في زمن الايباد والايفون … أفلام الكارتون تحرض على العنف والانحراف

بغداد_ متابعة

لم تعد لعب الاطفال التي اختارتها “ام نور” ملبية لرغبات فلذة كبدها نور البالغ من العمر خمس سنوات فقط، بعد أن تعودت لساعات الطويلة على وجوده ثابتا أمام شاشات القنوات الفضائية التي خصصت للاطفال، قنوات تخصصت بعرض المزيد من أفلام الكارتون التي ركزت على العنف كمادة دسمة لما تقتنيه من قصص واحداث، شكوى “ام نور” ما بين تذمر وندم وهي ترى ابنها يُشاهد أفلام الكارتون لأوقاتٍ طويلةٍ، قد تبلغ 8 ساعات يوميًّا، المشكلةُ أنه يُقلِّد هذه الأفلام، فيتحدَّث مع نفسِه، وعندما يلعب يقول:إنه يُحارب الأشرار! ويتحدث مثل مَن في الأفلام، وكأنه يتقَّمص شخصياتهم!

نادية سعيد(موظفة حكومية) كان لحسراتها صوت مسموع قبل ان تبدي رأيها قائلة : “لي طفل في الثامنة من عمره، أدمن على مشاهدة تلك الافلام التي لم تضف له شيئا سوى مساعدته على العزلة وتقليل الاحتكاك بالأسرة، وتكوين علاقات خارجيَّة مع بقية أقرانه، اضافة الى مشكلة فادحة تعرضنا اليها في الوقت الحالي وهي تعوده على الكسل لجلوسه فترات طويلة أمام التلفاز بدون حركة، ما أدى  إلى حدوث مرض السمنة، فلابد من أن يأكلَ وهو يُشاهد التلفاز؛ ولا يُدرك كمية ما يأكل، ولا يتحرك، هذا اضافة الى تعلمه  الكذب مِن كثرة وُقُوعه في الخيالية المفرطة ، نتيجة مشاهدته تلك الافلام .”

وبينت المعلمة سؤدد جبار: ” يعتقد بعضُ الآباء والأمهات أنَّ جلوس الطِّفل بالساعات أمام افلام الكارتون يشغله عنهم، فيستطيعون القيام بأعمالهم بدون إزعاج، ومبدئيًّا هذه الأفلام قادِمة لنا من ثقافاتٍ مختلفة عنْ بلادنا العربية، وأهدافنا الإسلاميَّة، وأغراضها ربحيَّة، ولا تهتم بمُحتوى ما بداخله مِن غَرْس قيَمٍ وأخلاقيات، وتحتوي على بعض الألفاظ التي يجب أن نبعدَ الأطفال عنها.”

واشارت جبار الى: ” ان الأفلام عملت على تحريف ما يسمَّى بـ: القدوة، وذلك باتِّخاذ الأبطال الأسطوريين قدوةً لهم في الحياة، بدلًا من الرجال الأقوياء الفاتحين والأئمة الصالحين، فتجد الأطفال يقلِّدون شخصيَّات كارتونيَّة وهميَّة لا وُجُود لها، مثل: سوبر مان، وسبايدر مان… وما إلى ذلك، فأبطالها يوقفون الزمن، ويذهبون إلى المستقبل، وما إلى ذلك مِن أفكار وأساطير مخلَّة بأحكام العقيدة الإسلاميَّة، فيُحاول الطِّفل تقليدهم، وللأسف يشعر بأنه غير قادِر على ذلك، وهذا يضغط على أعصابه،  فيُصاب بالفشل والإحباط، أو يُصِر على تقليدِهم، فيستعمل العنف، وهنا يكون الطفلُ معرَّضًا للخطر، لأنه قد يطير أو يقفز مِن النافذة مثلًا، وذلك دون وعْيٍ بنتيجة ما يفعله، فيجب الاهتِمام بأطفالنا قبل الوُقُوع في دائرة إدْمان هذه الشخصيات الوهميَّة.”

واوضح ربيع الساعدي :”إن هذه الأفلام قد صُنِعت لغيْر بلادنا، وفي غير بيئتنا، ولثقافةٍ غير ثقافتنا، وفي مجتمعات تختلف عن مجتمعاتنا. صنعها اليابانيون، صنعها الأمريكان، صنعها الأوروبيون. وأكبَر مراسم الكارتون كانت في اليابان، ومِن قبلها كانت في شركات (تيرنر، وورنر، وحنا بربارة) في أمريكا، وشركة (والت ديزني) “.

واضاف:  ” هذه الشركات كلها غير عربية، وأفلام الكارتون تُحاكي ثقافة أصحابها، فهي لحاجات الإنسان الغربي، وللطفل الغربي، وللبيئة الغربية، وكذلك للثقافة الغربية..ولا يخفى أن بيننا وبينهم خلافاً ثقافياً، ولاسيما في كون الوحي أحد مصادر المعرفة في ثقافتنا الإسلامية، بينما لا نجد للغيب مكانا في بنائهم المعرفي، وأعني بالغيب غيب الأديان، وغيب الوحي، وقد اكتفوا بالتجربة والحس مصدراً وحيداً للمعرفة. فابتكروا العَلمنة في بلادهم وأعلنوها مرجعية ثقافية لأجيالهم.”

