في ظل التقنيات الرقمية..التصوير الشمسي مهنة غمرها الزمن

تحقيق وتصوير: كريم كلش

 مع تطور تقنيات الزمن الرقمي بدأت ادوات ومستلزمات التصوير القديمة بالتراجع تدريجيا، ومنها مهنة التصوير الشمسي التي ازدهرت منذ اربعينيات القرن الماضي وأفل نجمها في التسعينيات، وكل من عاش في تلك المرحلة شاهد بالتأكيد عددا من المصورين الشمسيين على الأرصفة المتاخمة للدوائر الحكومية وقرب المحاكم، وربما التقط صورة او اكثر من اجل اتمام معاملة رسمية او اقامة دعوى قضائية او الانتساب لدائرة حكومية.

هذه المهنة الفنية التقليدية لم تعد اليوم قادرة على التواصل ومواكبة التطور والتقدم الكبير الذي حصل في تكنولوجيا الفوتوغراف وعالم الكاميرات المثير والمدهش في تقنياته واساليبه العلمية والتقنية.

يذكر التاريخ ان اول آلة تصوير دخلت العراق كانت عام (1895) اي قبل (122) عاما من احتلال العراق عن طريق مصور يدعى عبد الكريم تيوتي وهو من اهالي محافظة البصرة وقد سافر الى الهند لدراسة فن التصوير وعاد واسس استوديو للتصوير ومارس هذه المهنة طويلا. وبعد دخول البريطانيين للعراق بدا الناس يتعرفون شيئا فشيئا على كاميرا التصوير الشمسي، وهي عبارة عن صندوق مستطيل فيه عدسات وبداخله محلول تثبيت الصورة يقف على ثلاثة مساند.

حاولنا من خلال هذا التحقيق الاقتراب من عالم التصوير الشمسي وتسليط الضوء على بعض خفاياه واسراره ومن تبقى من المصورين الذين مازالوا يمتهنون العمل الحديث.

العين الثالثة

احد المصورين القدامى جاسم تركي يبلغ من العمر (70) عاما اكد ان الصورة الشمسية كانت تسمى في ذلك الوقت (عكس) وتؤخذ للمعاملات الرسمية وللمدارس بالأسود والابيض، وظهرت بعد هذه المرحلة محال التصوير الفوتوغرافي واستمرت عجلة التطور بالاستمرار حتى اصبحت اجهزة التصوير مرتبطة بالكومبيوترات وتجهز الصورة خلال دقائق وبالألوان، اما التصوير الشمسي فاصبح غير قادر على التواصل ومواكبة التطور في تكنولوجيا الفوتوغراف والكاميرات الحديثة التي اصبحت العين الثالثة للمصورين الجدد من الشباب.

اما المصور كريم اللامي فقال:

دخلت هذه المهنة وعمري (10) اعوام ورثتها من والدي حيث كنا نضع قطعة قماش سوداء او حمراء لإبراز الوجه وهي تعطي ابراز الوجه مقسما بين الوجه والخلفية وثانيا لا تعكس ضوء العدسة، وعلى حد معلوماتي دخلت هذه الكاميرا الى العراق عام (1906) وعن زبائنه السابقين اكد انهم من العمال واهل الفنادق والمطاعم يأخذون الصورة لأجل حصولهم على البطاقة الصحية اما اليوم فقد اصبحت مهنة التصوير الشمسي نادرة جدا بل معدومة بسبب تقدم اجهزة التصوير الحديثة.

وأوضح – كنا في ذاك الوقت غير مسجلين كأعضاء في الجمعية العراقية للتصوير ونعمل من دون ترخيص او اجازة ممارسة المهنة.

المصور عبدالله علي (80) عاما، قال: كان المصور الشمسي في الماضي يسمى ب (العاكس) نسبة الى العكس اي انعكاس الصورة على العدسة فكاميرا التصوير الشمسي البدائية الصنع والاداء اصبحت من التراث الشعبي فضلا عن عجزها التقني واعتمادها الكلي على ضوء الشمس وتخصصها بالبورتريت الشخصي فأنها مقتصرة على التصوير السريع جدا للمعاملات الرسمية وسمي تصويرها بالشمسي لاعتمادها في الإضاءة على الشمس. يقوم المصور الشمسي بتصوير الشخص _الجلوس على الكرسي وخلفه قطعة قماش سوداء_ ويعد المصور بعد رفع غطاء العدسة لتلتقط الكاميرا الصورة، وتظهر صورة تسمى (الفريم) اي الجامعة والتي تحتاج الى رتوش باللون الاحمر على بعض مناطق الوجه لإبراز ملامح الصور وبذلك تحصل على اربعة صور خلال دقائق مستعجلة للمعاملات وهي مبللة بالماء.

