شوارع الدول العربية..تظلم فنانيها وأدبائها والعراقيون يتفوقون

بغداد _ متابعة

خرج من شوارع العالم العربي وأزقته فنانون كثر، حققوا نجاحاً واسعاً، فأحبتهم الملايين. وفي حين نجد شوارع بأسماء أدباء وشعراء وفنانين في معظم دول العالم، قلما درج هذا التقليد في العالم العربي. هنا جولة على بعض شوارع الدول العربيّة للتحقّق من أسماء الفنانين فيها.

العراق يتصدر

زدهرت ظاهرة الشوارع الثقافية في المدن العراقية من سنوات قليلة، وكان النموذج المزدهر والمثال الحي لها، شارع الثقافة في بغداد، والمقصود به شارع المتنبي العريق، الذي يقع بالقرب من ساحة ساحة الميدان، حيث المقاهي الثقافية فتحت أبوابها منذ زمن بعيد بالقرب من هذا الشارع، ومنها أو أقربها إليه، (مقهى الشاهبندر)، ومقهى (حسن عجمي) ومقهى (البرلمان)، ومقهى (البرازيلية)، و (قاعة حوار) بالقرب من أكاديمية الفنون، وهي مقاه وأمكنة ذات صبغة ثقافية وإن كان ذات طابع مختلط.

يرتاد هذه المقاهي مجاميع مختلفة من المبدعين العراقيين منهم أدباء (شعراء وقصاصين وروائيين ونقاد)، وكذلك فنانين في مختلف ضروب الفن منهم (التشكيلي، والممثل، والمخرج….الخ)، ويجلس معهم خليط شعبي، (طلبة، عمال، كسبة، وحتى حمالين)، وهذه ميزة جيدة لهذه المقاهي، حيث يختلط الشعبي بالمثقف، فيكون هناك شيء من تبادل الأدوار بين المثقف وصاحب الوعي الأقل في الفكر والثقافة، ويحدث نوع من التطوير للطبقة الشعبية، حيث ينتج عن هذا التقارب مبدعين في مجالات عدة.

وما دفع مثقفين وفنانين المحافظات وعموم المبدعين للدعوة الى إنشاء شوارع من النموذج نفسه في كل محافظة، وبالفعل تم استنساخ المتنبي في عدد من المحافظات منها ميسان، والنجف الاشرف، وذي قار، وكربلاء المقدسة وسواها، وسوف أتحدث عن تجربة استنساخ ثقافي عايشتها عن قرب في محافظة كربلاء مع عدد من الشبيبة الرائعين المتحمسين بصورة جادة لخلق رئة ثقافية فنية فكرية يتنفس فيها المواطنون الكربلائيون الثقافة والفن والحرية والمدنية العميقة.

 

لا شوارع للفنانين في الأردن

رغم أن الأردن خرّج أسماء مهمّة في عالم التمثيل مثل أحمد أبو سويلم، محمد العبادي، جميل عواد، عبدالكريم القواسمي، مارغو أصلان، عبير عيسى، وسميرة خوري، وغيرهم العشرات… فقد أبت شوارعه وميادينه أن تحمل أسماء هؤلاء، وحلت بدلًا منها أسماء شخصيات من التاريخ الإسلامي، وسياسيين، وأمراء وحكام عرب. وهذا ليس مستغربًا، لأنّه يحيلنا إلى نظرة اجتماعيّة وثقافيّة سائدة في الدول العربيّة كافّة حول الفنانين، باعتبارهم أقلّ شأنًا من الشخصيّات الفاعلة الأخرى، مهما كانت انجازاتهم. ولم يسجل لنقابة الفنانين الأردنيين اي مطالبة بأن تحمل شوارع المملكة أسماء فنانين.

العقاد وقلعي في سوريا

نترك الأردن ونتوجه إلى سوريا التي رغم معاناتها الحالية مع الحرب، لم يزل جمهورها يعشق الفن، والدليل استمرار بعض المسارح بتقديم العروض الفنيّة، والموسيقيّة، وإنتاج المسلسلات. لذلك من الغريب ألّا يكون هناك شوارع كثيرة تحمل أسماء فنانين في سوريا. فإن سألت أي سوري عن شارع صباح فخري أو منى واصف سينظر لك بدهشة، ويخبرك أن لا شوارع تحمل هذه الأسماء. لا يوجد في سوريا كلها سوى شارعين فقط، الأول في حلب وبالتحديد في حي جمعية الزهراء الذي صار اليوم خاليًا من سكانه بسبب الحرب، حيث نجد شارعًا يحمل اسم المخرج العالمي مصطفى العقاد (1930 – 2005)، هو نفسه الشارع الذي ولد فيه مخرج فيلم “الرسالة”.

وفي نهاية العام 2015 وافقت الحكومة السورية على إطلاق اسم الممثل والكاتب نهاد قلعي (1928 – 1993) على أحد شوارع دمشق، بعد مطالبات عدة قادتها”جمعية أصدقاء دمشق” (جمعية أهلية). وهذا هو الشارع الثاني.

