شارع الكفاح.. معالم بدّلتها عجلات الزمن

بغداد – متابعة
سارت سلوى في شارع الكفاح وكأنها تسير بغير ساقين. كانت تطير على بساط الريح، وأخذت تتطلع بكل الوجوه التي تمر بها علها تجد من يذكرها ببيت والد جدها الذي زارته وهي طفلة في مرحلة الروضة، وقفت امام زقاق ضيق تتقارب بيوته من بعضها وهي آيلة للسقوط، ارادت ان تسأل المارة عن بيت (المختار) في تلك المنطقة ولكن ذلك المختار، كان قد توفي قبل 150 عاما فمن الذي يعرفه ويتذكره، سألت شيخا طاعنا في السن كان يجلس عند مدخل الزقاق عن بيت كبير بشناشيل وفيه بئر ماؤها عذب وصاف كانت تسقي اهل المنطقة قبل انشاء اسالة ماء بغداد، نظر اليها الرجل وقال لا اعلم.. بعدها تأكدت سلوى انها تبحث عن ابرة في قش.. وان معالم الشارع قد تبدلت كثيرا.
جامع الفضل
سارت الى جانبي سلوى وهي تنظر الى معالم شارع الكفاح”شارع غازي سابقا” الذي زارته وهي صغيرة وتقول انه كان اكثر تنظيما وجمالا ويقف في ساحاته شرطي المرور الذي كان انيقا ووسيما او هكذا وجدته عندما كانت في طفولتها، وعندما وصلنا الى جامع الفضل وجدنا فرق الصيانة والتعمير تقوم بإعادة بناء ساحة الجامع والتقينا قارئ الجامع ومؤذنه الشيخ فؤاد علي وهو من مواليد العام 1930 لكنه يتمتع بذاكرة فولاذية. اردنا الدخول الى ساحة الجامع الا ان شرطي الحراسة والمهندس المقيم منعانا من الدخول، وجلسنا مع الشيخ فؤاد في مقهى قريب من الجامع، حيث تحدث الينا الشيخ قائلا: “افتتح هذا الشارع عام 1937 من قبل الملك غازي لذلك سمي بشارع غازي وتبدل اسمه الى شارع الكفاح في العهد الجمهوري، وعند افتتاحه كنت ضمن الواقفين في الشارع وعمري 7 سنوات وكان مع الملك امين العاصمة آنذاك ارشد العمري”، وعن شخصية الشيخ الفضل الذي نسب اليه الجامع يشير الشيخ فؤاد الى ان الفضل شيخ جليل وعالم دين وصاحب مدرسة اسمه محمد بن رشيد وهو من القيسية، ولد في قرية اسفران جنوب مكة ودرس علوم الفقه والشريعة وصار عالم دين وفقيها، وكانت له مدرسة خاصة به تسمى بالمدرسة التاجية نسبة الى والي بغداد آنذاك تاج الدين وتوفي الشيخ الجليل الفضل العام 1200 هجرية ودفن الى جانب مدرسته وفي عام 1209 هجرية تم بناء هذا الجامع وسمي بالفضل، نسبة الى الشيخ محمد الفضل وتم افتتاح هذا الجامع العام (1211) هجرية.
جولة في الكفاح
ونسير في شارع الكفاح ونجده مهملا تتكاثر فيه النفايات وتشغل ارصفته بضائع المحال كما تقف على الارصفة سيارات الـ”بيك آب” وهي تنزل حمولتها من البضائع وتكثر المرائب وعربات اليد الخشبية، من جهة باب المعظم كان دخولنا الى الشارع، واجهنا حماما للنساء وآخر ملاصق له للرجال، دخلنا حمام النساء وسألنا عن ام علي صاحبة الحمام التي أشارت الى انه يزدحم في فصل الشتاء لبرودة الجو وان اغلبهن يأتين من المحافظات، ثم ذهبت تستأذن صاحب الحمام لإكمال حديثها معنا، لأنه منع حديثها وطلب منا الخروج من الحمام ذاكرا ان “الصحافة لا تنقل الا الامور السلبية وان احدى الصحف كتبت عن الحمام بأنه مملوء بـ(الصراصير) وهذا محض افتراء لذا اقسم ألا اتحدث مع الصحافة”.
