عادات مسيئة للمجتمع ومحرمة في الدين …. الرغبة في الموت هروب من واقع لا يتغير؟

بغداد _ متابعة

لم يبقى لي خيار سوى شنق نفسي حتى يرتاح ابي وامي  ، لقد انهيت حياتي لعدم استطاعتي التحمل ، هذه الحياة اصبحت صعبة ، الموت اسهل من البقاء معكم على قيد الحياة ، الموت ارحم لي من تنفيذ رغباتكم …عبارات بدأ شبابنا العراقي فتيات وشبان يتركونها لعوائلهم حتى يبررو سبب شنقهم لانفسهم .

وفي واقع الامر ان العائلة العراقية اصبحت امام موقف لاتحسد عليه عندما تجد احد ابناءها او بناتها قد انهى حياته شنقا للتخلص من وضع ما او حالة تفرضها الاسرة على ابناءها خاصة في المحافظات ، وقد يكون للهروب من مجتمع مريض فرض سلطته على شباب عانوا ومازالوا يعانون من  ترسبات ثقافات مريضة فرضت عليهم .

عائلة الشابة ( ز .م ) تبلغ من العمر 23 عام  من محافظة ذي قار سائلين والدة الشابة عن حالة ابنتها “لقد دخلت عليها الغرفة فوجدتها قد شنقت نفسها وعند سؤالها عن السبب اجابت نحن نعيش على “كد حالنا ” وحالتنا المعاشية محدودة ” ولا نستطيع تلبية احتياجاتها ولا املك جواب اخر لاجابتكم ؟؟ .

انتحرت لانني لا استطيع ان ادفع تكاليف العمليات الجراحية

كما تحدثنا من احد المنتحرين بجرعة من الادوية المتنوعة  يبلغ من العمر ثلاثون عام فسالناه عن سبب انتحاره فاجاب “لقد امضيت سنوات وانا اقرأ واكملت الامتحانات ووصلت الى الجامعة لاجد نفسي بمواجهة  وضع اجتماعي دون الصفر وانا احاول كسب لقمة عيشي وعائلتي ببيعي قناني الماء في الشارع واواجه مرض ابي الذي يحتاج الى عمليات جراحية بمبالغ خيالية ولا استطيع توفير شي منها فقررات ان انهي حياتي ،لكن الله لم ييكتب لي هذه النهاية وتم انقاذي في المستشفى .

اما طالبة المرحلة الثالثة في إحدى المدارس المتوسطة في محافظة الديوانية ، والتي طلبت بعدم ذكر اسمها  خوفاً من التقاليد التي تتمسك بها أسرتها، فقد اكدت لنا ان زميلتي وصديقتي انتحرت، وفضلت انهاء حياتها على الإذعان لرغبة أهلها في تزويجها قسراً من ابن عمها .

و اوضحت  أن “صديقتي عانت بسبب خيار أهلها وفرضهم عليها الزواج من شخص لم ترغب به، من كآبة واضحة، وكانت مستاءة طيلة الوقت، وتراجع مستواها العلمي بشكل واضح في المدرسة”.

واشارت الى صديقتها  اقدمت على  حبس نفسها داخل الحمام، واغرقت نفسها بمادة النفط وأضرمت النار في جسدها، ومن شدة الألم كانت تصرخ من دون شعور حتى انتبه أهلها، وكسروا باب الحمام وتمكنوا من الدخول، حيث كانت الفتاة تلفظ أنفاسها الأخيرة وحملتهم مسؤولية ما فعلته بنفسها، ولم يعد الندم ينفعهم في شيء بعدما صنعوه بأنفسهم وبابنتهم .

في حين  اشار الشاب  علي حسين من محافظة ذي قار  الى انتشار حالات الانتحار بين الشباب والفتيات باتت حديث الشارع في الآونة الأخيرة حيث لم يمر أسبوع واحد من دون أن تحصل حالة أو حالتا انتحار في المحافظة ، مبينا  ان اسبابه اما ان تكون اقتصادية او نفسية  او ضغط المشاكل الاجتماعية التي يفرضها الوضع الحالي في المحافظة .