ذهبنا الى الباب الشرقي والتقينا صاحب محل تصوير كان يعمل سابقا مصورا شمسيا.. وهو المصور حسين داود.. الذي قال:

عملت مصورا منذ (63) سنة ودخلت هذه المهنة وعمري (14) عاما وكان وجودنا قرب الدوائر الرسمية وبسبب وجود التقنيات الحديثة اختفت مهنة التصوير الشمسي الان وجعلت المصورين الشمسيين يغادرون المهنة وبعضهم ذهب الى اعمال اخرى بعدما قضى اكثر من نصف قرن من الزمن في مهنة التصوير الشمسي ومن بقي منهم إلا قلة ما زالوا يمارسون مهنة التصوير الحديث (بالكومبيوتر) لأنها سريعة وملونة مع اضافات في التصوير بالملبس وحذف مختلف الخلفية (الباك كراوند) ومازال عملنا مزدهر واكثرها في موسم المدارس والكليات.

وتحدث ابو علي.. رجل مسن قائلا:

انتشرت الآن الكاميرا الرقمية في العراق لا سيما بعد الاحتلال اذ دخلت كميات كبيرة من الكاميرات والكومبيوترات نتيجة فتح الحدود اما تدفق السلع والبضائع الى العراق والغاء الرسوم الجمركية التي كانت مفروضة في السابق، ولهذا اثرت على عمل التصوير الشمسي لوجود الكاميرات الرقمية التي ساهمت في اختصار الكثير من اجراءات التحميض وطبع الصور التي كانت سائدة في السابق فضلا عن سهولة استخدامها ويتم نقلها الى الحاسوب والانترنت الذي يسهل عمل التصوير بالكاميرا الرقمية ايضا.

موضحا ان التصوير بالأسود والابيض انعدم على الرغم من انه الاكثر فنا من التصوير بالكاميرا الحديثة لان تصوير الظل والضوء بالأسود والابيض له ابعاد وابداع كبير لا يشعر به الا المصور والمتذوق لهذا الفن.

ابو سامي مصور حر في حديقة الامة، قال:

يعد التصوير الفني من المهن التي عاشت فترة ازدهار واسع وانتشرت في انحاء مدن العراق وقرب الدوائر الرسمية، والذي بدأت منذ فترة العشرينات والى نهاية التسعينات وله حضوره الكبير واصبح المصور الشمسي متألق في هذه الصنعة الفنية التقليدية، حيث كان يمتلك ستوديو مصغرا يتم عملية الطبع والتحميض داخل الصندوق الخشبي تجهز الصورة الشخصية فيه، علما ان المصور الشمسي كان يأتي قبل دوام الدوائر ويجهز محلولا يكفيه للتصوير يوما كاملا يستخدم المواد الخاصة بالتصوير هي: المحلول – الورق – والحبر الاحمر وهذه المواد مستوردة بكثرة، واصبحت اليوم منقرضة وبعيدة عن أنظار الناس بسبب تطور العصر جعل المصور الشمسي يغادر صندوقه الخشبي.

وفي الجمعية العامة للتصوير/ المركز العام التقينا الاستاذ صباح الجماس امين سر الجمعية ليحدثنا عن مهنة الوداع للكاميرا الشمسية قائلا: تطور التكنولوجيا الحديثة ادت الى اختفاء الكثير من المهن والحرف القديمة واستعمال الكاميرا الرقمية (الديجتال)، وهناك اختلاف كبير من حيث اليوم والامس فقد كان المصور الشمسي في ذلك الوقت يلتقط الصور يضع رأسه في الكيس الاسود وتخرج الصورة التي تسمى (العكس) ويضاف اليها اللون الاحمر لتصبح الصورة بيضاء بدلا من الرتوش وهي صورة تأخذ في المعاملات الرسمية بالأسود والابيض وكانت هذه الآلة من العجائب التي كان يخاف الناس منها ويعتبرونها عمل السحر في ذلك العهد .. اما اليوم مع تقدم اجهزة التصوير بالكومبيوتر التي تجهز الصورة بدقائق اصبحت كاميرا التصوير الشمسي اليوم لا تعمل في اماكن تواجدها التي كنا نراها في السابق ببغداد، وان ظروف الحياة المعيشية الصعبة جعلت المصورين الشمسيين يغادرون المهنة بعد ان قضوا فيها شوطا من الزمن.. وبعد ان عانوا من كساد في عملهم الذي ينافسه التصوير الفوري، وأضاف الجماس، تعمل الجمعية الان على فتح دورات لجميع المصورين الهواة من الشباب تعليم اسس الكاميرا الحديثة والتطور الحاصل في الكاميرا الديجتال ومواضيع اخرى عن التصوير الفوتوغرافي.

مقالات ذات صله