عانه.. فيحاء البادية العراقية والتلاحم العشائري

عانه مدينة عراقية في محافظة الأنبار تقع على ضفة نهر الفرات وتبعد نحو 212 كيلومترا غرب مدينة الرمادي، يبلغ عدد سكانها (37,211) نسمة حسب احصاء منظمة الأمم المتحدة لعام 2003 م، وتعد من المدن العراقية القديمة وترتقي أخبارها إلى زمن الدولة الاشورية، وتعتبر عانه من أطول المدن القديمة فهي تمتد على ضفة الفرات اليمنى مسافة عشرين كيلومتراً، ومن خصوصيات الزراعة بها أنها تتم بما يدعونه (حوائج) وإحداها (حويجة أو حويقة) وهي تعني الأرض التي يحيق بها الماء كالجزيرة ويطبق ذلك في دورهم التي تكتنفها الأشجار المسقية من ماء الفرات.

وتوجد في عانه عدة آثار إسلامية منها ما يقع في جزيرة تدعى (الباد) وفيها اثار منارة تبرز بين اطلال ديار قديمة وهي مثمنة المظهر عرضها خمسة أمتار وتغطيها مشكاوات محاطة باطر مستطيلة. وهذه المنارة فريدة في شكلها وعمارتها بالمقارنة مع منائر العراق حيث بنيت من كسر الحجر والجص. ويعتقد إنها تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي. ويوجد على مرمى حجر شمال عانه في مكان يدعى بالمشهد جامع قديم يدعى (مشهد) ويقال ان أصل المشاهدة من تلك المنطقة وهو يرجع للحقبة العباسية وكذلك الحال في جامع يقع جنوب المدينة ويدعى (مسجد الخليلية).

الذين تعود جذورهم إلى مدينة عانه يلقبون باسم “العاني” وينتشرون في العراق وسوريا. ومن العشائر التي تسكن في المنطقة حالياً ولها جذور في تلك المنطقة عشيرة دلة علي وكذلك توجد فيها النعيم والمشاهدة والجحيلات (ال كحلي) وهم يقال يرجعون إلى المحامدة، وعائلة القاضي والذين يسمون بالسادة وبيت العامل الذين يرجع نسبهم إلى قبيلة الجبور، وفيها نسبة من الراويين ويطلق عليهم سواهيك (سواهيك عانه) والرفاعية (بيت الشيخ) كذلك هناك بيت السيد ويلقبون الحسني. أغلب السكان في تلك المدينة محبين للعلم وتخرجت من تلك المدينة عقول كبيرة في مختلف المجالات الطبية والهندسية والقانون وأساتذة الأدب والشعراء والفنون، ومنهم الدكتور عزت مصطفى وزير الصحة السابق الذي قدم خدمات كثيرة للمدينة والطبيب المعروف قاسم توفيق المفتي والسياسي والمحامي رسمي العامل، والرحالة العراقي الأديب توفيق الفراتي.

تعد مدينة عانه من أقدم مدن العالم التي ما تزال مأهولة حتى الآن ولمدة 42 قرناً، وقد ذكرت في المخطوطات البابلية والمخطوطات العائدة لآشور ناصربال الثاني وتوكولتي- نينورتا الثاني بالإنجليزية وذكرها مؤرخون مثل أميانوس مارسيليانوس وزوميوس والقديس إيسيدور الإشبيلي وأبو الفداء.

وتشير بعض المصادر القديمة إلى أن مدينة عانه كانت تمتد على ضفتي النهر بحسب بيدرو تكسيرا أديلا فاليه في رحلاته. لكن ليونهارت راوولف والذي سبقهما في زيارته لمدينة عانه عام 1574 فقد نوه إلى أنها كانت مقسمة إلى جانبين أحدهما تركي محاط بالنهر ولا يمكن الوصل إليها إلا بالقارب أما الآخر العربي الأكبر فيقع على الجانب الآخر من النهر.

