاً على لسان الشاعر “تشيسلاف ميلوش” والذي اعتبر نفسه من أنصار المانوية وذلك بسبب ملاقاته لشرور القرن العشرين كما يذكر ليونيداس ، وكذا ظهرت المانوية بصورة سرية لدى الفيلسوفة الفرنسية “سيمون فايل” بحيث أنها كما يقول فيلسوفنا الذي نتحدث عنه أضفت معنى من معاني الألفية على عبارة ” ليأتِ ملكوتك” في الصلاة الربانية ، ويسترسل ليونيداس مستشهداً بتدريس ميلوش الشاعر في جامعة كالفورنيا وخصوصا في كتابه [ABC] والذي يحدد فيه فصلاً أفتتاحياً عن الشر والشرور في القرن العشرين من خلال قصة حركة البوجميل [Bogomils] والتي هي الغنوصية في بلغاريا وغيرها من حركات الغنوصية الأخرى كحركة الكاثار الغنوصية في مدينة فيرونا وغيرها من المدن الأيطالية ، فكل هولاء من عظماء الشرق الأوربي كانوا مانويي المعتقد بحسب عبارة ليونيداس ، ما يعني أن شرور القرن العشرين والفظائع التي برزت فيه أستدعت تفسيراً خطيرا لفكرة الأله بل ربما زاد من ذلك عدم الأيمان الى حد كبير بأن الله قدير وبأن الله محبة نتيجة تلك الممارسات البشعة التي حصلت في المجتمع الأوربي أبان ذلك القرن، وعليهي يقع السؤال التالي ماذا يعني مفهوم الشر السائل ؟؟؟؟

 

الشر السائل “معناه” :

 

يتسائل ليونيداس عن معنى الشر السائل وكيفية فهمه على أحسن وجه خصوصا مع كثرة وتعدد وتألف الظواهر المتعارضة فهو يرى أن الشر السائل يرتدي ثوبين ، ثوب الخير ، وثوب الحب بعكس الشر الصلب الذي يقوم وفق الرؤية الأجتماعية التي ترى الأمور من خلال اللونين الأبيض والاسود ناضرين الى سهولة التفريق بين الشر السائل والصلب من خلال الشرور المحيطة بنا في عالمنا الأجتماعي والسياسي وبعبارة ليونيداس [ أن الشر السائل يستعرض نفسه كأنه تقدم الحياة المحايد والمتجرد من الأهواء وكأنه السرعة غير المسبوقة للحياة والتغير الأجتماعي بما ينطوي عليه من نسيان وفقدان للذاكرة الأخلاقية كما أن الشر السائل يرتدي عباءة غياب البدائل وامتناعها ويصبح المواطن مستهلكاً ويخفي الحياد القيمي حقيقة الأنسحاب ] كتاب الشر السائل ص٢٥.

مايعني أن الحديث عن الشر وسيولته عند ليونيداس هو نوع من القدرية والحتمية  والتتشاؤمية التي تسدعي الخوف والهلع يقول ” فعندما أتحدث عن سيولة الشر فإنني أعني أننا نعيش في مجتمع تستحوذ عليه نزعات الحتمية والقدرية والتشاؤمية والخوف والهلع وهو مجتمع مازال يميل الى تمجيد إنجازاته الديمقراطية الليبرالية العتيقة وإن كانت قديمة وخادعة ” انظر كتاب الشر السائل ص ٢٩.

 

سيطرة التكنولوجيا والشبكات الإجتماعية وشرورها السائلة:

 

وفي بيان جميل مقتضب في حوار ليونيداس مع زيجمونت باومان يستعرض الشر السائل الكامن في داخل عصر التكنولوجيا والشبكات الأجتماعية التي تستدعي السيطرة والأنفصال بحيث أصبحت رؤية الجميع ممكنة ومتاحة وجميعنا يكشف عن نفسه من خلال بياناته على أن تكون جميع تلك البيانات متاحة للآخر فهي بعدُ لم تعد خافية على أجهزة الدولة الحساسة وهكذا يقوم الشر السائل الكامن في وسائل التواصل الإجتماعي بأستحظار كامل خصوصيتنا أمام مرأى ومسمع الجميع بلا حدود وقيود، تلك الخصوصية التي كانت ينبغي أن تذهب معك الى قبرك ، وبعبارة فيلسوفنا لقد أختفت كلمة ” السر” وصارت بضاعة معروضة للبيع وسلعة تجارية وكلمة مرور الى نجاح لحظي مؤقت.

مقالات ذات صله