فهم الاصطراع.. اصطراع الفهم / نصير غدير

ببساطة، الاصطراعات اليوم بين الأديان والأقوام والطوائف هي صراع قائم على اختلاف التأويل أو الفهم؛ فهم العالم والعيش فيه، وخيارات الحياة.

كل أمةٍ ترى طريقة حياتها هي المثلى (ومع ذلك تتذمر من مصاعب الحياة)، ثم تستغرب؛ تستهجن طبيعة حياة الأمم الأخرى وتصطرع معها.

إنها مسألة نظرات أحادية تريد صهر الجميع وجعلهم ينظرون بعينك، ففهمك وعينك هما الوحيدان الصائبان في تفسير العالم والعيش فيه، ولا بد للجميع أن ينصاع بالقوة ويرى العالم من خلالهما، يتجلى هذا واضحاً في اصطراع الاسلام بنسخته البن لادنية ثم الداعشية مع المجتمعات الغربية بقيادة أميركا وأوربا.

الإسلاميون المتطرفون، يستهجنون طبائع حياة الغرب، ويريدون تغييرها بالتفجير والذبح والانتحار التدميري، أو يلتزم هذا الغرب بنقاب المرأة واللحى الشعثاء وسرابيل العصور الوسطى كزي ومن ثم منحى حياة.

والغرب الأوربي الذي لم يتخلص من نزعته التبشيرية، القادم حديثاً من عهود التذابح والاستعباد والاضطهاد للغير بقيم المساواة والديموقراطية المكتشفة حديثاً عنده، وتحديداً على مدى المدة الماضية منذ الثورة الفرنسية، بعد أن جربتها أمم الشرق بنسب وظروف مختلفة في عصور سحيقة، جربتها حضارات الشرق في الصين والهند وفارس وبلاد النهرين والإسلام والرومان واليونان، ونجد في تاريخها نماذجَ لتجارب عديدة من كل هذه القيم والمثل الأخلاقية في طبائع العيش وفهمه.

هذا الغرب الأوربي-الأميركي، لا يفتأ مخضعاً بقية الأمم التي يستغرب عيشها بعيداً عن عقائده حديثة الاكتشاف بالنسبة له، ويقود عملية صهره لها وإخضاعها بآلته النووية وطائراته النفاثة وصواريخه العابرة للقارات، بمخابراته وبمؤسساته البحثية وحتى بعض الخيرية والإنسانية منها.

حتى مفهومي التعايش والتسامح يصدران بوصفهما غزواً استحواذياً صاهراً للغير بالعين الواحدة، هذا التبشير الصليبي المجهز بالقوة النووية، ما لم يفهم التعايش بأنه قبول للآخر الشرقي على ما هو عليه لا بتحويله إلى نسخة رديئة الصنع عنه، لن يهدأ هذا البركان، وما أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من كوارث حلت من هذا الاصطدام، وأخيرها وليس آخرها أحداث الهجوم الذي تبنته داعش على باريس، إلا النوازع الأولى لهذا البركان.

وما لم يُعَدْ انتاج التسامح والتعايش بوصفهما فهماً للعالم ولعيش الأفراد والمجتمعات فيه على طبائعهم، لن يتوقف هذا الاصطراع، بل سيتفاقم، حتى يتفجر مدمراً طرفيه على حد سواء، وهذا الفهم هو في حده الأقصى ثلاثة فهوم متعاضدة:

أولها فهمك لأنك مختلف، وأن الفئة التي تعيش فيها مختلفة عن باقي الناس، وهذا يجعلك تفهم أن باقي الفئات لهم الحق في أن يكونوا مختلفين ويعيشوا نمطهم المختلف من هذه الحياة.

ثانيها: فهم حقك بالحياة كما تريد وترغب وتفهم في إطار فئتك، وهذا يجعلك تفهم حق الباقين المختلفين عنك بنفس الحق في طريقة العيش.

ثالثها: أن نظرتك للعالم ولطبيعة حياتك وملبسك ومأكلك ومسكنك هو طريقة في فهم العالم يوفرها لك مجتمعك سواء كان ديناً أو طائفةً أو عرقاً، وهذا فهم يختلف عن بقية المجتمعات التي تقدم تصورات ونظرات أخرى، وكل يعيش بالطريقة التي يفهمها، ولهذا لا ينبغي أن نتصارع ونتحارب لفرض طريقة فهمنا على الآخر، ولا ينبغي أن نخاف من طريقته في العيش وفي فهم العالم ونعتبرها تهديداً لنمط حياتنا، هنا وفقط إذا استوعبنا هذا، لن يكون التسامح خياراً بل هو النمط الأوسع الذي يجعل من كل المختلفين في أنماط حياتهم شخصاً واحداً لأنهم يشتركون في شيء واحد هو أنهم يعيشون حياتهم بحسب فهومهم للعالم وبحسب معتقداتهم، فالتسامح هو إذن فهمك لنفسك وللآخر وللعالم الذي تعيش فيه ولأنماط العيش المختلفة والمتباينة فيه.

والواقع فإن الإسلام المتطرف يريد للآخر أن يعيش حياته للسماء مثله، والتبشير الغربي يريده أن يعيش للأرض وكلاهما يعمل على إخضاع وصهر الآخر، كلاهما ديني متطرف وإن تزيّا أحدهما بزي اللادينية.

نعم ثمة صراع قد يبدو رئيساً، وهو الصراع على موارد ومصادر الحياة على الأرض، ولكنه يأتي ثانياً بعد صراع الفهم والتأويل.

أكان هنتنغتون محقاً؟ نعم ولا.

مقالات ذات صله