وبالرغم من ان تاريخ مدينه عانه وخاصة في فترات قديمة غير واضح تماما ” الا ان الثابت ان هذه المدينه من المدن العراقية الموغلة في القدم.

تلاحم عشائري

توجد فيها النعيم والمشاهدة والجحيلات (ال كحلي) وهم يقال يرجعون إلى المحامدة وفيها نسبة من الراوين ويطلق عليهم سواهيك (سواهيك عانه) والرفاعيه (بيت الشيخ) كذلك هناك بيت السيد والذين يقال في الوقت الحاضر حسينيه ويلقبون الحسني وتوجد في عانه أقدم ثانوية في الانبار تخرج منها آلاف الطباء والمهندسين في مجالات مختلفة وفيها عدد كبير من المساجد. والجميل من طباع اهالي عانه وهي صفه لا تزال تلازمهم يقفون جميعا يدا واحد في الافراح والماتم وتراهم مجتمعون في الفواتح

عانه.. تاريخ واحداث ورحالة

مدينة عانه هذه الحالية تقع على الجانب الغربي لنهر الفرات محصورة بين النهر والتلال المطلة عليها وعندما نتحدث تأريخيا ” عن مدينة عانه نعني به الجزء الذي يقع على جزيرة يحيط بها ماء الفرات من الجهات الاربعة والتي كانت تعرف بجزيرة لباد وحديثا ” يسمونها جزيرة القلعة . ورد اسم عانه في المصادر التأريخية منذ العهد البابلي القديم بصيغة ( هانات) وكانت مركز مملكة على الفرات يعرف بأسم خاني ويدل هانات في اللغة البابلية على القدسية حيث يكتب الاسم بصفة (ها ـ نا ـ ا ت) وغالبا ” ما يكتب مسبوقا “بأسم الاشارة المقدسة .

وردت عانه بهذه الصيغة في زمن الملك (زمرى وليم ) ملك مارى ( تل الحريري) سنه 1782-1759ق.م وقد ضمها الملك البابلي حمورابي الى مملكته مع جميع مدن الفرات الاوسط ومملكة مارى في سنه حكمه الـ35.

اما في المصادر الاشورية فقد ورد ذكر مدينة بصفة انات ( ا- نا- ا ت ) جاء ذلك في نقش الملك الاشوري بلير الاول1115-1077ق.م والتي يسجل فيها حملاته الناجحه وبطولاته ضد مدن اقليم سوهي والتي تشكل عانه مركز هذا الاقليم.

فيما ورد ذلك عانه في زمن الملك الآشوري( آشور –بل – كالا ) ( 1074 – 1057 ق.م ) عند مهاجمته ثانية الاراميون ومدن اقليم سوني ومنها عانه وجاء ذكر عانه في زمن الملك الاشوري توكوليتى نيفورتا الثاني سنه( 889-884 ق.م ) في حملاته على مدن الفرات الاوسط و الاعلى وبعد سقوط الدولة الاشورية خضعت عانه كباقي مدن العراق واعالي الفرات للحكم البابلي الحديث . ومن خلال التنقيبات في جزيرة القلعة ثم العثور على لوح كتابي من القرن السابع قبل الميلاد وجدت اسماء عدد من ملوك عانه يفتخرون فيه بان نسبهم يعود للملك البابلي حمورابي .

مر بها اسطول ترجان الروماني عام 115م وحاصرها جوليان سنة 363 م ووجد صعوبة في فتحها ولم يستطيع التغلب عليها الا عن طريق الخدعة كما تعرضت المدينة الى هجوم الامبراطور البيزنطي ( وارمس ) سنة 591م ذكرها المؤرخ اسيدور الثرخي بصيغة اناتو وجاء ذكرها في المصادر الارامية بصفة اناثا في قصة مسيحية تقول ان الملك الساساني شابور الثاني سنة 309-379 ق.م قد بنا لنفسه بيتا” قرب عانه.

