فانوس الحكومة ||خالد القشطيني

  ناحية المدينة في منطقة الاهوار اسم على غير مسمى. فلم يكن فيها ما يدل على تمدنها ومدينيتها غير شيء واحد، فانوس نفطي صغير معلق امام بيت مدير الناحية. زرتها في صباي عندما كان اخي احسان مدير ناحية فيها. اصطحبني مساء الى نادي الموظفين، الذي لم يتجاوز غير غرفة واحدة من مبنى الادارة، يلعبون فيها القمار كل ليلة. “اللي ما يلعب قمار ماله مكان في الدولة. احسن له يشوف شغلة غير الوظيفة”، قال اخي في طريق عودتنا من النادي. ما ان وصلنا البيت حتى استشاط غضبا. وجد الفانوس مطفئا. “شنو هذي؟ يعني الفراش نسى شغلة! نادى عليه  سأله: “هاي شنو؟ الفانوس مطفي! يعني الدولة ماتت!” ” سيدي مدير الناحية السابق، الاستاذ فاضل قال “لما يكون هناك قمر قوي بالسما، ماكو حاجة لشعل الفانوس. اقتصدوا بالنفط.” اجابه اخي احسان “هذا الأمر ملغي. الاستاذ فاضل سعيد الأغا مصلاوي و متعلم على البخل و الرزالة. اكو قمر، ماكو قمر لازم تشعلون الفانوس. هذي هيبة الدولة هنا” “سيدي واذا خلص النفط بسرعة شنسوي؟”  ” تاخذون فلوس من البوسطجي اللي يبيع الطوابع للناس. تاخذون منه فلوس و تشترون بطل نفط من البقال. المهم آني ما اريد من ارجع للبيت اشوف الفانوس مطفي. “وهنا كان شرطي المدينة قد سمع بهذه الضجة فحضر. و دخل على الفور بمشادة مع الفراش. “انتو يالمعدان ما تسمعون كلام. كم مرة قلت لك لا تخلي الفانوس مطفي. هذا ابن القشطيني معلم على الجاه و الاصول. راح يزعل و يطردك من شغلك و يخليك تموت جوع.” وتعهد الشرطي لأخي احسان بأنه راح يشرف بنفسه على شغل الفراش و يتأكد من شعل الفانوس كل ليلة. وهو ما كان. فكلما عدنا ليلا من النادي و جدنا الشرطي واقفا تحت الفانوس. يبادر فيشير بإصبعه اليه بفخر و اعتزاز. و يهز اخي احسان رأسه اعترافا بقيامه بواجبه. و كإن الدولة قد عينته خصيصا لهذه المهمة. و انا اشعر بقوة انه عندما سيكتب تاريخ العراق الحديث بصورة موضوعية، سيذكر المؤرخون هذا الانجاز و يقولون انه في زمن تولي احسان القشطيني الادارة في مدينة المدينة جرت اصلاحات كثيرة كان منها إيقاد فانوس البلدية ليلة بعد ليلة في الليالي المقمرة و غير المقمرة ايضا. لم يكن هناك اي اتصال بالسيارات للمدينة و كان علي ان اغادرها بالماطور الآلي. وقف الشرطي و الفراش و البوسطجي و معلم المدرسة على جانب الهور ليسلموا علي و يلوحوا بأيديهم وداعا و انا جالس في صدر الماطور كالامبراطور الفاتح العائد من نصر مبين. وصلت بغداد و رحت اذكر لوالدتي رحمها الله هذا الانجاز الكبير من ابنها احسان في ناحية المدينة و كيف ان السكان اصبحوا ممتنين من الحكومة و مدير الناحية وهم يرون فانوس البلدية مشتعلا في الليالي المقمرة و غير المقمرة ايضا. قطبت والدتي وجهها بإستياء وقالت: “معلوم. اخوك احسان الله خالقه على الصرف والتبذير. إذا كان يخلي الراديو يشتغل الليل كله وهو نايم يشوخر، ليش ما يشعل الفانوس و اكو قمر قوي بالسما؟!”

مقالات ذات صله