عراب الشعر الشعبي … عريان السيد خلف روح القصيدة العراقية

اعداد. الجورنال

جاء من جنوب القلب وجنونه، ادركته موالات الاهوار وثلج الناصرية ونارها موشوم بالوطن، وسنابل الاغنيات الفراتية الملغزة. وظمأ العطاشى في بلاد المياه الازلية، والنار الازلية. وتلك الهوسات التي جعلت ماسورات البنادق ذات رائحة مثل رائحة الشمس والطين الحري وأناشيد سومر.

دائماً يعلق جرساً في صوته، وايضاً بحة الناي, انه يرينا الألوان مثل البكاء والغناء، حين تشع من الشعر بالاحمر العندم، مرة.. او بالاخضر العميق حتى يتأوه اللون الرمادي على سطوح تلك الاكواخ الصفر الذهب وهي تعط برائحة الهيل والقهوة، مضايف للغادي والفادي، وايضاً لذلك الترف المايع عشقاً وشوق

كتب شعره من رحم المعاناة العراقية ومن نسمات الروح وغذاها بلهجة عراقيه تفيض القا وشوقا وحنينا وعشقا خالصا , يتجسد  الابداع دائما في قصائده فتراه مرة يغضب فينسال منه تيار لايتوقف وتارة آخرى يفيض بحنان لا ينتهي وبحب يكسر كل الصعاب فتتهشم أمامه كل الجبال الشاهقة وتتفتت كل العقبات , ولد في قلعة سكر على ضفاف الغراف.

بدأ النشر مطلع الستينات حيث اصدر اكثر من ستة مجاميع شعرية. الكمر والديرة – كبل ليله – أوراق ومواسم – شفاعات الوجد – صياد الهموم – تل الورد, عمل في الصحافة العراقيه وفي الاذاعة والتلفزيون كما منح وسام اليرموك من جامعه اليرموك في الأردن ولم يكتفي بهذها فقط بل قد حصل على شهادة دبلوم صحافه  وهو عضو في نقابة الصحفيين العراقيين واتحاد الصحفيين العرب ومنظمة الصحافة العالمية  وعضو في جمعية الشعراء الشعبيين.

يكتب الشعر بأنواعه في اللهجة الشعبية العراقيه والفصحى عريان السيد خلف ما زال يمكث في البيت البعيد  يعتذر عن الحب، وقد يعتذر عن الحزن، هذا المساء.. وكل مساء, فلسفة رؤاه تتبدى في تجليات (اللحظة، حيث يقول ويتلو، يمسك راهنيتها، ويؤثثها صوراً وشعراً وملامات، ونوافذ مشرعة للحرية. اذ ذاك.. تكون القصيدة في التجليات، الاوجاع او المسرات، وقد تكونهما معاً).

أراد أن يكون عريانا لأنه يكره الكتمان ولا يرى في حقائق الروح إلا أن تسيح في رحاب البوح، لأن البوح عنده هو هويته الحقيقية. إن الحديث عن الشاعر عريان السيد خلف لابد وان يجرنا إلى الحديث عن الشعر الشعبي

فالرجل منذ طفولته وصباه لايكف عن السير عاري القدمين ، بل انه في بحثه يتعمد الولوج إلى أصقاع تغطيها الأشواك لأنه يعتقد إن الأرض الصعبة تكتنز في داخلها بحقائق لا يستطيع الوصول إليها إلا ذلك النمط من المغامرين ممن يتحملون الوخز. أولئك الذين يتحلون بالغناء حين تدمى أقدامهم  , ارض عريان خلقتها خلوة صوفية متواصلة ساطعة الامتعاض وعصية على التطويق وجدت غذائها في تضاريس التاريخ والجغرافية معا ثم تماهت معهما في وحدة امتلكت قوانينها الخاصة . فلم نر شاعرا في التاريخ الأدبي العربي يكره الرحيل أو السفر مثل عريان ، ليس لأنه يرفض فكرة السفر على إطلاقها ، بل لأنه يخشى لدرجة الرعب من أن مواطن أغانيه سترحل معه وتفقد بذلك اتزانها ، لأن عنصر الاتزان في مخلوقات عريان تكمن في موطن الولادة ، فلا هو ولا أغانيه يستطيعان الأداء بله العيش في أحراش بعيده .

رغم انه عاش بين سطوات اجتماعية كرست لحمايته وتعظيم مكانته الا انه استطاع ان ينأى بنفسه عن تلك السطوات لأن روحه كانت تحلق في أجواء بعيدة عن مرامي تلك السطوات. كان أخواله من شيوخ ” اقطاعيي” المنطقة ” قلعة سكر ” بكل ما يعني ذلك من ترويع للسكان الفقراء والاستعلاء عليهم اضافة الى استغلالهم.