كما اشار مصدر في  شرطة ذي قار “بأن مستشفى الشطرة العام تلقى حالة وفاة لشاب في الـ 38 من عمره وقد أصيب بطلق ناري في الرأس، مشيرا الى ان الشاب أقدم على الانتحار مستخدما مسدسه داخل إحدى غرف داره الواقع إلى الشمال من مدينة الشطرة دون معرفة اسباب الانتحار .

كما واكد  مصدر آخر من الشرطة إلى أن شابا في الـ 39 من العمر ألقى بنفسه منتحرا من على منارة مسجد في ناحية البطحاء ما أسفر عن موته على الفور مبينا ان الشاب المنتحر كان متزوجا ولديه ثلاثة أطفال، ويعاني مشاكل حسب إفادات مقربين منه ومصادر طبية”.

ويرى الباحث الاجتماعي سليم محمد أن تنامي ظاهرة الانتحار بين أوساط الشباب خاصة الفتيات، يرجع إلى أسباب عدة ،منها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وضغط التقاليد والأعراف العشائرية عليهم، فيولد حالات كبت تنتج عن فرض الآباء على الأبناء خيارات لا تتماشى مع أهوائهم ورغباتهم، إضافة إلى ما يعرض على شاشات الفضائيات من مسلسلات تروج إلى الانتحار، وتجعل منه الحل الأمثل والخيار الوحيد، فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي وما يتم تبادله بين الشباب”.

وبين محمد  أن “ضغط الأهل على الفتاة بمبررات عدة يجعل الفتاة تذهب باتجاهين، إما الموافقة على الزواج للخروج من دائرة سيطرتهم، عسى أن تجد مع الزوج حياة أكثر حرية، تسمح لها بالخروج من دائرة السيطرة وبسط النفوذ وفرض الآراء، أو الوصول إلى حالة من اليأس، تستسهل فيها الموت للخلاص من ضغطهم .

كما واكد رجل الدين علي  الساعدي من بغداد ان ابتعاد المرء عن الله يجعله يقترب من المحرمات، ويجب على الآباء معرفة حقوقهم تجاه أبنائهم قبل فرض آرائهم عليهم، والإسلام وجميع الديانات السماوية وضعت ضوابط تنظم العلاقة بين الآباء وأبنائهم، لو حرص عليها المكلفون لما وصل الحال بأن يفكر الشباب بقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق”.

واشار  الساعدي ان ما عرفناه وسمعناه من قصص، يدق ناقوس الخطر، وعلى جميع المؤسسات الدينية والحكومية المعنية ومنها التربية والجامعات، ونشطاء المجتمع الديني الوقوف بجدية، تجاه ما يحصل من تفكك في المجتمع، نتيجة لتفكك الأسرة التي تعد نواة المجتمع، والعمل على وضع برامج خاصة يتم من خلالها استعادة الثقة بالله والنفس، والتقيد بتعاليم الأديان لنحمي شبابنا من الأفكار المسمومة التي يعمل البعض على زرعها في مجتمعاتنا ليمزقها ويفتتها ليسهل السيطرة عليها”.

ويرى بعض  الباحثون ان  أسباب تصاعد هذه الظاهرة الخطيرة والغريبة على المجتمع العراقي إلى تردي الأوضاع الاقتصادية وتزايد حالات العوز والحرمان والتسول وتفكك الروابط الاسرية  وبعض السلوكيات الدخيلة على المجتمع، بالاضافة الى الضغوط النفسية والتغيرات التي شهدها المجتمع العراقي بعد أحداث عام 2003 وحتى يومنا هذا . وهذه الحالة تستدعي من الحكومة والوزارات المختصة ومنظمات المجتمع المدني والجهات الدينية  الى الاسراع في ايجاد الحلول المناسبة ووضع الخطط  التي تساهم في انهاء تسارع هذه الظاهرة في المجتمع العراقي ، منها استحداث مركز لمعالجة تلك الظواهر الاجتماعية ووضع الحلول للحد منها.

بالاضافة الى عقد ندوات متخصصة ومثقفون وأكاديميون إلى تنظيم زيارات ميدانية للأفراد الذين حاولوا الانتحار وتقديم النصح والدعم الممكن لهم، لانتشالهم من أزماتهم النفسية والاجتماعية للأخذ بيدهم وإعادة دمجهم بالمجتمع.

مقالات ذات صله