فرق الموسيقى الشعبية
من الملاحظ كثرة وجود محال الفرق الموسيقة الشعبية، ودخلنا احدها وهو مكتب حسن وكريم للموسيقى الشعبية واللذين قالا بصوت واحد ان هذا المكتب انشئ منذ 50 عاما ولا يزال يشهد الاقبال لشهرته الواسعة، وخاصة حفلات الاعراس وانهم يقيمون الافراح حسب طلب صاحب المناسبة في نادي الصيد واحيانا في نادي العلوية، وعن الاجور يقولان انها الآن جيدة في حين انها كانت شحيحة في السابق وان في الفرقة ثلاثة من المغنين الذين يعزفون على الآلات الموسيقية القديمة منها الزرنة والطبل وآلة الترابيت ولديهم كذلك مغنون وعازفون على وفق المناسبة مثل افراح الحج والختان وكل المناسبات المفرحة، كما انهم يغنون في اماكن الدرجة الاولى غناء المربع الذي اشتهرت به هذه المنطقة الى جانب الاغاني البغدادية والمقام الاصيل.
حرف مندثرة
نقف امام ورشة صغيرة للنجارة فيها بعض التختات الخشبية مع ادوات حدادة بسيطة. يحدثنا صاحب الورشة النجار شاكر مهدي فرج قائلا : “منذ 45 عاما وانا اعمل نجارا، الا ان هذه الحرفة التي تعتمد على شطارة صاحبها قد تلاشت الآن بعد غزو البلاستيك الذي يعد اخف وزنا من الخشب لكنه ليس اكثر متانة منه، فهو سهل الكسر”، وعن اهم الاحداث التي شهدها هذا الشارع يشير فرج انها احداث العام 1963 في زمن الحرس القومي والمواجهات بين اهالي الشارع ورجال حزب البعث.

المقهى البغدادي
المقهى مكون من بضع مصاطب يجلس عليها بتكاسل بعض الشباب يشربون الشاي والحامض. يقول العامل كريم نعمان الذي كان منهمكا بصب الشاي: “انا اعمل في المقهى منذ اكثر من 10 سنوات، وان رواد المقهى من جميع الاعمار والشرائح الاجتماعية، ويظل المقهى مفتوحا الى ساعة متاخرة من الليل”، ويتحدث الينا حكمت عزيز علي وهو احد الجالسين في المقهى وعمله رسام ويهوى رسم المناظر الطبيعية، ويؤكد حكمت ان العقوبات الاقتصادية “الحصار” الذي فرض على العراق في حقبة التسعينيات من القرن الماضي قد ألحق الاذى بسكان هذا الشارع.

مطعم فالح
وعلى الرصيف يقف فالح ابو الجري صاحب المطعم وهو يقلي قطع السمك نوع (الجري) في (طشت) كبير فيه زيت مغلي. يشير فالح انه منذ 30 عاما يقوم بهذه المهنة وان المطعم يشهد في يوم الجمعة اقبالا كبيرا، والعوائل البغدادية تأخذ السمك الجري والمسحب (سفري) وان لديه عمالا يقومون بتلبية طلبات الزبائن، سواء داخل المطعم ام خارجه على الرصيف، ويتذكر فالح ان شخصيات مهمة قد مرت من هذا الشارع، منهم الزعيم عبد الكريم قاسم وانه قد شهد مقتل رئيس الوزراء نوري السعيد وكيف تعامل معه البعض حتى وهو ميت بوحشية، ونصل الى صيدلية (المداواة) ويروي الصيدلي محمد علي كريم الذي يعمل في الصيدلية بالقول:
أسست هذه الصيدلية العام 1980 ونبيع كل انواع الادوية ومواد التجميل، كما لدينا ادوية الامراض المزمنة مستوردة من شركات عالمية رصينة ، وان الصيدلية تلبي حاجات الزبائن ليلا ونهارا .
