في زمن لا  يلتفت الى الوراء… ادباء لم يتوقعوا حلول “الاقصوصة” بدل من القصة القصيرة

 

بغداد _ متابعة

بغداد بين (بوستات) الفيس بوك و (تغريدات) تويتر، تطايرت الكلمات التي راح الكثيرون يظنونها (قصصا قصيرة جدا)، تكتبها اصابع لم تحسن الصنعة وتتهجاها عيون لم تقرأ اكثر من اسطر معدودات، فيما يتطلع اخرون، يشكل الابداع حافزا لديهم، الى تكثيف الصور ليواكب العصر الجديد.

ازاء عصر السرعة وازدياد وسائل الاعلام والمعلوماتية وعصر الصورة وصخب الحياة وانحسار القراءة، يتطلع المثقفون الى الاجناس الادبية ويتأملون مستقبلها، ويتجاذبون فيما بينهم اطراف الاحاديث حولها، فمنهم من يبتسم ومنهم من يرسم تكشيرة باهتة على ملامح وجهه، فثمة اشكالات تتراءى امام الجميع، ومنها ان بعض الاجناس سوف تختفي من سطح الادب وتذهب غائرة في اعماق الزمن السحيق، ومن هنا جاء رأي الشاعر سامي مهدي الذي توقع اختفاء او انقراض القصة القصيرة وحلول القصة القصيرة جدا محلها. فهل ستنقرض القصة القصيرة حقا؟، هذا السؤال عرضناه على عدد من كتاب الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا فكانت هذه اجاباتهم.
فلم يتوقع القاص ناطق خلوصي حلول القصة القصيرة جدا لانها غير مؤهلة، وقال: أعتقد ان هذا الرأي لا يتوافر على ما يمكن تأكيده. فحين ظهرت قصيدة النثر ـ عربيا ـ كان هناك من يقول انها ستزيح القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة من مكانهما وتحل محلهما. لكن شيئا من هذا لم يحدث. فلا القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة اختفت ولا قصيدة النثر احتلت الموقع الأول على الرغم من مرور عدة عقود على ظهورها إنما ظلت تتعايش معهما. ويمكن قول الشيء نفسه عن السرد. فأجناس السرد: الرواية والقصة القصيرة والأقصوصة والقصة القصيرة جدا تعايشت وما زالت لاسيما ان الفارق الرئيسي بين هذه الأجناس ينحصر في الحجم بخلاف الشعر.
اما القاص ثامر معيوف  فقد توقع تواري القصيرة جدا، وقال: نحن الان جزء من العالم الجديد..العالم الرديف..وهو العالم الرقمي..حيث تنتعش التقنيات وتعيد انتاج الاشياء وبطريقة اخرى تعيد انتاجنا لأنها ترتبنا بصورة جديدة..والعالم الر قمي عالم يمكن له ان يزيد من خمول الفاعلية العقلية للانسان لأنه يمكنه من ايجاد اي شيء بالنقر على ازرار، بمعنى انه بدأ يغيب عقلا ويحضر بانامله..مما يعني ضمنا ان اشكال الكتابة الطويلة معرضّة للتنحي،الامر يمكن ان يطال الرواية قبل القصة.
وأضاف: قارئ اليوم هو اقرب الى قارئ المقتطفات منه الى قارئ الكتب، زد على ذلك ان التقنيات اجهزت على كل شيء ووصلت الى كل ما لدى الانسان فلم تعد هناك اسرار وخصوصيات يشتغل عليها الادب، سوى احلام يقظته.. وهو هنا يسترسل لأنه يريد ان يستطعم وجوده وحياته، وكما يسترسل في احلام يقظته التي صارت وجوده بالنسبة الى نفسه.. فانه سوف يظل بحاجة الى اشكال تعبيرية مثل القصة القصيرة كل ما يمتن احساس الانسان باستقلاليته ككائن واع سوف يظل، واذا استطاعت القصة ان تحقق هذا فسوف تظل ايضا.
وتابع: ان على كتاب القصة ان يغادروا الاشكال الكتابية القديمة..وان يوجدوا انماطا من الخطاب اعلى مستوىً التحدي لا يأتي من هيمنة القصة القصيرة جدا..فهي جزء من ثقافة السندويج ولا تهدد الصروح الكبيرة..لكن التحدي يأتي من الحاجة الى سبر غور فكرة الحياة بشكل اعمق..الشكل الحالي للعالم يضع الانسان امام اسئلة الكينونة والجدوى وعلى الادب ان يحضر في مكونات الاجابة..واكيد ان القصة القصيرة جدا لا تستطيع الحضور في هذا الفضاء الفلسفي المهم…اعتقد انها.. ستتوارى.

