شهر رمضان يشكل مكانة خاصة لدى العراقيين بعاداته وطقوسه الاجتماعية

على الرغم من الظروف اليومية القاسية التي يعانيها العراقيون، لا تزال مائدة الإفطار الرمضانية العراقية تحتفظ بمكانتها كواحدة من أجمل موائد العالم العربي والإسلامي.
ويشكل شهر رمضان الكريم مكانة خاصة لدى العراقيين، ليس من الجانب الديني فحسب بل بعاداته وطقوسه الاجتماعية التي تختلف عن بقية الشعوب “فالعراق بلد متعدد الأديان والمذاهب والطوائف، لكنه يتوحد في طريقة استقباله للشهر الكريم فيعيش أيامه وفق طقوس معدة مسبقا”.
ومنذ الأيام الأخيرة لشهر شعبان يبدأ العديد من العراقيين التوافد على الأسواق المحلية لشراء التمر البصراوي والمكسرات والبقوليات والدجاج واللحوم والشعرية والأرز والطحين والسكر والزيت والبهارات والمواد التي تدخل في صنع المعجنات والحلويات، وغيرها من المواد الغذائية التي تعمر بها السفرة الرمضانية.
وتتفنن النساء العراقيات في إعداد الأطباق الخاصة بالشهر الفضيل، إضافة الى إعداد مستلزمات شهية أخرى مثل العصائر والحلويات.
وكسائر الشعوب العربية والإسلامية الأخرى فإن للعراقيين أطباقهم الخاصة التي تعد خصيصا للشهر الفضيل مثل المشويات بمختلف أنواعها كالكباب المشوي وكبة حلب وكبة البرغل وكبة الموصل والبورك، والدولمة والبرياني والسمك المسكوف والباجة وشوربة العدس، والماش أو شوربة كبة الحامض والتشريب بنوعيه تشريب اللحم والدجاج والأرز والمرق والكبة بأنواعها كافة ، إضافة إلى المحلبي أو المهلبية والزردة.
أما ابرز الحلويات والمعجنات العراقية فهي البقلاوة والزلابية وزنود الست والبرمة والشعيرية والقطايف والعوامات، وفي الأحياء الشعبية ينتشر نوع من الحلوى يسمى “الدهينية” وهي خليط من الدقيق مع السمن الحيواني وهي بنية اللون تنشر في صينية كبيرة وتغطى بجوز الهند.

وفي المناطق الشمالية يلجأ الناس إلى عمل أكلة مميزة تسمى “المدكوكة” وهي تصنع من أحد أنواع التمر الجاف إضافة إلى “الداطلي أو الطاطلي” كما يسمونه في الجنوب العراقي، في حين أن أفضل العصائر التي تميز المائدة العراقية هي شربت الزبيب والنومي بصرة والزنجبيل وقمر الدين والتمر الهندي والشاي بالهيل، إضافة الى العصائر التقليدية الموجودة في أغلب دول العالم، وفي بعض المناطق يتبادل الجيران الأطباق الرمضانية كنوع من التعاون والتعبير عن المودة التي تربط كل أهل العراق.

أما على صعيد أطباق الاستفتاح فتتميز المائدة العراقية بأنواع خاصة من المقبلات أبرزها (الطرشي/المخلل) وخصوصا طرشي النجف الشهير بين أنواع الطرشي الأخر، إضافة إلى السَلطات الخاصة التي تتكون من الخيار والطماطم والبصل والفلفل البارد.

كما أن من أجمل ما يمتاز به الشهر الفضيل في رمضان، هو حرص العوائل على التجمع وقت الإفطار في محاولة لخلق بهجة خاصة واحتفالية بالشهر الكريم، وهنالك طقوس جميلة أخرى تقام في وقت ما بعد الإفطار، بينها إقامة بعض الشعائر الدينية التي تختلف من منطقة إلى أخرى مثل صلاة التراويح.

