عقوق الأبناء و قلة التخصيص المالي.. دور المسنين تتجاوز طاقتها الاستيعابية

بغداد_ متابعة

لم تعد دور ايواء المسنين قادرة على استيعاب الاعداد الكبيرة لمن القى بهم الزمان على قارعة الطريق ، اثرياء واصحاب مناصب رفيعة وفقراء جمعتهم  بيوت صغيرة متواضعة تدار بتمويل حكومي من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، لكن قلة التخصيص المالي اثرت في بقاء تلك الدور على حالها دون التوسع في انشاء مشاريع خاصة بالمسنين الذين امتهن الكثيرون منهم التسول والمبيت في الحدائق العامة او بالقرب من دور العبادة .

فيما قضى قسم اخر منهم نحبه في الشوارع العامة بسبب تفاقم اوضاعهم الصحية وازماتهم النفسية.
بالرغم من ان المشرع قد وصف في المادة 4 للعام 1985 جميع الحالات والاحتياجات التي يتم توفيرها للمسن في دور الايواء ، لكن لم يلتفت الى مراحل توسيع تلك الدور وتطويرها مع ازدياد الحالات الانسانية لمن تقطعت بهم السبل لاسباب وظروف مختلفة ، فاصبحت مكتظة ولاتستطيع استيعاب المستحقين للرعاية النفسية والاجتماعية .
في احدى دور رعاية المسنين بجانب الرصافة ببغداد ، كانت امرأة قد تجاوزت الستين عاما تجلس لوحدها على سرير حديدي وهي تمعن النظر في الجدار بذهن شارد ، فقد استذكرت تلك السنوات التي كانت فيها ام وتسهر على تربية ابنائها الاربعة ، وبدموع انهمرت بحرارة الالم وغصة تعب لاربعين عاما ذهبت هدرا من دون مجازاة كانت الام ( جليلة ) 63 سنة ، تبكي على ما اصابها من ابنائها الذكور الذين رفضت زوجاتهم العيش معها بسبب مرضها وحاجتها لعناية خاصة ، فيما كانت ابنتها الصغرى غير قادرة على اصطحابها لبيت زوجها في مدينة السليمانية ، فاضطرت  اللجوء الى دور رعاية المسنين بعد ان توفى زوجها وتقاسم ابناؤها ميراث البيت وذهبوا الى حياتهم الخاصة تاركين امهم على
قارعة الطريق .
احد الساكنين في دور رعاية المسنين (رفض الافضاح عن اسمه) قال : انه كان موظفا مرموقا بدرجة مدير عام في احدى وزارات الدولة في العام 1980 ، لكن بعد احالته على التقاعد ، اصبح غير مرغوب به داخل منزله وبدأت زوجته تحرض ابناءه ضده ، حتى قاموا بطرده اكثر من مرة وكان يلجأ فيها الى الاقارب ، ولكن لايمكن الاستمرار في العيش بهذه الطريقة الامر الذي اضطره الى دخول رعاية المسنين في منطقة الكاظمية وهو يعيش فيها منذ اكثر من 7 سنوات ، وتعهد بعد مماته بان يهب املاكه الى الفقراء والمسنين من دون ان يترك لاولاده اي شيء.
اما العاملون في دور رعاية المسنين يغلب عليهم الجانب الانساني في التعامل مع المقيمين في الدار ، بسبب اعمارهم الكبيرة وما يعانونه من ظرف نفسي واجتماعي وصحي، بسبب اضطهادهم من قبل الابناء والتخلي عنهم بعد سنوات من الرعاية والاهتمام حتى اصبحوا على ماهم عليه ، احدى الموظفات في الدار ( س. ف) قالت :  دور ايواء المسنين بحاجة الى توسعة وتطوير فهي ابنية قديمة ولم تعد تسع الاعداد المتزايدة من المسنين وخصوصا  بعد الاوضاع غير الطبيعية التي مرت بها البلاد وما انتجته من تشتت وضياع لبعض العوائل والاسر وتغير احوالهم الاقتصادية والاجتماعية ، واضافت : ليس المقصود من توسعة دور ايواء المسنين  ترغيب الناس في نبذ ابائهم او تشجيع كبار السن على ترك بيوتهم لابسط مشكلة ، بل من اجل استيعاب الحالات الملحة والضرورية عندما لايوجد بديل لحلها غير دور ايواء المسنين .

