في ظل الاستيراد العشوائي ..مهن تقليدية قديمة ولكنها تقاوم الانقراض

بالرغم من التطور الكبير الذي عاشه العراقيون خلال الفترة التي عقبت الحرب الاخيرة وخلال الاستيراد العشوائي للبضائع والسلع الجديدة والتي جذبت انتباه الناس،تعيش الكثير من المهن التقليدية في العراق أيامها بالرغم من تحول أنظار المواطنين نحو ما هو ارخص ثمن وأقل جوده تماشياً مع الحياة المتسارعة .
فجيل اليوم قد لا يعرف ولا يتذكر الكثير من المهن، فيما جيل القرن الماضي ما زالوا يعيشون ذكريات المهن الجميلة ويحنون لأيامها الخوالي، وفي هذا الاستطلاع نحاول ان نقرب صورة بعض هذه المهن ونتحاور مع من تبقى من أصحابها ونتعرف على أسباب انحسارها .
فضيوف استطلاعنا وجوههم مختلفة لأنهم لا يتشابهون، وهذا أمر عادي لأن لا أحد في هذا العالم يشبه الآخر، حتى التوأم، لكن ما يجمع بين “أبو سالم”، الصفار و”عيسى التميمي”، النداف و” جاسم محمد على “الرواف، احترافهم مهن انتهى عمرها الافتراضي، وصارت جزءا من الماضي، وأصبحت لا تسمن ولا تغني من جوع، والرابط الوحيد بينهم هو أنهم يحبون ما يقومون به، ولا يعرفون القيام بعمل آخر غير الذي يحترفونه، ورغم كل هذه الظروف ليسوا على استعداد أبدا لترك هذه المهن، و من هنا يبدؤون جميعا الحديث عن مهنهم التي ستنقرض بعد حين.
بدايتنا كانت مع “ابو سالم الصفار” الذي ما ان اقتربنا من محلة الواقع في احد الأسواق القديمة حتى بدأنا بسماع صوت طرقات أدواته وهي ترسم باستحياء زخارف ونقوشات على النحاس وتعيد جمال السنوات الجميلة بما تمثله من بساطة الحياة التي اختفت وضاعة في زحمة التقدم.
يقول “ابو سالم” :”مهنة الصفار واحدة من اقدم المهن في العراق حيث امتهنها وعمل بها الناس منذ قرون وكانت من افضل واهم الصناعات في ذلك الوقت التي توفر للناس مستلزمات الطبخ والبيت والجمال الذي يزينون به بيوتهم وقصور أمراء البلاد”.
ويضيف :”لقد حافظت هذه المهنة على عراقتها واصولها والاقبال عليها حتى وقت قريب بعد ان تحولت البلاد الى سوق مفتوحة تندفع لها كل المنتجات الجيدة والرديئة دون ضوابط وقوانين، مما اضر بالكثير من المهن والحرف التراثية والمهمة بسبب اقبال المواطنين على المستور الارخص ثمن والسهل التوفير دون الاهتمام بالمضمون والمهنية وجمال الصناعة وروعة الفن الذي يتفنن به صانع النحاس في مهنته”.
ونقل “ابو سالم” العتب للجهات الحكومية والنقابات الصناعية والمؤسسات السياحية في أهمالها مهنة الصفار التي كانت في السابق جزء من مفردات السياحة العراقية التي يتسابق السياح والزائرين على اقتنائها ونقلها الى بلدانهم، اما اليوم فتجد الاسواق المختصة في هذا المجال مهجورة واصحاب المهن من كبار السن يحاولن ان يقضوا ايامهم الاخيرة بين ادواتهم القديمة فيما ابناءهم واحفادهم هجروا المهنة واتخذوا اعمال اخرى تتماشى مع الوضع الجديد.
اما الندافة مهنة الاجداد او مهنة الفقراء كما يسميها البعض بدأت تنحسر وتختفي ويهجرها أصحابها لحساب المنتج الاجنبي الذي زاد جمهوره وبدأ ياستهوي الكثيرين في هذه الأيام .
وعلى الرغم من ان هذه المهنة تعتبر من التراث العراقي القديم لكنها بدأت تفقد بريقها وتنحسر محلاتها وتحول العديد من صناعها الى عاطلين يعتاشون على بعض الاعمال البسيطة التي ترد اليهم من هنا وهناك .
وللتعرف اكثر على سبب تراجع اقبال الناس عليها كانت لنا وقفة مع “عيسى التميمي” صاحب محل ندافة والذي قال :”مازالت الايادي تطرز وتتفنن في صنع الافرشة برغم كل التحديات ومصاعب الزمان والتطور الذي شهدته هذه المهنة ويرى “عيسى” أن بعض العوائل المتمسكة بالعادات والتقاليد هم من يقتنون الافرشة، ويحرصون على تجهيز العرسان والبيت الجديد بالمفروشات التي تصنع بيد عراقية يتفاخرون بها ويعتبروها جزء من مستلزمات بيوتهم وجمالها”.
واضاف :”ان المهنة أخذت بالانحسار بسبب وجود بضاعة اجنبية لكن بعض المواطنين عادوا من جديد الينا بعد ان اثبتت البضاعة الاجنبية سوءها وعدم جودتها”.
وتابع “:لا يخلوا بيت من البيوت العراقية من فراش الندافة بكل أشكاله وكنا في السابق ننجز مواعيدنا بالاشهر من شدة الزحام واقبال الناس علينا فيما اليوم قد ننجز عمل واحد كل اسبوع او اسبوعين وهو امر لا يسد متطلبات الحياة والمعيشة لنا”.
وأختتم “عيسى” حديثه معرباً عن خشيته بأن تلفظ هذه المهنة أنفاسها الأخيرة لعدم الاهتمام بها من قبل اصحاب الشأن والاستفادة من تجارب دول شعرت باندثار مهن تراثية فقامت بتخصيص رواتب شهرية لاصحابها من اجل البقاء في مهنتهم وعدم نسيانها من الاجيال الحالية .

مقالات ذات صله