أما السطوة الثانية فهي سطوة النسب الى سلالة كريمة هي اسرة النبي محمد بما تحمله من تأثير ومهابة على عموم الناس. إن هذه السطوة تقود الى سطوة اخرى هي سطوة المال فعائلة السيد عريان السيد خلف هي عمليا من ملاك الأراضي ومن اصحاب المضائف المميزة في تلك المنطقة. لكن مضيف ,السيد خلف لم يكرس فقط لتقديم الطعام والقهوة لكل من يحضر اليه بل كرس ايضا لمجالس الشعر والادب وقصص الحكمة. لذلك كان مريدوه هم من محبي الثقافة ومن يجيدون الإصغاء لما يسمعون ويطبقون معانيها على مواقفهم.

نشأ الشاعر في هذه الأجواء مكتسبا عين المحلل والدارس معززة بسخونة القلب. وضمِن هذا الحال احتراما قسريا للشاعر من قبل اقرانه الطلبة وشباب المنطقة ومهابة لم يقصد تكوينها. لم تستطع روحه التعايش مع تلك المهابة وذلك النوع من الاحترام فاراد ان يخلق نوعا آخر من الإحترام بقوة الانتماء السياسي، بل أعد عدته ليعارض الأسباب التي ولدتهما والوقوف ضدهما. وكان سلاحه الشعر والسياسة. كان والده شاعرا ووالدته تحفظ الشعر واخته الكبرى شاعرة. اما لغتهم الشعرية فهي لغة الشعب. فتناسج الشعر مع السياسة التي عمدها الانتماء المباشر الى المنظمات الديمقراطية فكان ان استقرت نفسه للدفاع عن المظلومين و”هوى الناس” كما عبّر في قصيدته الشهيرة “المعيبر عبد” الشعبية التي طلب ان يلقيها على حشد من الناس تجمعوا في صالة بيتنا الثقافي ليستمعوا الى شعره وحكاياه.

في شعر عريان المسرات تنبع من الاوجاع والاحزان لكنها تتولد الحاضر كي ينهض بالغد، الحر، السعيد، وبالوطن الاجمل والارحب لابنائه الخلص. نعم.. في شعره عذوبة الفرات وعطشه حين يحبس مجراه عن ناسه ورواته، فيتحول الشهيد العطش. الظمآن الى راو، يعطي من دمه النازف وبوحه المسلح، ما تعجز عنه الاسطورة لانه مائدتها وصلبها المقاوم. ينصت الى نبض نفسه، وصوت صمته، ومرات لهزيمة دمه او دمعه، او خلجات حبه، كذلك يفعل الشهيد، الشاهد في شعر الموت الموقوت والمؤجل، وفي الوفاء والكبرياء والدوران في المنافي المسيجة بالامل والمخدوعة به في آن.
شعر عريان (شايل) خوف الوطن وجسارة الارض والماء، كما (خوف الحديثات) الصبايا اليانعات (المايعات) حباً، والماسورات، المفاخرات بطعم البارود.
الوطن لا يقدم (مبررات) حبه، او موته المؤقت، فهو اله خصب نفسه، تموز في الامتناهي.. وفي عوداته الواثقات فدائماً هناك (عشتار) تنتظر.. لذا نقرأ قصائد الشجن المعايذ ونستمع الى الشجي الفارس والألم المسلح بالكفاح وبالمقاومة كي تغتسل (بابل) من اوجاعها وحرائق طغاتها. لذا ترى الى شعر عريان السيد خلف، مسموعاً يتلى، فتتلمس بلاغة محنة الصوت، فتؤمن بانه الاعلى فناً كبلاغة البساطة، وبلاغة الرغيف والجنوب، والنضال الدامي المهيب، ولذا ايضاً لم يقدم عريان شهادة مجروحة عن ناس الاهوار وناس المعضلات والمعاناة، الذين احبهم والذين نحبهم ونمجد فعالهم المشعة، بل قدم شهادة مجروحة وان تجاوزت الجرح او غارت في أساه، فالمنكوب والمظلوم، له حصة انسانية، في (تل الورد)، فمن شهقه الطين الحري فخر وقائع سنوات اللهب والتعب والحب، وغمسه في فرح السنابل وحزنها الشاحب وذلك العرق السيد تفيض به السواعد والجبال والجباه والمناجل.
لذا، فهو ليس شاعر (العامية العربية) لجنوب العراق، وان كانت امتيازاً، لكنه شاعر التطلعات، التي لا تنقطع،. بل تتماسك في تباعدها القسري ونأيها المفروض. ان شعره ليس (اغنية فولكلورية)، لكنه يمتاح من وجدان يغني ويصلح لتزيين التراث الشعبي برنة صوته ونبر معالجته للكلمة المستلفة من قاعها المائي، او من اذى القلوب واسى السياسات.
صحيح ان لقصيدته موضوعها الوجداني، المستقل، لكنه سرعان ما يغدو مناسبة عامة فالموضوع (المستقل) هو المشترك الاعظم في الوجدان الشعبي- وهكذا ينحو عريان بشعره، لذا فهو يبوح، ثم يصدح: ودائماً يفوح بعطر (تل الورد)، ودائماً بضوء (قمر الديرة).

مقالات ذات صله