عالم نجيب محفوظ … عوالم السحرية التي خلدت نفسها بنفسها

بغداد _ متابعة

في الكتاب الجديد “نجيب محفوظ : إبداع وتوهج” للناقد المصري شوقي بدر يوسف الصادر عن مطبوعات دائرة الثقافة – الشارقة (كتاب الرافد) يشير المؤلف في التوطئة التي صَدَّر بها كِتابه إلى أن في عالم نجيب محفوظ الإبداعي وهجًا وألقًا كبيرين نابعيْن من أصالة وعراقة مُنجزه الروائي والقصصي.

ويضيف “ولا شك أن نجيب محفوظ وعوالمه المنتخبة ببراعة ورهافة شديدتين، هي مصدر هذا التوهج العجيب الذي أخذ به على حين غرة إلى منصة نوبل عام 1988، ونقل مشهد الحارة المصرية (…) إلى آفاق العالمية”.

يأتي الكتاب في أحد عشر فصلاً جامعًا بين التحليل الفني لأعمال محفوظ والتناول الموضوعي/ الثيمي، وقد غطى الكتاب روايات محفوظ التاريخية والاجتماعية وكذلك الفلسفية “ميرامار”. كما توقف في بعض الدراسات عند ظواهر لافتة في كتابات محفوظ كما في الفصل الأول، حيث تناول المؤلف أيقونة العنوان وشيفرته في أعمال محفوظ، ومن خلال التناول السيميولوجي بحث عن علاقة تناص بين العنوان وبين الجسم الأدبي.

كما انطلق الناقد في تحليله من تساؤلات افتراضية مِن قبيل: هل يجب التعويل على ماهية العنوان، وتبئير مفرداته لتعطي المعنى المبثوث داخل النص؟ ويرى المؤلف أن عالم نجيب محفوظ من العوالم السحرية التي خلدت نفسها بنفسها من خلال النسق الفني المتفرِّد.

كما أن العنونة جزءٌ لا يتجزأ من العملية الإبداعية الداخلية للنص، فهو يختار عناوين رواياته بعناية شديدة، وإن كانت عملية التوازي بين نصية العنوان والعمل الروائي تكمن في تداخل عنصري اللغة من العنوان إلى المتن.

 

وعن علاقة العنوان بالنص يقول إنها تحقِّق مسألتين؛ الأولى مُتعلِّقة بنمو النص منذ أن كان بذرة رعاها الكاتب، والثانية متعلقة بدورية الحكاية، حيث البداية تعكس النهاية وتؤكدها.

كما يُحلِّل عناوين الكثير من الأعمال الروائية بدءًا من “الثلاثية” و”السمان والخريف”، وإن كان لم يوفَّق في استقراء عنوان “الشحاذ” وربطه بنصه، فيقول إن “عنوان رواية الشحاذ هو مفردة تُعبِّر عن زخم العلاقة الناشئة بين الذات وبين مستويات الحكي النابعة من وقائع ما حدث داخل النص”، وهذا كلام عام ينطبق على أي عنوان آخر، بمعنى أنه لم يقدِّم خصوصية للعنوان.

عبر نص “أمام العرش” الذي عاد به محفوظ إلى التاريخ الفرعوني الذي استهلَّ به حياته الإبداعية، يتوقف المؤلف عند رؤية محفوظ لهذا النص الذي حاكم به نجيب محفوظ فراعنة مصر وبعض الشخصيات العامة وزعماء ورؤساء مصر السابقين حتى نهاية عصر السادات.

وكان الكتاب الذي استعصى على التصنيف الأدبي بمثابة رؤية تنبئية يؤكِّد فيها محفوظ على وجوب استئصال الفساد المتجذر داخل نفوس السلطة، والأهم أن محاكمة الرؤساء شيء مطلوب دائمًا للوقوف على طبيعة الشعب المصري في المطالبة بالعدالة والحرية.

لا يتوقف الكتاب عند أعمال محفوظ وحدها، بل يقارن الكاتب في إحدى دراساته بين رواية “ملك من شعاع” لعادل كامل، ورواية “العائش في الحقيقة” لنجيب محفوظ من خلال تناول الكاتبين لشخصية أخناتون.

وبعد مقدمة فضفاضة عن علاقة محفوظ بصفة خاصة والمبدعين العرب بصفة عامة بالعصور الفرعونية في الكتابة، يتطرق إلى شخصية عادل كامل وعلاقته بمحفوظ، ثم بعد ذلك يتناول في سرد مُسهب شخصية أخناتون وكيف تناولها الكاتبان، وما هي الرؤى التي طرحاها من هذا الاستدعاء والتناول.

يختتم المؤلف الكتاب بقراءتين في أعمال كُتبت عن نجيب محفوظ الأولى بعنوان: نجيب محفوظ والإسكندرية، قراءة في كتاب نجيب محفوظ في ليالي سان ستيفانو لمحمد الجمل. أما الكتاب الثاني فهو عن إبداع محفوظ القصصي بعنوان: تجليات سرد الحياة، قراءة في أدب نجيب محفوظ.

الكتاب في مُجمله سياحة في عوالم نجيب محفوظ الإبداعية، وكذلك متابعة للكثير من الأعمال التي اقتربت من فكر وإبداع محفوظ، وهو يجمع بين الدراسات الرصينة، والمقالات السريعة التي كانت أشبه بذكريات عن هذه العوالم وما ارتبط بها من أماكن كما في مقالته عن ميرامار: البنسيون والرواية. الشاهد المهم في هذه الدراسات هو ما أكّده عنوانها المـُنتخَب، فأعمال محفوظ مازالت ملهمة للنقاد والكُتّاب على حدّ السواء وفي ذات الوقت يجد فيها القارئ والناقد ألقًا ووهجًا حاضرين.

مقالات ذات صله