وفي القرون الثلاثة الاولى للميلاد ظهرت في مدينة عانه الديانات المسيحية وقال عانها اسيدور الترخي ان احد امراء المناذرة المسمى معين والذي كان من مشاهير القادة في عهد الملك الساساني شابور قد بنى في عانه ديار” مشهورا ” كان المسيحيون يحجون اليه كل عام اسمه مارسركس.

اما في المصادر العربية الاسلامية فقد ورد ذكر عانه بثلاث صيغ :ـ الاولى عانات عند الطبري واليعقوبي والثانية عانه واستمر هذا الاسم فترة متأخرة حيث بدأت كتابة اسم المدينة بصيغة عانه واختلف اللغويين في معنى اسمها فمنهم من قال انها اسم الالهة سامية كانت تعبد في سوريا بأسم عانه او انانه وكانت هذه الاله معروفة دائما ” في بلاد الشام مع اسم الاله بعل وفي مقابل عشتار ومنهم من قال انها تعني قطعات الحمر الوحشية .

جغرافيا

تعرضت مدينة عانه خلال تأريخها الطويل الى ما يقارب الـ( 150 ) هجوما ” من اقوام مختلفة وكان لموقعها التجاري اثرا ” مهما ” حيث كانت نقطة التقاء اهم طريقين تجاريين :ـــ

– الاول يأتي من منابع الفرات من الغرب متجها ” الى بابل.

– الثاني تيماء عبر الجزيرة الى قلب الارض الاشورية وهنالك اربع وثائق من نينوى تشير الى طريق يبتدئ من كور ــ ابل الى انات كما ان لموقعها العسكرى اهمية في شد الانظار اليها فقد كانت في زمن الدولتين البابلية القديمة والاشورية مركزاً سوقيا مهما ” بالنسبة للجيوش التي تذهب الى بلاد الشام وكان نهر الفرات يمثل خطأ ” دفاعيا ” مشيد عليها الحصون والقلاع لاغراض الدفاع عن قلب العراق ضد هجمات القبائل التي نزحت من جزيرة العرب والتي كانت تحاول العبور الى الجانب الشرقي من النهر وفي الدولة البابلية الحديثة اصبحت لمدينة عانه وعموم المنطقة اهمية اكبر من الناحية العسكرية حيث ان جيوش هذه الدولة كانت باستمرار تنطلق عبر هذه المنطقة بأتجاه بلاد الشام ومصر.

وقد مر بمدينة عانه عدد من الرحالة الاوربيون ومن اشهرهم بنيامين والرحالة البلجيكي موسيل والبريطانية ( مس بيل) بصيغة رحالة تبحث عن الآثار.

مدينة .. المدارس والكتاتيب والنواعير

تقع مدينة عانه أو على الفرات الأعلى القريب من سوريا و تعد من المدن العراقية القديمة وترتقي أخبارها إلى زمن الدولة  الآشورية، وبالأخص إلى عهد الملك (توكلتي نينورتا الثاني) .