وبين: ” ان المعلمين والمعلمات يحسون بآثار تلك السلبية في الطلبة والطالبات، ولاسيما في المدارس المختلطة.. وهذا لاشك من آثار الغزو الأخلاقي، وإنَّ تركيبنا الاجتماعي يختلف عن الغرب تماماً، فنحن لدينا نوع من الانضباط الأخلاقي، ولن أقول إن الغرب ليس لديه أخلاق، بل لديه أخلاق وقيم، وهذا أمر يقيني، ولكن منظومته الأخلاقية تصدر عن رؤيته وتصوره، تماماً كما أن لنا منظومة أخلاقية تصدر عن منظورنا ومفهومنا، الذي ينطلق من منهج الغيب، الذي يضبط سلوك الإنسان وعلاقته مع الإنسان، وعلاقة الإنسان مع الله، والإنسان مع الكون، والإنسان مع الحياة.”

في سياق متصل سهيرعاصي: “نحن كاعضاء تدريسيين نتفاجأ بقدوم جيل بعد اخر اكثر عنفا وشراسة من الذي قبله، الامر الذي تحولت به المدرسة الى ساحات معارك دامية بين الطلبة في اغلب الاحيان، وعندما نتساءل عن سبب ذلك يتم اخبارنا من قبل الاهل انهم يقضون ساعات طويلة امام شاشات التلفزة في مشاهدة أفلام الكارتون جاهلين ان تلك الافلام لها دور كبير في تنمر اولادهم وتحولهم الى اطفال اكثر عنفا وعنادا وشراسة “.

من جانبها تقول انعام الخزعلي : ” يجب التدقيق من قبل الاهل في المادة الكارتونية التي يشاهدها الاطفال، مثل البحث عن شخصيات كارتونية مِن التُّراث الإسلامي، والقيام بتحبيبه فيها ، وإلحاق الطفل بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتعويده على قراءة القصص المناسبة مع سنِّه، وتشجيعه على الاشتراك في الألعاب الرياضية الجماعية، أو الفرديَّة، كون تلك الافلام تنمي عند الطفل نزعات عنف وعدوانية من خلال العنف المقدم فيها ، اضافة الى ان الاطفال لا يتعلمون مع الكارتون على انه نوع من الترفيه بل يأخذونه قدوة لهم ويقلدون ما فيه . كما لا يمكن تجاهل دورها الكبير في زعزعة بعض العقائد الدينية لدى الطفل والانحناء للآخرين، وتبادل العبارات المخلة بالعقيدة، واشتمالها على السحر والاستهانة بالمحرمات وخلطها بالمباحات.”

استهلت رحاب حمودة ( استاذة علم الاجتماع في جامعة بغداد ) حديثها بالقول : ” يولد الانسان كصفحة بيضاء.. شيئا فشيئا.. تُملأ بما يملى عليها.. إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.. كل شيء في هذه الحياة يسهم في كتابة وتشكيل المعتقدات والافكار والمبادئ والقيم وملامح الشخصية التي سيتبناها الطفل بعد ذلك. ويأخذ الوالدان الحيز الاكبر في تشكيلها. فهم يلعبون الدور الاهم في تربية الطفل وتنشئته وعلى الاخص الأم.”

واشارت الى ان: “الدور الاكبر في متابعة ما يشاهده الاطفال من افلام الكارتون يقع بالدرجة الاساس على الوالدين وخاصة الام ، لاسيما ان سلبيات هذه الافلام  على اولادنا  كبيرة  لو لم نقم بمراقبة ما يشاهدونه بالتحديد ومن مجمل تلك السلبيات نجد انها  تعود الطفل على الكسل والخمول لجلوسه فترات طويلة امام التلفاز بدون حركة ، اضافة الى عدم احترام عقلية الطفل وتفكيره وذوقه حيث ينساق الأطفال وراء ما يشاهدونه دون تفكير، ما يصيبهم بمرض الاستسلام لكثير من الأفكار والمعاني المطروحة كما تسهم في  تحطيم القيم والأخلاق، فالأفلام والألعاب التي ترد إلينا تأتي من ثقافات مغايرة غير بريئة تهدف إلى الربحية دون مراعاة للأخلاق والقيم.”

وقال مديرعام دار ثقافة الاطفال الدكتور شفيق المهدي: ” لا يمكن غض النظر عن اهمية انشاء قناة فضائية عراقية متخصصة بإنتاج برامج الاطفال عموما وانتاج افلام الرسوم المتحركة سواء كانت حلقات متسلسلة او افلاما روائية طويلة خاصة، وقد قامت الدار بمناشدة المسؤولين في الدولة ووزارة المالية بايلاء هذه المؤسسة الثقافية الاهتمام الكافي بوضع تخصيصات مالية خاصة تلبي طموحاتها في نشر ثقافة الطفل وتنفيذ برامجها السنوية وذلك لفقر الدعم المالي الذي لم يعد كافياً لطبع الكتيبات والمجلات الخاصة بالأطفال .”

واضاف المهدي: ” هناك اهمية لانتاج الرسوم المتحركة وتطوير مسرح الطفل وهي مسألة تحتاج بمجملها الى دعم الدولة لهذه المشاريع الحيوية، ووجوب قيام الاسرة باستخدام القنوات الفضائية بصورة سليمة وايجابية وان يكون الانتقاء قائما على مشاهدة ونقد وتحليل سابق من قبل الوالدين او من يحل محلهما وتشجيع نشر ادب الأطفال العربي وخصوصا العراقي، فالقاعدة الادبية اولى الاسس لانتاج افلام رسوم متحركة بالإضافة الى وجوب حرص القنوات الفضائية العربية الموجهة للطفل على انتقاء الافلام العالمية التي تعرضها للطفل العربي واخيرا ادخال مادة حقوق الطفل ضمن المناهج الدراسية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية.”

مقالات ذات صله