عالم هش ||نعمة عبد الرزاق

 

عندما كان صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق.. كنت مفلسا طوال الوقت…اصحو في الصباح لأبدأ رحلة البحث عن (الريوك) وينتهي بي المطاف الى النوم بلا عشاء… لكن بمجرد ان سقط الرجل بدأت النقود تتدفق على جيبي..  في ذلك الوقت درج رواد حسن عجمي على تسمية المفلسين بالصعاليك…حتى وان لم تكن لديك اخلاقيات الصعلوك وطبائعه التقليدية يمكنك ان تتمتع بشرف الصعلكة ما دمت مفلسا…ومع انتصاف عقد التسعينيات تكاثر الصعاليك وتعددت اشكالهم واختلفت ميولهم لكن المشتركات بينهم كثيرة….وجوههم مكفهرة…قمصانهم ملتصقة بجلودهم…يحملون كتب ميشيل فوكو وجوليا كرستيفيا لكنهم يفضلون قراءة جريدة القادسية…ثم ينهون يومهم (بعركة) روتينية اما في نادي اتحاد الادباء او مع صاحب البار المطالب بحقوقه.. ومثلما كنت شاعرا غير متحقق كنت ايضا صعلوكا غير متحقق… فلا شيء يجمعني بالصعاليك سوى الإفلاس.

 … ومن الصعاليك الى المماليك…… اذ اجتمع زعماء الدول المصدرة للنفط (اوبك) في قمة كاراكاس الشهيرة لتدارك الارتفاع المفاجئ في سعر برميل النفط الذي وصل مطلع الالفية الثانية الى 36 دولارا وعد هذا السعر في حينها مرتفعا جدا.. اذ كان بن لادن في ذلك الوقت مشغولا بتدمير تماثيل بوذا وذبح الزنادقة والزناة في هلمند وكابول وقندهار… قبل ان يقرر مد عنقه نحو برجي التجارة في نيويورك…وبالفعل نجح قادة الاوبك برعاية كريمة من الاب القائد تشافيز من رفع سقف الانتاج وكميات النفط المصدرة ما اسهم في خفض سعر برميل النفط الى 26 دولارا ….(هؤلاء الزعماء الاثرياء لم يدر بخلدهم ان ثمة فتى اسمر قادم من توغلات الجنوب يجلس مترقبا من يدفع له ثمن لفة فلافل سيفسد تطلعاتهم) دخلت علي مندوبة الاخبار ذات العينيين الواسعتين الخضراوين (ع .ي ) في مكتبي المتواضع في مبنى جريدة الزوراء التي تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين حيث كنت مسؤولا للأخبار..قالت اريد ان تعد لي اسئلة لوزير النفط (الفريق الركن عامر رشيد السعدي في حينها) وكانت قد استحصلت الموافقة على مقابلته…وطبعا كان اعداد الاسئلة وتحريرها جزءا من عملي … نائب رئيس الوزراء الاسبق طارق عزيز اتهم الكويت منتصف التسعينيات بسرقة النفط من حقلي الرميلة والزبير وانتهى الامر في ذلك الوقت عند هذا الحد…وخطر لي ان اسأل الوزير عن قدرة حكومته المتهالكة على مواجهة عمليات السرقة التي تقوم بها الكويت على حد تعبير طارق عزيز … اعددت للمندوبة الحسناء اثني عشر سؤالا وقلت لها : امضي قدما فكل حصون الوزارة ستتهاوى امام بريق عينيك الهائلتين.. وزير النفط وضع خطا تحت السؤال .. مع هامش يقول : هذا سؤال سياسي ليس من اختصاصنا ..واحال بقية الاسئلة لوكيله فائز شاهين ليجيب عليها… يبدو ان الوكيل سقط في فخ عيني المندوبة الناعستين …فلم يفطن الى هامش وزيره…وانطلق يجيب على الاسئلة واحدا تلو الاخر حتى وصل الى السؤال الممنوع فشمر عن ذراعية واحلل عقدة من لسانه.. فهدد وتوعد واربد وازبد ..ومسح الكويت من الخارطة عشرين مرة وهو جالس في مكتبه.. حتى ان هذا السؤال لوحده شغل ثلاثة ارباع مساحة شريط التسجيل.

 … اقترب الوعد الحق ولاحت ساعة الغداء وأوشكت سكائري السومر ان تنفد ولا احد من الاصدقاء الخونة يفكر في زيارتي عندما يقترب موعد الاكل…حين تضيق السبل امامي كما في هذه الحال لا يبقى امامي سوى ان اعد احدى الفتيات بالزواج مقابل وجبة غداء.. سلمتني ع الكاسيت وانصرفت دون ان تدري ما الموضوع…اعدته مرة مرتين ثلاثة …فخرجت الزوراء في اليوم التالي بمانشيت عريض: وزارة النفط/ العراق اعد خطة رادعة لمنع الكويت من سرقة حقلي الرميلة والزبير… بعد ساعة من صدور الجريدة ارتفت اسعار النفط في الاسواق العالمية من جديد الى 36 دولارا… فتهاوت مقررات قمة كركاس وانهارت شركات وربحت دول وخسرت بنوك .. وسرى الخبر في وكالات الانباء سريان النار في الهشيم ..واتصل مدير مكتب وزير النفط برئيس التحرير غاضبا متوعدا …وسارعت الوزارة مساء نفس اليوم الى عقد مؤتمر صحفي للوزير نفسه .. نفى فيه التصريح جملة وتفصيلا … ولكن  ما دام الكاسيت بيدي …فليذهبوا الى الجحيم …(عندها فقط ادركت اننا نعيش في عالم هش …عالم بلا ركائز …دول عظمى خسرت ملايين الدولارات في ذلك اليوم واخرى ربحت الملايين …وساد الارباك اسواق المال العالمية ..والسبب بسيط جدا ..  (صحفي جائع).

مقالات ذات صله