غياب المرأة جريمة بحق المخمل

طالب عبد العزيز

لكي تأتي النجف من البصرة بالسيارة، ستمرُّ كريما بمدينتي الناصرية والسماوة وستجتازهما محاذيا، مجانبا، غير مطلع على حياة الناس فيهما، لكنك ستمرُّ عميقاً متفحصاً بمدينة الديوانية. فما أن تدخلها حتى يأخذ بناصيتك طريق طويل، نصفه اسفلت ونصفه الآخر رمل وتراب. الطريق يمرُّ بمدن وقرى وقصبات سُمّيت جزافا بأسماء مثل الدغّارة، الشنّافية، الشاميّة، عفك … ومع صوت مذيع محطة الراديو المسماة جزافا أيضاً (بسمة الفرات) أو شيء من هذا القبيل سيفقدك الطريق معنى الابتسام والزهر واللون والعطر. منازل وعشوائيات، دكاكين من خشب وصفيح، حديد خردة واسمنت محكوك ومقطّع متناثر. نقاط تفتيش ليس فيها دالة من لون، بيارق ممزقة محروقة بأشعة شمس تموزية لاهبة. لا حياة بالمعني الحرفي للحياة هنا. إنما موت تجدده محطات الراديو المحلية بما تبثه من أصوات تتدني درجة نقائها، تسمعها مشمئزا ساعة تقف متبضعا قنينة ماء بارد من متجر أكلت مظلتُه الصفيح فضلةَ الرصيف، وتسمع مثلها وترى صورا لا تنبؤك بمستقبل آمن للحياة، تقرأ وتسمع ذلك كله في اليافطات التي على واجهات البيوت وفي دكان البقال وعند مصلح الاطارات القريب من سياج المدرسة وعند بوابة المسجد وسور الحديقة العامة أيضاً. كل نقطة في مدن الفرات الكثيرة، بل وفي مدن الجنوب بعامة دالة تشير الى موت وفجيعة. اسماء الشوارع والتقاطعات والمحال والشركات والمدارس ومحطات الوقود وحيث ما تلفتَ المرءُ يجدُ مصلى، ضريحا، حسينية، موكبا. تبحث عن الحياة فلا تجدها، وان عثرت عليها في نبتة بحديقة عامة فهي صفراء منحنية . إن وجدتها في وجنة طفل أو امرأة فهي راحلة، ضائعة. لن تسمع اغنية في سيارة تمرق، إنما تسمع مارشات وأناشيد. جملونات وسقائف اصطفت على جانبي الطريق تقول لك من هنا مرت كانت الحياة قد متعجلة، ذات يوم. لكنك سترى الموت الذي توقف طويلا عندنا، وسيظل يتوقف ويتوقف لأن المعاني الدافئة للحياة لمّا تولد بعد. في التاسعة و أربعين دقيقة من صباح يوم الجمعة، من شهر حزيران الماضي غادرنا النجف أنا وزوجتي الى البصرة، كانت الفكرة ان نغادرها الى كربلاء لزيارة صديقنا الشاعر عمار المسعودي، على أمل الاقامة في بيتهم السعيد بالحسينية، حيث النهر والنخل دالتان هناك، لكننا استعجلنا العودة، فقد ارتفعت درجة حرارة الجو الى قرابة الخمسين، كما أن سوء خلق بعض السائقين في كراج المدينة عجّل بمغادرتنا. معظم زائري العتبات لا يقيمون في النجف. يزورون قبور موتاهم في المقبرة الكبيرة، وقبل ارتفاع شمس الظهيرة تقلهم السيارات الى كربلاء أو بغداد وسامراء. لا أريد أن أبدو متشائما لكن مدننا كئيبة حقا، وإنسانا الأقل سعادة بين شعوب الارض، نحن لا نضحك إنما نحاوله، بلادنا حارة وشوارعنا الأقل تشجيرا وظلالا . منذ اكثر من ثلاثة عقود والذين يتوفاهم الله على سررهم، من أبناء بلادي، هم الأقل بالقياس الى الذين يموتون بالرصاص في جبهات الحروب الكثيرة، وحتى الذين يموتون في بيوتهم وبين أهليهم إنما يقتلهم الكمد والحزن والعدم. هناك تأسيس يقول بلا جدوى الحياة. اذا صادف ان نظر احدُنا في وجه آخر، في سوق او شارع، تراه لا يتقدم منه بابتسامه إنما بتقطيبة وازدراء، نريد ان نتفوق على بعضنا، وان نقهر بعضنا البعض . المرأة عندنا ابنة النفي والطرد وهي الأدنى حظا في الكرامة واللطف، نريدها للبكاء والندب، اما اذا ارادت الفرح والسعادة والحب تصدينا لها بالدين والشرف والناموس وسمعة بيرق العشيرة. اولادنا للقتال وحمل السلاح وللموت السريع. نختلق المعارك والخصومات لهم ونزجهم بأفواج الكراهية او ندفع بهم للمساجد يفخخهم الافغان والشيشانيين ثم نجعلهم يحتربون. هذا يقول: (علي) وذلك يقول: (عمر) وليس بيننا من يقول لهم : ان عليا كان مستشارا لعمر، وان عمر لم يفعل ما اعترض عليه عليٌّ. حسينُنا أبدي ويزيدهم أبدي ايضاً، مع ان الحق والباطل وجدا منذ ان خلق الله الارض. يغلق أنصار داعش على اهل الجنوب الفرات، هكذا في متوالية التعطيش التي بدأت في بدر ولم تنته في كربلاء، وليس بيننا من يريد حياة الاخر. في المجتمعات القبلية، الدينية، المتطرفة، وحين تتراجع المدنية تختفي المرأة ويتراجع حضورها في الامكنة العامة والمشاركة الفاعلة، تدخل البيت وتتحول الى قطعة اثاث غير فاخرة. فتجد ان فندقاً فارها وكبيرا مثل الشيراتون او شارعاً جميلاً او مكانا عاماً انيقاً يفتقر لحضورها، فيبدو قفراً من بهاء حضورها وأناقتها . المرأة تعطر الامكنة بحضورها حيثما تحل وغيابها او الإصرار على غيابها جريمة بحق المخمل والجمال والعذوبة.

مقالات ذات صله