الشيخ خالد عبد الكريم (53)  عاما ، رجل دين وباحث في الفقه والشريعة قال : ان من اكثر الاسباب المؤدية الى لجوء الاباء والامهات المسنين الى دور الدولة لرعايتهم هو العقوق ونكران التعب وسهر الليالي  لدوافع  انانية او طمع بمال اولرغبة زوجة لاتملك من المروءة وحسن الاخلاق مايكفي لتحاسب نفسها على معاملة من هم اكبر منها سنا وبمقام والديها ، التربية والتنشئة المنزلية تلعب دورا كبيرا في تثبيت مبادئ القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية ، قواعد السلوك تغيرت بسبب المغريات الدنيوية واصبح الابناء ينبذون اباءهم وامهاتهم بعد الكبر او المرض ويلقون بهم في المصحات ودور المسنين ، وهذا الامر غير مقبول شرعا ويجب على الدولة ان تلزم الابناء برعاية الابوين باقصى حالات الرعاية من خلال تشريع قوانين ملزمة لمحاسبة كل من يسيء معاملة ابويه في كبرهم وعجزهم او مرضهم وان لاتكون دور رعاية المسنين وسيلة سهلة للتخلص من خدمة ورعاية الابوين ، ولاسباب تتعلق بمزاجية الابناء او زوجاتهم  او طمعهم بميراث ومال ، وعلى دور المسنين ان تطلب من الجهات القضائية والموسسات الحكومية المعنية متابعة وتقصي الاوضاع المعيشية لابناء المودعين في دور الرعاية واستقطاع مبالغ مالية من رواتبهم ودخلهم لصالح الاب او الام الذي تتكفله الدولة بدلا عن اولاده .
الدكتور عبد الرحيم السراي استاذ علم النفس في جامعة بغداد تحدث عن ازدياد طلب اللجوء الى دور رعاية المسنين قائلا : كحالة انسانية لاتوجد مشكلة في ان توفر دور رعاية لكبار سن انقطعت بهم سبل الحياة والتواصل مع عوائلهم لاسباب مختلفة وكثيرة ، لكن ان تتحول الى ظاهرة مجتمعية تتوسع مع مرور الوقت بسبب اختلال منظومة القيم الاجتماعية، فسنحتاج الى مئات الدور لايواء اباء وامهات بسبب خلافاتهم الشخصية والعائلية او لوجود رغبة من بعض افراد الاسرة او جميعها للتخلص من خدمة ذويهم بسبب العجز او المرض.
ولذلك لابد ان يعاد النظر في بناء منظومة القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية من خلال المدارس والجامعات ومنظمات  المجتمع المدني ، بالاضافة الى تدخل مؤسسات الدولة القضائية والقانونية في تشريع قوانين تحد من انتهاك حقوق الوالدين في حالات كبر السن او المرض او اي حالة اخرى تستدعي رعاية خاصة من العائلة ،  واضاف السراي : المسألة بحد ذاتها متعلقة بمستوى التفكير والثقافة ونوع التربية ، وليس معيبا ان يسكن الرجل او المرأة من كبار السن في دور ايواء الدولة ، فحتما توجد ظروف قاهرة تستدعي ان يلجأ هولاء الناس الى دور المسنين ، ولكن بدلا من ان نزيد ونوسع دور رعاية المسنين علينا ان نفكر بطرق ووسائل تحد او تقلل من ازدياد اعداد من يلجؤون لدور الرعاية  الاجتماعية ، ومن جانب اخر لايوجد ضير في ان توسع الدولة دور رعاية المسنين وتهتم بها من جوانب مختلفة كونها حالة انسانية تعكس اهتمام الدولة بالمجتمع وتحد من تشرد وتسول ممن لامأوى لهم بسبب ظروف قاهرة .
اما وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اكدت ان دور المسنين في بغداد تجاوزت الطاقة الاستيعابية لها، فيما طالبت الوزارة الحكومات المحلية باستقبال مسني العاصمة في دور المحافظات. وقالت مدير دائرة ذوي الاحتياجات الخاصة في الوزارة عبير الجلبي : ان العاصمة بغداد تمتلك دارين للمسنين أحداهما في منطقة الرشاد وتضم 100 نزيل من كلا الجنسين، والأخرى في منطقة الصليخ وتضم 34 نزيلا، مشيرة الى ان الدارين قد تجاوزتا الطاقة الاستيعابية المحددة لهما ما يستدعي المزيد من التعاون والتنسيق مع الحكومات المحلية من اجل ارسال باقي المسنين الى دور المحافظات بغية ايواء تلك الحالات الانسانية في دور الدولة. واضافت : ان هناك دوراً في بعض المحافظات لا تضم سوى اعداد قليلة، اذ لا يوجد سوى اربعة نزلاء في داري البصرة وذي قار، فيما تضم دار المسنين في محافظة بابل 34 نزيلا ودار النجف الاشرف 26، اما محافظة ميسان فتضم دارها  22 نزيلا وكركوك 18 ، في حين تضم دار الايواء في محافظة كربلاء 38 نزيلا.
واشارت الجلبي الى ان الوزارة تردها حالات انسانية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام الاخرى تخص اسراً فقيرة وحالات فردية لمسنين وعجزة ومشردين من بغداد والمحافظات، داعية في الوقت ذاته، الحكومات المحلية الى المزيد من التعاون وقبول الحالات الانسانية للمسنين والمشردين الذين يتم رصدهم، لا سيما ان الوزارة مستمرة بمخاطبة المحافظات
بشأن ذلك. واوضحت مديرة دائرة ذوي الاحتياجات :  ان الدور الايوائية ومعاهد العوق ورياض الاطفال لم تعد ضمن مسؤولية وزارة العمل والشؤون الاجتماعية واصبحت بعد فك ارتباطها من مسؤولية مجالس المحافظات وفقا لقانون نقل الصلاحيات، مبينة ان الوزارة خاطبت الامانة العامة لمجلس الوزراء لغرض استثناء تلك الدور من هذا القانون وجعلها تابعة
لها. وذكرت الجلبي انه على الرغم من ان تلك الدور اصبحت من مهام المحافظات بعد انتقال صلاحياتها، الا ان الوزارة لا تزال تتابع الحالات الانسانية التي تخص المسنين والمشردين في عموم المحافظات وهذا يدخل ضمن واجباتها الانسانية والاخلاقية تجاه تلك الشريحة.

مقالات ذات صله