عشرة دنانير أم عشرة مليارات؟

عبدالزهرة زكي

وحتى لو كان المبلغ المضاع الذي تبحث عنه الحكومة عشرة دنانير وليس عشرة مليارات دولار، كما تقول الحكومة نفسها، فإنها (الدنانير العشر)، في أي مكان تُحتَرم فيه الحقوق ويُهاب القانون وتُخشى المراقبة، تكفي لأن تقام الدنيا ولا تقعد إلا على رأس من أضاعها.

عشر دنانير هي ليست ملكي ولا ملكك ولا ملك رئيس الوزراء ليسكت عنها ويتلفلف الموضوع؛ إنها مال عام، وحين يجري التساهل في دينار من هذا المال سيكون التساهل في العشرة دنانير والمليون دينار ممكناً، وهكذا تيسر الطريق لضياع ليس عشرة دنانير وإنما عشرة مليارات دولار أمريكي، ومن أين؟ من الاحتياط النقدي للدولة وبنكها المركزي.

واقعاً أضعنا خلال هذه السنوات أكثر من هذا المبلغ بكثير.

لقد أضعنا مئات المليارات خلال هذه السنوات ولم تتحرك الدنيا عن قرن ثورها، لم تُقَم أساساً لتقعد على رأس أحد جانٍ.. ليس هناك أساساً من يقيمها؛ دائماً الدنيا مستقرة، ودائماً كانت المليارات تنهب وتضيع ومعها ضاع بلد.

ماذا استعادت النزاهة؟ ماذا استعادت دائرة الرقابة المالية؟ ماذا استعادت دوائر المفتشين العامين؟ ماذا استعاد البرلمان جهة الرقابة الأولى في البلد؟

الإنفاق على دوائر مكلفة بمراقبة ومحاسبة الفساد ولم تفعل شيئا في هذا المجال هو وحده شكل مفضوح من أشكال الفساد الذي اعتدنا الصمت عليه والقبول به حتى وإن شتمنا وتذمرنا وفضفضنا بالكلام كما أفعل الآن.

لننتبه إلى حقيقة بسيطة تبدأ مع خبر ضياع المليارات العشر نفسه؛ فهذا الخبر نشر في صحيفة أساسية في البلد قبل أن تتناقله وكالات وقنوات وصحف، لكن الخبر مرّ ناعماً لم يخدش أي سمع ولم يثر انتباه إلا عدد من الصحفيين ومن سياسيين يتصارعون بكل ما متاح لهم بينما الجمهور العريض لم يعبأ بكل هذا، لم يعبأ بماله المضاع.

هذا هو جوهر المشكلة التي تجعل من فقدان عشر مليارات دولار مجرد ضياع أو اختفاء مبلغ وليس نهبا منظماً أو غير منظم.

هذا هو الجوهر الذي جعل الفقدان أو النهب (لا فرق) ممكناً. إنه ممكن ومتوقع للقارئ وبالتالي فهو ممكن ويسير على مَن أضاع أو نهب هذا المبلغ الذي يفوق ميزانيات أكثر من دولة من الدول القريبة والبعيدة والتي تعيش برفاه ومدنية وتحضر أكثر بكثير مما متاح لنا.

لقد وقّعنا على صك القبول بالسرقات حين صمتنا على أولى مقاولات 2003 التي أجراها الأمريكان حين كانوا يديرون البلد.

هل تتذكرون مقاولة نقل النفايات داخل الأحياء البغدادية بعد أسابيع من إسقاط النظام الدكتاتوري السابق؟ هل تتذكرون أن النفايات كانت تُنقل من مكان إلى آخر بموجب غقد مقاولة ثم تنقل من هذا المكان إلى آخر بموجب عقد مقاولة أخرى؟ هل تتذكرون أن تلك العقود كانت تباع بالباطن لمرات حتى تصل أخيراً لمقاول ينقل نفايات هذا الحي إلى حي آخر، تدوير نفايات من مكان إلى آخر وليس إعاد انتاجها كما يحصل في العالم.

كانت هذه العقود بالملايين وهي أموال عراقية وقد قبلنا بأن يبدأ الفساد من هذه اللحظة، من لحظة النفايات.

حين تقبل بسرقة نفاية ستقبل بسرقة نفط وأموال نفط.

الآن يجري تحقيق أو يراد لتحقيق أن يجرى في (اختفاء) عشرة مليارات، ولكن قبل هذا التحقيق كانت مئات التحقيقات قد تشكلت ولم تعرف لها الناس أية نتيجة.

هذا واحد من دوافع انصراف الجمهور عن متابعة الخبر الذي لم يحرك فيه شيئاً.

الدوافع السياسية التي ظلت تحرك ملفات الفساد هي ذاتها التي كانت تخفيها، الفساد كان يحارب فساداً ولم تكن ثمة إرادة نزيهة مسؤولة عن التحريك.. كان هذا من دواعي تيئيس الناس من أية اجراءات، وهذا ما يجعل الناس الآن غير مبالية وهي تتلقى خبر المليارات العشر. لقد اعتادت على أن السياسة ودوافعها تنبش وتهيض رائحة العفن الفاسد حين تحتاج إلى ان تنبش في ذلك ثم تعود فتطمر بعفنها هي ما كانت قد نبشته من عفن الآخرين، في الأقل هذا هو الشكل الواضح للتصارع السياسي، إنها بيئة عفن يتصارع فيها فساد مع فساد مقابل.

يذهب يقين الناس إلى ان إرادة الفساد هي الأكبر..

هل تكون هذه المرة وهذه المليارات العشر المضاعة هي المرة التي يمكن أن يكون فيها يقين الناس مخطئاً؟

على المتفائل أن ينتظر النتائج.. بالنسبة لي أغلقت باب الأمل.

مقالات ذات صله