صناعة الحظ: تعامل خاطئ مع القدر أم علّاقة للفشل؟  

بغداد_ متابعة

يلقي كثير من الأشخاص باللوم على الظروف والأقدار في حال واجهوا الفشل في إحدى محطات حياتهم متناسين الجهد والتخطيط اللذين يؤديان بالنتيجة إلى النجاح.

“إحنا مسيرين وليس  مخيرين” بهذه الكلمات يصف هيثم حسن (33 عاما) ويعمل فني كهرباء، قناعته في مجرى حياته والأحداث التي مر بها، مبينا أنه إنسان مجد ومجتهد في الحياة لكن حظه قليل على حد تعبيره.

ويوضح حسن أنه فشل في الحصول على شهادة الثانوية العامة برغم محاولاته العديدة الأمر الذي أدى إلى تحطيم آماله في إكمال تعليمه وصعوبة عثوره على فرصة عمل مناسبة.

ويتابع أن سوء الحظ يرافقه حتى في محاولاته الارتباط والزواج مشيرا إلى فشله في إيجاد الفتاة المناسبة التي تنسجم مع نمط تفكيره.

من جانبها تقول مها يوسف (28 عاما) وتعمل في إحدى الشركات أنها تؤمن في الحظ في أمور معينة وليس في جميع نواحي الحياة.

وتقول إن الحظ “يلعب دورا في قضايا جوهرية في الحياة كأن يولد الإنسان لعائلة سعيدة ومتماسكة أو عائلة مفككة”، ويلعب دورا كذلك في أمور “الزواج والارتباط من خلال مصادفة الشخص المناسب”, مستطردة “لكن لا يمكن أن نعلق فشلنا على الحظ في جميع المسائل”.

وتوضح “مثلا مسألة النجاح في الدراسة والاجتهاد في العمل والوصول إلى موقع مهني جيد هذا يعتمد على نشاط الأنسان وسعيه واجتهاده وتخطيطه السليم”.

وتتباين الصورة التي يتعامل بها الأشخاص مع مجريات حياتهم بين الاستسلام للأقدار التي يفهمها كثير من الناس بشكل خاطئ، كما يؤكد علماء الشريعة، وبين السعي الحثيث في الحياة والمرونة وتقبل التغيير.

الدكتور أحمد نوفل يقول “إن جميع مساعينا في الحياة لا بد أن ترتبط بالتخطيط الدقيق والواضح لكل مشروع نقدم عليه”.

ويضيف أن الشريعة الإسلامية “تحث على السعي والاجتهاد والأخذ بالأسباب” مؤكدا أن سوء الحظ ما هو إلا الرديف لسوء التخطيط والأصل في الأمور كما يقول أن “الإنسان الذي يأخذ بالأسباب لن يفشل؛ الطالب الذي يستعد للامتحان من بداية العام من خلال التحضير المستمر ومراجعة الدروس لن يفشل”.

ويبين نوفل أن كثيرا من الناس يتعاملون مع مفهوم القدر بشكل خاطئ ويستعملون كلمة حظ بمواقف لا يكون الحظ بها هو سبب الفشل. والقدر الذي يعلق عليه الناس فشلهم أو سوء الحظ كما يسميه بعضهم ما هو إلا نتائج لأمور لم تكن مدروسة ومخططا لها بشكل سليم من البداية.

ويتابع أن مشاريع الحياة التي يتم التخطيط لها بشكل دقيق ومع ذلك لا يجد الأنسان التوفيق بها فهنا نقول أن هذا قدر مرسوم من رب العالمين ولعله يكون به الخير على عكس ما يتوقع الإنسان المبتلى به كأن يفشل الإنسان في الجانب الدراسي بحياته وينجح في الجانب المهني وبذلك يكون هذا تعويضا عن ذاك.

ويقول نوفل إن العمل على تحسين حظوظنا في الحياة يتطلب جهدا وتركيزا من الأشخاص وهذا يحتاج لمنهجية في التغيير.

وقد أثبت كثير من الأشخاص قدرتهم على تحدي ظروفهم الصعبة وصناعة حظوظهم دون الاعتماد على المصادفات أو التقاعس والخمول.

وفي هذا السياق يقول التربوي محمد الساعدي إن الجانب التربوي يلعب دورا كبيرا في تعامل الأشخاص مع مشاريع حياتهم بشكل عملي ومنطقي بعيدا عن الاستسلام للحظوظ والمصادفات، فالحياة على حد تعبيره ليست كما ينظر لها البعض سهلة ومريحة.

أما ما يخص موضوع القدر فيأتي رأي الساعدي متفقا مع رأي نوفل بأن التفكير بالمسائل القدرية يجب أن يكون بعد الأخذ بكافة الأسباب وبذل الجهد الكافي “معظم قضايا الحياة يكون الإنسان هو صاحب القرار بها”.