خياطة زهير
في ورشة لخياطة الملابس الرجالية، التقينا صاحب الورشة زهير الذي كان منهمكا في خياطة قميص رجالي وقال انه يخيط الدشداشة والقميص والسروال (البنطلون) الرجالي وان سعر خياطة القميص 10 آلاف دينار، وهو تعلم مهنة الخياطة في بلجيكا ودخل دورة للتصمصم والخياطة هناك واكتسب مهارة جيدة، إلا انه رجع الى بغداد لأنه لم يحتمل البرد القارس في بلجيكا، وأكد زهير ان اغلب الشباب يفضل المستورد الرخيص حتى وان كان رديئا، فالناس تبحث عن الرخيص دوما، وطالب بالحد من الاستيراد العشوائي وسياسة الاستيراد المفتوح، حفاظا على المنتج المحلي، فقد تلاشت ورش الخياطة الصغيرة منها والكبيرة بعشوائية الاستيراد ما ادى الى تعطيل الانتاج المحلي وزيادة البطالة، وعن المكسب الذي يحققه قال زهير انه لا يسد ايجار المحل ما جعله يبيع سيارته واثاثه ويطالب الحكومة بدراسة حال الاقتصاد العراقي، بما فيه الانتاج المحلي الذي يزاحمه المستورد الرخيص.
روضة السلام
في زقاق ضيق (دربونة) نجد لافتة تشير الى وجود روضة باسم السلام وبينت مديرة الروضة كريمة محمد: “تم بناء هذه الروضة العام 2009 وهي تابعة الى منظمة (نحن نرعى الطفولة) وهي من منظمات المجتمع المدني ويتم قبول الاطفال فيها بعمر 4-5 سنوات وبأجور رمزية مقدارها 25 الف دينار شهريا، اما الطفل اليتيم فله خصم محدد ولدينا 4 معلمات، وعدد الاطفال الآن 30 طفلا، ونقوم بتدريس المناهج الاعتيادية المقررة لهذه المرحلة، كما يتم قبول الاطفال من داخل المنطقة وخارجها ولدينا وسائل ايضاح عديدة، كما لدينا شاشة عرض سينمائية نعرض من خلالها للصغار الافلام التعليمية ويبدأ الدوام من الساعة 8-2 ظهرا.
ساحة السباع
انشئت هذه الساحة عند تصميم الشارع وكانت حديقة غنّاء تحيطها تماثيل لأسود تخرج من فمها نافورات الماء وتحيطها المطاعم الصغيرة، الا ان نجم هذه الحديقة افل وتلاشى وصارت ساحة تحيطها ورش المواد الانشائية الصغيرة والمتخصصة بالبواري والشيش وماطورات الماء، نسير في شوارع مكتظة بالسيارات وعربات الخشب اليدوية، ونرى اكوام النفايات ومخلفات الورش وبقايا المبردات الهوائية القديمة، ونصل الى ساحة زبيدة التي كانت من اهم معالمها سينما زبيدة ذات الطراز المعماري القديم، نبحث عن مبنى السينما فلم نجد لها اثرا، فقد تحولت الى مخزن لشركة أهلية، وتزداد الفوضى اتساعا كلما تقدمنا الى نهاية الشارع، فنجد ورش تصليح العجلات الهوائية (البايسكل) والماطورات، حتى نصل الى محلة المهدية وفيها سابقا بيت الزعيم عبد الكريم قاسم وبيت ابن خالته محمد فاضل المهداوي رئيس محكمة الشعب، وأهم محلات شارع الكفاح هي فضوة عرب ومحلة سراج الدين .

مقالات ذات صله