كوكب الشرق في تونس

أثناء تجولك في أزقة المدينة القديمة في تونس العاصمة، ستسمع أغاني مختلفة لكوكب الشرق أم كلثوم تخرج من أماكن عدّة. فللمطربة المصرية مكانة كبيرة في قلوب التونسيين منذ أن زارتهم أول مرة العام 1968. اعبر بوابة باب البحر التاريخية وتوجه إلى شارع الحبيب بورقيبة القريب من السوق، تجد شارعًا شهيرًا موازيًا له يحمل اسم نهج أم كلثوم. يتقاطع الشارع مع شارع قرطاج، وقد أزاحت عنه الستار أم كلثوم بنفسها يوم 2 يونيو 1968، وألقت خطبة شهيرة تترجم سعادتها بقرار الحكومة التونسية: “تونس الخضراء ستبقى ذات ريادة وأسبقية في تكريم الفن والفنانين وفي احتضان الإبداع والمبدعين”. جملة أم كلثوم كانت دقيقة إلى حد ما، فأيام قرطاج السينمائية لا تتوقف عن تكريم فنانين، لكن للأسف لم تكرر تونس ما فعلته مع أم كلثوم مع فنانين تونسيين مهمين من أمثال رائد المسرح التونسي علي بن عياد (1930 – 1972)، أو الكاتب والمخرج المسرحي المهم محمد الحبيب (1903 – 1980) وغيرهما من الفنانين.

في مصر: للرجال فقط

يختلف الأمر كثيرًا في بلد مثل مصر، إذ هناك عشرات الشوارع التي تحمل أسماء فنانين، أبرزها الشوارع المحيطة بشارع عماد الدين بوسط القاهرة، (كان مركزًا لأهم مسارح مصر في الماضي، قبل أن يصبح حاضنًا لعدد كبير من دور العرض السينمائية حاليًا). فجميع الشوارع المحيطة به مسماة بأسماء فنانين، فهناك شارع نجيب الريحاني (1889 – 1949)، وشارع زكريا أحمد (1896 – 1961)، وشارع علي الكسار، وشارع سيد درويش. وفي منطقة عين شمس القاهرية يقع شارع فريد الأطرش.

هناك كذلك شوارع لم تختر لها الحكومة المصرية أسماء فنانين بشكل رسمي، لكن قام المصريين أنفسهم بذلك، مثل ذلك الشارع الشهير في حيّ الزمالك الهادئ، والذي يحمل في الأوراق الحكومية الرسمية اسم شارع بهاء الدين قراقوش، لكن لا يعرف أغلب المصريين ذلك، بل يعرفونه باسم شارع عبد الحليم حافظ، لأنّ العندليب كان يسكن فيه.

تصالح المصريون مع إطلاق اسماء فنانين رجال على شوارع في المحروسة يقابله بعض التحفظ حين يتعلق الأمر بإطلاق اسم فنانة على أحد الشوارع. في العام 2007 وبعيدًا عن مناقشة مدى استحقاق هياتم لذلك أم لا، أثار قرار حي شرق بمحافظة الإسكندرية بإطلاق اسم الممثلة هياتم على شارع صغير في الإسكندرية جدلًا كبيرًا. وقتذاك برر الرافضين للقرار موقفهم بأن هياتم ليست من أصل إسكندري، لكن حين تعلم أن أكثر الرافضين للقرار كانوا من تيارات إخوانية وسلفية ستدرك أنها مجرد حجة. وأثناء حكم الإخوان، وحين كان حسن البرنس التابع لهم محافظًا للإسكندرية، بدأ بإجراءات تغيير اسم الشارع، لكن سقوط الإخوان أبقى اسم هياتم.

الجدل تكرر أيضًا مع السندريلا سعاد حسني، إذ أُطلق اسمها رسميًا على أحد الشوارع في منطقة المطار بمصر الجديدة، لكن المعترضين على القرار تحججوا بأن الاسم السابق للشارع، وهو كمال الدين حسين، يعود لأحد ابطال الجيش المصري.  لكن هذا الجدال لم يستمر، ورسا اسم السندريلا على الشارع.

لا شارع باسم فيروز في لبنان

خرج من لبنان أهم فناني العالم العربي، لكن محاولات تكريمهم اتخذت شكلًا مختلفًا عن إطلاق أسمائهم على الشوارع. فحديثًا، بدأت تظهر رسوم غرافيتي لهم في الشوارع، أحدها للشحرورة صباح (1927 – 2014) في قلب شارع الحمراء في بيروت، وغرافيتي فيروز في الجميزة. لكن حتى الآن لم تحمل شوارع اسميهما برغم أهميتهما. وأخيراً وافقت الحكومة اللبنانية رسميًا على إطلاق اسم الفنانة الكبيرة سميرة توفيق على شارع في محلة الحازمية.

قدّم الكثير من الفنانين العرب منحزات مهمّة لبلدانهم، وأدخلوا الفرح إلى قلوب كثيرين. لكنّ تكريمهم لم يصل إلى الاحتفاء بهم في الشوارع، وإن حصل ذلك فإنّه يتمّ على استحياء كأنّه عيب أو حرام. وهذا ليس مستغربًا، لأنّ معظم الفنانين لا يتمتعون بضمان صحيّ وضمان شيخوخة، ومن النادر أن تتولى الدول العربيّة رعايتهم ومعالجتهم على نفقتها حين يكبرون في السنّ.

مقالات ذات صله