وهناك ألعاب خاصة بالصغار والكبار لا تمارس إلا في شهر رمضان، فتحلو للأطفال ممارسة لعبة “الماجينة” حيث يتجمع الأطفال ويدورون على أبواب المنطقة السكنية التي يعيشون بها، ويقفون عند كل باب مرددين الأغنية الطفولية الشهيرة “ماجينه يا ماجينه..حلّي الكيس وانطينه”، فيخرج لهم أحد سكان البيت ويقدمون لهم الحلويات أو الطعام او يمنحونهم مبلغا من المال يشترون به الحلويات أو العصائر، إضافة إلى “القرقيعان” وهي احتفالية النصف من رمضان الشائعة في سائر دول الخليج العربي، ويخرج فيها الأطفال الى الشوارع بعد الفطور في ليلة النصف من رمضان لطرق أبواب البيوت بالأغاني والأناشيد وتسلم هداياهم من الحلوى والمكسرات أو المبالغ المالية.

أما الكبار فيختصون بلعبتهم الشهيرة “المحيبس” وهي لعبة تتكون من فريقين يختلفان بمحلات السكن، ويجلسون قبالة بعضهم البعض وبعد الاتفاق على من هو البادئ، يقوم احد لاعبي الفريق بإخفاء محبس (خاتم) في كف أحد اللاعبين من دون علم الجميع، وعلى الفريق الآخر تخمين مكان الخاتم المخفي في عشرات الكفوف، ويكون الفريق الفائز هو الذي أحرز اكبر عدد من النقاط، وعند نهاية اللعبة يأكل الفريقان صواني من الزلابية والبقلاوة، وهذه اللعبة يمارسها جميع العراقيين وتقام لأجلها بطولات حاشدة وجوائز كثيرة خلال الشهر الفضيل.

وتشتهر البصرة ومدن العراق الأخرى بالبهارات والتوابل حيث امتهنت في سوق البهارات الذي مازال قائما في البصرة منذ عشرينات القرن الماضي، حيث يستورد العطارون العراقيون المواد الأولية الداخلة في البهارات من الهند وباكستان والصين وغواتيمالا ودول شرق آسيا وغيرها، وهم الذين امتهنوا تجارة وصناعة المهنة بالوراثة أبا عن جد، وهذه التوابل لا تستغني عنها أية أكلة بصرية مهما كانت بسيطة، وخصوصا في شهر رمضان الكريم.

ولكل أكلة نوع خاص من البهارات ذات الخلطة واللون والمقادير الخاصة للاستعمال، فهي تستخدم في أكلات البرياني والمرق والكص والهمبركر والدولمة والباجة والزبيدي والقوزي والنواشف بمختلف انواعها، خاصة وأن البهارات تساعد على الهضم وتحسن الدورة الدموية كما تحمي من حمى التيفوئيد وهي شراب مسهل للهضم.

أما أكلة “المسكوف” أو السمك المسكوف فهي أكلة عراقية مشهورة، والمقصود بالسمك المسكوف هو شوي السمك على الطريقة العراقية في العاصمة بغداد وتحديدا في شارع “أبو نواس” الذي يقع على امتداد نهر دجلة بين “جسر الجمهورية” ومنطقة “الجادرية”، حيث تشتهر المطاعم الموجودة هناك بتقديم وجبة السمك المسكوف، الأكلة العراقية العريقة، حيث يجلب السمك الحي أو المصطاد حديثا وطازجا من النهر، ويشق من جهة الظهر على طول السمكة لغاية رأسها، فتفتح ثم تُخرج أحشاؤها وينظف داخلها بالماء والملح وأحيانا تضاف إليها صلصة الخل والبصل والطماطم حسب الرغبة، ويشق في جلد السمكة فتحتان أو ثلاثة لمكان تعليق الأوتاد.

ويقدم السمك المسكوف مع أنواع السلطات المختلفة والآجار (المنجة الهندية الحارة أو العمبة باللهجة العراقية) والطرشي المخلل والبصل الأخضر الطازج أو مع مجموعة من الخضروات المتنوعة، إلى جانب خبز التنور الحار الذي يعد أساسيا في هذه الوجبة التي تؤكل باليد من دون شوكة وسكين، ثم يتبعها كأس شاي صغيرة تعرف باسم “الاستكانة” في اللهجة العراقية، حيث يمزج الشاي مع حب الهيل لمزيد من الانتعاش وتطييب الفم بعد تناول السمك.

مقالات ذات صله