ويقول إن تكرار عبارات مثل أنا حظي تعيس أو هذا حظي من الحياة تمثل مبررات للفشل لأن لكل مجتهد نصيب. كثير من أمور الحياة يستطيع الإنسان أن يغيرها نحو الأفضل بالسعي والمثابرة. وفي حال اتخذ الإنسان جميع الأسباب وبذل الجهد الكافي ومع ذلك واجه الفشل فنحن هنا نكون أمام مسألة قدرية وما عليه بحسب السعود إلا أن يحاول من جديد ويتمتع بالمرونة التي تكفل له النجاح في محطة قادمة في الحياة.

وعن تجربته الشخصية يقول الساعدي إنه عانى منذ طفولته من وضع صحي صعب فرض عليه استعمال العكازات للمشي ومع ذلك لم يلم القدر الذي جعله إنسانا مختلفا عن الآخرين أو إعاقه عن الحركة وإنما اعتبره دافعا له نحو النجاح والتميز الذي حققه من خلال نيله لشهادة الدكتوراة وشغله مركزا مرموقا في إحدى الوزارات.

ويرجع الساعدي الفضل في ذلك إلى والده الذي عزز في نفسه الثقة بالنفس وأكد قناعته بأن الإعاقة هي تكريم من رب العالمين ليتحدى الإنسان ذاته ويتغلب على ظروفه.

ويعود الدكتور نوفل ليؤكد أن المعنويات المرتفعة تلعب دورا كبيرا في نجاح الإنسان وعدم ارتكانه على موضوع الحظوظ وانتظاره للمصادفات.

ويتابع أنه يعرف أشخاصا ابتلاهم الله بأمراض صعبة جدا ومع ذلك هم يبثون الأمل في نفوس من يعرفونهم من خلال روحهم المرحة والراضية وثقتهم العالية بأنفسهم وسعيهم الدائم للنجاح والتميز برغم ظروفهم.

ويختم بالقول “المرح والرضا والتعامل مع مصاعب الحياة ثقافة يمكن اكتسابها ولا تأتي بمجرد إغماض العين والحلم”.

ويرى محمود عزات أنه يدفع دائما ثمن الحظ السيئ، فحتى لو كان هنالك التخطيط والأهداف فالحياة “حظوظ”، فقد كان من المثابرين والمجتهدين دوما في دراسته إلى أن وصل امتحان شهادة الثانوية العامة، فقد أخفق وحصل على معدل لم يؤهله لدراسة الطب كما حلم منذ الصغر.
ويقول، “صدمت بنتيجة الثانوية العامة كثيرا عندما علمت بأن معدلي 89 %، وأيقنت أن الحياة حظوظ عندما علمت أن أحد أصدقائي تأهل لدراسة الطب رغم تفوقي عليه في السنوات السابقة”.
وتشاركه الرأي سلوى البرقاوي بقولها، “من المؤكد أن هناك حظا في الحياة، حيث نرى الكثير من الناس لا يملكون أي مؤهل سوى الحظ، فبه ينجحون ويتزوجون”.
وتضيف، “لي صديقة من عائلة ميسورة الحال، وتزوجت من شخص يكافئها بالمستوى الاجتماعي، على الرغم أنها لم تجتهد ولم تسع لشيء في حياتها، وعليه فإن الحظ يولد مع الإنسان ويلازمه أو يهرب بعيدا عنه”.
يبين الخبير الاجتماعي الدكتور حسين خزاعي أن هناك نظرة تشاؤمية دائما لكل القضايا والمشكلات التي تصيب الشخص، فتراه يلاحقها ويلقي اللوم على الحظ، ولا يعالج المشكلة بشكل جيد، فلا يأبه بتعديل السلوك عن طريق المعرفة مثل، الحوادث أو الخسارة أو النتيجة في الثانوية العامة.
ويقول، “يرى الكثير أن الحظ هو أسهل الطرق لإيجاد المبررات، وقد تكون هذه السلوكيات نتيجة التنشئة الاجتماعية من المحيطين سواء الأهل، الأقارب، الأصدقاء وغيرهم، فيصبح التقليد الأعمى هو السائد”.
ويلفت إلى أن العلاج السريع والحل السليم لهذا الموضوع يكون بوقف الأفكار التشاؤمية وتغييرها عن طريق الجلوس مع هؤلاء، وأيضا إبراز مظاهر القوة في شخصياتهم (الاعتزاز بالذات) بأن لديهم قدرات وإمكانات وإبداعات يجب تحفيزها ومواجهة المشاكل واستثمارها، وهذا المسألة هامة جدا داخل الأسرة، فالأبناء يتأثرون بالوالدين القدوة.

مقالات ذات صله