في ظل وجود  مغريات العيش .. ادخار الشباب “ثقافة مفقودة”

 

بغداد _ متابعة

مع تنامي ظاهرة القروض الاستهلاكية والإنفاق الزائد على الكماليات، غابت الثقافة الادخارية عن واقع وممارسة وخطط الكثير من الشباب رغم ما يحققه الادخار من مرتكزات آمنة تعينهم على تلبية متطلباتهم الأساسية ومواجهة الكثير من الأزمات الطارئة فضلا على دوره في تعزيز الاستقرار المالي، فلماذا يفتقد شبابنا الثقافة الادخارية في الوقت الذي تعددت فيه أساليب الادخار وبرزت الحاجة الماسة إليه؟

بداية يؤكد ماجد رزاق على أن الادخار بات مطلبا أساسيا لتلبية الاحتياجات المستقبلية لكن كثيرا من الشباب يجد صعوبة في ذلك لقلة دخلهم المادي وعدم وجود فائض إذ بالكاد يلبي متطلباتهم الأساسية، خاصة من لا تكون لديه اجار سكن ومصاريف الجامعة اذا كان طالب، مبينا أنه اعتاد على الادخار المؤقت منذ دخوله للجامعة، لكن كحال أي شاب كان يواجه زيادة في المتطلبات مما يضطره في النهاية على صرف ما قام بادخاره، مشيرا إلى أنه استمع أخيرا إلى نصيحة والده في اقتطاع جزء من راتبه لادخاره.

وأشار ماجد , الى أن الادخار مرتبط بمدى التفكير الناضج وأهمية التخطيط للمستقبل؛ لهذا نجد بعض الشباب رغم الغلاء المعيشي وزيادة متطلباته، إلا أنه حريص على أن يدخر جزءا بسيطا من دخله الشهري ، مضيفاً أن تسهيلات البنوك وتعدد عروضها في منح القروض ساهم في تفاقم تلك المشكلة في الوقت الذي لا نرى لها دورا للتوعية بضرورة الادخار.

وقالت نوال عقيل  , لم تكن أمامي أي مسؤوليات واضحة أو أهداف معينة لكي أبدأ بمشروع الادخار رغم النصائح المتكررة من والدي والذي لاحظ عدم اهتمامي بالأمر خاصة وأنه غضب حينما علم بأني لم أدخر شيئا في السنة الأولى من وظيفتي، لكن في العام الثاني طلب مني أن أخصص له مبلغ معين من راتبي لمعاونته في مصروفات المنزل فكان له ذلك غير أنه لم يصرف منها شيئا إذ قام بشراء قطعة أرض، وقدمها لي بعد ثلاث سنوات حينها تعلمت حقا أن الادخار أمان لا سيما وأن الموظفات لا تقع عليهن الكثير من المسؤوليات كما هو الحال لدى الشباب، مشيرةً إلى أن ثقافة الادخار تتطلب تعوّدا وممارسة منذُ الصغر وللأسف كثير من الأسر لا تنمي تلك القيمة الايجابية لدى أبنائها ونرى ذلك جليا في كثير من المناسبات الاجتماعية حيث المجاملات الكاذبة ومحاولة الظهور بمظهر زائف وإن كان بالديون والاقتراض.

من جانبها أكدت زينب احمد , على أهمية الإدارة الراشدة للمال ونشر ثقافة المسؤولية المالية في هذا الوقت تحديدا والتقليل من مظاهر الإسراف الاستهلاكي في المجتمع العراقي والاستهلاك المضاعف عن الحاجة الواقعية مثل الطعام والطاقة وعدم اعتبار الكماليات من الضروريات هو أمر ملح يعكس سلوكيات اقتصادية ايجابية تؤثر في تنشئة الأبناء، مضيفةً أن مفهوم الادخار والتوفير لا يعني فقط إيداع مبلغ من المال في البنك، فنشر ثقافة الادخار من خلال التعرف على أهميته وكيفية إتقان فنه يساعد على تحقيقه، فالمسؤولية المالية والادخار تعد من أهم القضايا التي يركز عليها الفكر الاقتصادي كركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية، مبينةً أن الوعي الاستهلاكي والمسؤولية المالية والادخار واجب وطني على الجميع ولا يقتصر فقط على شريحة الشباب وذلك من أجل الحفاظ على مصادر التمويل في الدولة.

و أشارت زينب , أن الأسرة تلعب دورا كبيرا في غرس وتشجيع مفهوم وثقافة الادخار، مبينةً أن نمط الأسر التي تحاول مجاراة المجتمع بأحدث الصيحات والموضات بغض النظر عن قدرتها المادية، تؤثر سلبا على ثقافة الادخار، وحتما تؤدي إلى تراكم الديون، ولكن هناك عوامل أخرى بجانب زيادة الاستهلاك لدى الفرد العراقي في الوقت الحاضر أدت إلى غياب ثقافة الادخار .