اما القاص صلاح زنكنة فقد اكد انه لا يؤمن بالتجنيس القسري للنصوص، وقال: أعتقد جازما ان ما من جنس أدبي ينقرض بسهولة دون مسوغات او مسببات واقعية   كون القصة القصيرة  ترتبط بوجدان الانسان كأحتياج نفسي وعاطفي تأخذه الى العوالم السرمدية عبر مخيلة القاص الماهر…ان ما يحدث في المشهد القصصي هو  تداخل الاجناس وانهيار الحواجز بينها وأستثمار الفنون كالسينما والتشكيل في البنية الفنية للنص السردي والخروج من النمطية والحكواتية.
واضاف: شخصيا لا أؤمن بالتجنيس القسري للنصوص وحبسها في غرف كونكريتية…ولا أستسيغ مسمى القصة القصيرة جدا والتي بررت شيوع مئات النصوص الهزيلة لكتاب هزيلين وأستسهال هذا النمط كما أستسهل المتشاعرين قصيدة النثر لجهلهم وقلة خبرتهم ونضوبهم الفكري والمعرفي…وقد برمت على صعيد الشخصي بالمسميات الجاهزة مثل القصيرة جدا وقصة الومضة والقصة الحوارية والتفاعلية والمطاطية وألخ…وأكتفيت بمسمى الاقصوصة التي تنفتح على الاجناس المجاورة والفنون الأخرى  والمستقبل للنص الإبداعي.
فيما توقع القاص محمد مزيد اختفاء القصة القصيرة، وقال: انا اتفق مع الرأي الذي ابداه الشاعر سامي مهدي، واعتقد ان معظم انماط السرد الروائي ستختفي ليحل محلها السرد المرئي.
وأضاف: اصبح لدينا كما ارى عزوفا في القراءة، فقد اخذت مساحة الصورة والفيلم عبر الاتصالات الحديثة اليوتيوب والوتساب كل الحيز الممنوح للقراءة وبات امرها في مقبل الايام  في رحيل مرة.. والى الابد.
من جهته قال القاص  عبد الرضا الحميد: قد تبدو نبوءة الاستاذ الشاعر سامي مهدي منطقية في ضوء معطيات عصر السرعة حيث الاكلات السريعة والمواصلات السريعة وتقنيات الاتصالات عابرة القارات والمحيطات والكواكب، وقد يصلح تغير ثوابت القصيدة العربية من المعلقات والالفيات وصولا الى مايسمى بقصيدة الومضة قياسا للنبوءة، لكن.. تبقى القصة القصيرة جدا جنسيا ابداعيا قلقا في المنطقة المتموجة بين القصيدة والقصة القصيرة، اذ تستعير (الشعرية) لا (الشعر) بسرد مكثف ومحمولات رمزية شديدة، وقد تثير تلقيا وجدلا، لكنها ستبقى اسيرة (لحظويتها) و(تجريديتها) عند المتلقي، خلافا للقصة القصيرة التي تنبني على (خلق) عالم مفعم بزمكانية معلمنة لا وشخصيات تنمو على مستويين: مستوى البث، ومستوى التلقي،ونوع سردي مكتمل وجدل لا ينتهي.
واشار القاص صالح الشيباني الى حقيقة ما تم طرحه، وقال: لاننا نعيش في عصر السرعة، اعتقد ان رأي الشاعر سامي مهدي هو الأقرب الى الحقيقة، ان (الاقصوصة) او القصة القصيرة جدا ستحل بدل القصة القصيرة في هذا الزمن المادي المتسارع الذي لا يلتفت الى الوراء.. لكن للقصة الطويلة او للرواية بهجتها ايضا.. اتذكر انني قرأت ثلث رواية الصديق احمد سعداوي (فرانكشتاين في بغداد) اثناء انتظار دوري في عيادة طبيب.. من يمتلك القدرة على المطاولة سيلتهم الاعمال الروائية الطويلة، ومن ليس له (قرصاغ) سينصاع الى ماراثون الزمن اللاهث ليفضل في النهاية القصة القصيرة جدا.
وقال القاص: حسين رشيد: يقول القاص والروائي الغواتيمالي  أوغستو مونتيروسو الكاتب لا يرغب في كتابة نصوص مختصرة موجزة، بل أنه يفضّل كتابة نصوص طويلة لا نهاية لها، إذ لا يحتاج فيها الى تشغيل مُخيّلته.. هنا اشارة مهمة الى اهمية المخيلة في القصة القصيرة جدا، التي سيكون له شان كبير في الفترة المقبلة ولاسباب عدة، منها حسب ما اعتقد، سرعة الوقت والثورة المعلوماتية التي عزت كل مفاصل الحياة، وحولت اليوم الى سويعات قليلة لاتكفي لافعل شيء. بالاضافة الى تداخل الفنون الادبية وخاصة السردي والشعري، والقصة القصيرة جدا اكثر الفنون التي تاثر بهذا التداخل، اذ نجد قصة قصيرة جدا مكتوبة بلغة شعرية وترميزية عالية لكنها محافظة على نسقه السردي والثلاثة الارسطاوية.
واضاف: القصة القصيرة جدا الان مرغوبة بشكل كبير في الصحف والمجلات الدورية الثقافية، لابل حتى بالمواقع الالكترونية، وبالطبع هذا الطلب ياتي من القارئ والمتابع اولا… ما قاله مونتيروسيو يجعل من كتابة القصة القصيرة جدا الحقيقة والتي تملك كل ميزات وشروط القصة الناجحة صعوبة بالغة في ايجاد قصاصون يمتلكون ذلك الخيال بالاضافة الى اللغة والثقافة والاطلاع كون ان القصة القصيرة جدا بحاجة لثقافة ومعرفة بكل شيء من تفاصيل الحياة، كما لابد لكاتبها ان يتمع بفطن عالي ووعي كتابي وفكري واجتماعي كي يساعده بكتابة نص يحمل كل مواصفات النجاح… ختاما مثلما كتبت قبل ايام على صفحتي في الفيسبوك ان… الشعر بضاعة كاسدة الان، والرواية مطلوبة للتغييرات الاجتماعية والسياسية والفكرية الحالية، والقصة القصيرة عرض وطلب ومزاج قرائي، والقصة القصيرة جدا هي بضاعة وفن المستقبل… بالطبع الامر حسب السوق الادبي والثقافي.

مقالات ذات صله