اخــر الاخــبار

غوغل يجتثُ الاجدادْ||عبد الحميد الصائح

في خاتمة الفصل السادس الخاص بعلم اجتماع الجسد، من كتابه المهم جدا (علم الاجتماع) الذي ترجمه وقدم له فايز الصايغ يشير عالم الاجتماع انتوني غدنز الى “ان المسنين قد اوشكوا على دخول مرحلة من التهميش في المجتمعات التي تعوّل على عناصر الشباب والفتوة والحيوية والقدرة الانتاجية العقلية والجسدية، حيث شهدت السنوات الاخيرة تغيرات ملموسة في الموقف من الشيوخ والمعمرين فلم يعودوا يحظون بتلك المكانة التي كانوا يتمتعون بها في المجتمعات التقليدية”. ثورة العلم في الطب والاتصالات والتكنلوجيا الرقمية ، اول ضحاياها كبار السن ! ، فبفعل التطور الطبي والرعاية المكفولة للمواطنين في دول الغرب تحديدا ارتفعت نسبة اعمار الناس في تلك المجتمعات ، فيما ضعف الاعتماد خبرات الشيوخ التقليدية في العلوم والتربية ونقل الخبرات، فعلا، كان الشباب والطلبة اذا احتاجوا معلومة او رايا او دليلا يكون اجدادهم مصدرهم الاساسي في ذلك، من السؤال عن الانساب والعوائل، الى البحار والرحلات والرياضيات والمعلومات عن البلاد البعيدة الى قصص وحكايا الواقع والخيال من مختلف شعوب العالم ..لكن مجموعة من الشباب الشياطين قضوا على هذه المميزات جميعها . بيل غيتس وبول آلان ، خالقا الميكروسوفت ، وسيرجي برين خالق جوجل الذي اعدم المسافة بين الواقع والخيال في مهمة البحث عن المعلومة ، وصابر بايتا خالق الهوت ميل الذي حشش قليلا ليبتكر عناوين عالمية للبشر يستطيعون فتحها من اي مكان في الوجود، وماك زوكوبيرغ خالق الفيس بوك، الذي جعل من سكان الكرة الارضية اقارب في منزل واحد. وجاالسنة ك دورسي، الذي جعل الجميع بما فيهم السّنة والشيعة يتعاركون عبر تغريدات كونية في مقهى تويتر، واخيرا وليس اخرا، الحاج جاود كريم، خالق اليوتيوب، مالئ الدنيا وميادين القتال وشاغل الابرياء والجلادين والنجوم والخفايا والاسرار والمتلصصين في العالم. هؤلاء واجيال وجينات جديدة تتناسل وتتطور كل يوم، غيروا الكثير من المعايير، اذا كان الطب رفع نسب اعمار البشر فقد خفضوا نسب اعمار العلماء، فلم يعد العالِم ذلك الشيخ الجليل ذا (الخبرات التي تراكمت مع مرور السنين) يقف في اخر العمر بلحية بيضاء وبيده ريشة، وخلفة ترصف المجلدات من الخوص والحجر والنحاس والفخار، وكلامه كل حسجة وحِكم. لا، بل أصبح علماء اليوم شبابا بعمر الزهور يحلّون الغاز الوجود ويتطورون بالساعات مو بمرور السنين، متخصصين بالمستقبل، يكفي ان تضغط زرا صغيرا أسرع من السؤال، ليجيبك جهاز صغير بجانبك عن كل شيء، واي شيء، اي شيء تحتاجه على الاطلاق. وبهذا لم يُبق غوغل من الاجداد بعد ان اجتث دورهم في الحياة المعاصرة سوى البَرَكة. وقبل ان اختم مقالي اللئيم هذا، وكي لا يذهب عقل القارئ العزيز بعيدا فيتوهم ان مخترع اليوتيوب (جاود كريم) عربي، وتتغير الصورة العظيمة المعروفة عن كريم العرب المعاصرة في ذهنه، لابد من القول انه ليس كذلك بل هو بنغالي، من جمهورية بنغلاديش الشقيقة.

مقالات ذات صله