وتعتبر عانه من كان (سابور ذو الأكتاف) بناها وجعلها مسلحة لحفظ ما قرب من البادية، وأمر بحفر خندق من (هيت) يشق طف البادية إلى كاظمة. . . فخرجت (هيت) و(عانات) بسبب ذلك السور عن طسوج (شاذ فيروز) لأن (عانات) كانت قرى مضمومة إلى هيت). وهي من أطول المدن القديمة فهي تمتد على ضفة الفرات اليمنى مسافة عشرين كيلومتراً وذلك بسبب هيئتها الخطية. أما عرضها فانه لا يتجاوز المائتين وخمسين متراً، وهذا يعني وجود عدد محدود من الأزقة والدور بعمق المدينة. ولضيق مساحة الأرض وفقر حال المدينة وقلة مواردها فقد ألف السكان الرحيل عنها إلى المدن الكبرى كبغداد والبصرة، ومن خصوصيات الزراعة بها أنها تتم بما يدعونه (حوائج) وإحداها (حويجة أو حويقة) وهي تعني الأرض التي يحيق بها الماء كالجزيرة ويطبق ذلك في دورهم التي تكتنفها الأشجار المسقية من ماء الفرات. وتوجد بعانه عدة اثار إسلامية منها ما يقع في جزيرة تدعى (الباد) وفيها اثار منارة تبرز بين أطلال ديار قديمة وهي مثمنة المظهر عرضها خمسة أمتار وتغطيها مشكاوات محاطة بأطر مستطيلة. وهذه المنارة فريدة في شكلها وعمارتها بالمقارنة مع منائر العراق. ويعتقد إنها تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي. ويوجد في شمالي عانه في مكان يدعى بالمشهد جامع قديم يدعى (أبو ريشه) وهو يرجع للحقبة العباسية وكذلك الحال في جامع يقع جنوب المدينة ويدعى (مسجد الخليلية). إن أبدع ما يشاهد في عانه وسائل الري المستخدمة في سقي حدائقها وبساتينها فهنالك النواعير القائمة على ضفتي النهر إلى مسافة بعيدة تغرف الماء وتدفعه إلى الحقول والضياع. و ألنا عور عبارة عن عجلة كبيرة من الخشب تعلق في أطرافها عدد من المغارف الخزفية يسمونها هنا (قواقه) – مفردها قوق – يتراوح عددها في الناعور الواحد من الأربعين الى المائة، وهو يربط برباط وثيق إذا أريد ايقافها. وحينما يحتاجون اليه يفك منها ذلك الرباط فيبدأ الناعور يدور على نفسه بقوة الماء، وتغرف (القواقه) الماء فتصبه في قناة تتخذ من جذوع النخل صنعت على ارتفاع البساتين فتجري الى الجهات المراد ريها. و(عانه) اليوم تبعد عن الرمادي غربا 212 كيلومترا. وهي حسنة الموقع، جميلة المناظر، بسيطة العمران تكتنفها تلال ممتدة قليلة الارتفاع، وهي منحصرة بين هذه التلال وبين الفرات ومن مقالع الحجر الكلسي لهذه التلال تبنى بيوت المدينة وهي بيضاء اللون تشبه مدن البحر المتوسط. ونفس النوع من الحجر كان قد أشيدت به مدينة (الحضر) التاريخية. وجل السكان هنا من المسلمين. والنساء في عانه على جانب عظيم من الجمال، وهن يتولين حياكة الاصواف وعمل البسط والاعبئة، واهم فضائلها تقليديا خلال حقب الإنحسار الحضاري وان الامية تكاد تكون معدومة فيها لكثرة المدارس والكتاتيب فيها وقد تأتى هذا من رغبة سكانها الجمة في التعلم، وقد تشهد بغداد على ذلك بأنهم يشكلون قاعدة الطبقة السياسية وبعض الثقافية العراقية. ويرحل رجالها في العادة للعمل في بغداد منذ الثلاثينات. ويقابل عانه على الضفة اليسرى من الفرات مدينة (راوة) فيها قلعة فخمة تعود الى عهد مدحت باشا سنة 1869م، وهي تشبه عانه الى حد كبير، ما عدا كونها هرمية التكوين مثلما هي مدن (مزاب) في الصحراء الكبرى حيث تتمدد على سفوح التل الذي يكتنفها وتشرب مائها من شاطئ النهر. يمكن اعتبار عانه وضواحيها من أجمل مدن العراق من ناحية نقاء هوائها وإمكانية العيش فيها ويمكن أن تكون من أجمل مدن العراق السياحية مستقبلا ناهيك عن موقعها على تخوم سوريا التي يمكن أن تكون موقع للاستثمار المشترك ولاسيما في المناجم حيث تحيط بها مكامن غنية للمعادن والأملاح. وهي بذلك في يمكن أن تكون مفتاح خير لمستقبل المنطقة وفي عام 1986 وبعد انشاء سد حديثة غمرت المياه مدينة عانه القديمة كليا وانتقل اهلها الى منطقة عانه الجديدة في وادي الكصر تاركين ذكرياتهم وذكريات مدينتهم الجميلة تحت مياه بحيرة القادسية على نهر الفرات.

مقالات ذات صله