كما شددت زينب , على ضرورة تبني مشروع وطني يعزز نشر ثقافة الادخار ويهدف إلى تهيئة أفراد المجتمع لاكتساب المهارات اللازمة للاستفادة من مفهومه للتوصل إلى حلول مميزة تحمي الفرد من الأزمات المالية وتساعد الاقتصاد الوطني على النمو والتطور.

من جانبها أوضحت د. بشرى جابر – كاتبة في الشأن الاجتماعي – أن مجتمعنا ينقسم في نظرته للادخار بين إفراط وتفريط، فمعظم الناس تؤمن به، ولكن لا تطبقه، فهم يرون إذا كان دخلي قليلا ولا يفي باحتياجاتي، فكيف تريدونني أن أدخر؟ وهنا قد لا يعلم الكثير أن الادخار هو الأنسب لذوي الدخل المحدود أكثر من ذوي الدخل اللامحدود، فهو يقيهم الدخول في دوامة الديون المهلكة، والتي من السهل أن تقع فيها ومن الصعب جدا جدا الخروج منها.

وقالت , ان مبدأ الادخار يجب أن يغرس في الأبناء منذ الصغر فإن كانت الأسرة تؤمن بالادخار فسينشأ أبناؤها عليه، وإن كانت الأسرة شعارها اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب فكل أبنائها سيغردون بنفس هذا الشعار.

وأشارت د بشرى , الى ان أبناء الأسر المدخرة لا يقترضون، ومن ثم سيتجنبون قضايا الديون التي تصل إلى السجون، وفي المقابل أبناء الأسر غير المدخرة غالبا لا يكفيهم راتبهم إلى آخر الشهر حتى لو تضاعف هذا الراتب، لأنه سيضاعف إنفاقه، مبينةً أننا في مجتمعنا نسمي الأسر المدخرة بالأسر البخيلة والأسر المسرفة بالأسر الكريمة، وبطبيعة الحال نجد أن أكثر صفة ممقوتة هي صفة البخل، وأكثر ما يمدح هو الكرم، لهذا السبب ربما لا تقبل كثير من الأسر على الادخار، فلقد طبعت في الأذهان صفة البخل في الأسر المدخرة، فكل فرد في الأسرة مخصص له مصروف شهري، لذا يريد إنفاق كل هذا المصروف على احتياجاته الخاصة، وهو غير مستعد ليشتري من مصروفه المحدد وغير القابل للتعويض هدية لجده أو خاله أو عمه، ولا يرغب بدعوة أحد على حسابه، ولا يفرح بنزول ضيف عندهم، أو زيارة قريب، لأن هذا يعني صرف مال ليس مخطط له، مال لا يعوض، فينتقل إلى المرحلة الأخطر، وهي بخل المشاعر، وعدم التفاعل مع الناس، فيكرهه الناس ويرون أن هذا كله بسبب الادخار، فمثلا إن زار قريب لنا مدينتنا، فالأسر غير المدخرة تذبح الذبائح احتفاء بقدومه، والأسر المدخرة تكتفي بحضور ولائم الآخرين، فهذا سيوفر لها طعاما مجانيا، ولكن بالطبع لا تفكر بدعوة أحد فمالها المُدخر لا تود أن تصرفه على إكرام ضيف، أو ادخال سرور على الآخرين، وتريد أن تنفقه على سعادتها فقط، كأن تسافر به، أو تشتري حقيبة ماركة غالية الثمن، وفي نهاية الشهر من أقام الولائم اهتزت ميزانيته، ومن ثم يذهب ويقترض من الأسر المدخرة، والتي ترى تصرفه سببا لاستمرارها بالبخل.

وشددت د. بشرى , على أن ديننا دين الوسطية، وخير الأمور الوسط، مضيفة ان هناك ولله الحمد فئة وسط بين الفئات المدخرة والبخيلة والمسرفة الكريمة، وهي فئة المتعلمين الواعين، الذين آمنوا بالادخار، شرط ألا يصحبه بخل أو تقصير في واجب، وبما أن الحقوق والواجبات كثيرة، فالحل هو التعاون في إقامة الواجب، فحين يحل ضيفا في المدينة كل أفراد الأسرة تتشارك في وليمة مشتركة، لا تثقل كاهل أحد ماديا، أو جسديا، أو فكريا، بل انتشرت أفكار عملية جميلة كوجود استراحة أو مجلس لكل أسرة، ويتم مشاركة الجميع في كل مناسبة كذلك تقديم هدايا مشتركة لكل مناسبة كزواج وولادة وهذا يجعل انفاقك على بند الهدايا قليلا لكن متلقي الهدية ستكون هديته قيمة لأن الجميع ساهم بهذا المبلغ الزهيد، لذا مثلما نغرس قيم الادخار في أبنائنا فيجب غرس قيم الكرم والإهداء، ويتم مكافأة الابن على ذلك، وعدم محاسبته حسابا عسيرا، فمثلا اذا اقتطع من مصروفه ليشتري هدية لجده، أكافئه بأن أضيف لمصروفه مبلغ الهدية، وبذلك سيتشجع الابن ويهدي جده الآخر، فهو في أمان أن صلة الرحم لا تنقص رزقي بل تزيده.

مقالات ذات صله