(سوك مارو) وجه سومري جنوبي .. سوق الشيوخ مدينة تتنفس الماضي بروح الحاضر

الناصرية – متابعة

على وقع الشعر تصحو وعلى إيقاع الدعة والطيبة تنام، ففي جبهتها كتب السومريون ملحمة عشق الإنسان لمدينته حتى إذا ما أردت أن تتجول في أزقتها المنحنية على أهلها يقيدك الشوق المغمس بالجمر لتلك الأبنية العتيقة التي تتنفس الماضي بروح حاضرها.

سوق الحكيم

الأستاذ المؤرخ ماجد السفاح تحدث عن تاريخ وأصل تسمية المنطقة قائلا: ان سوق الشيوخ كانت تسمى في عهد السومريين اسمها بـ (سوك مارو) ويعني بسوق الحكيم، وبنيت المدينة فوق تلة مرتفعة عن الأرض ضمن حدود محافظة ذي قار جنوب العراق وتبعد عن مركز الناصرية بحوالي 35 كيلو مترا، وقد كانت عاصمة إمارة المنتفق لأكثر من مائة عام.

وأوضح السفاح ان الإمارة التي أسسها الأمير ثويني ابن عبد الله وهو من أمراء المنتفق عام 1761م كانت تضم معظم قبائل العراق؛ جنوب ووسط العراق حضرا وبادية ومن جميع الطوائف والأقليات، ما منحها التنوع الإنساني الرفيع المتميز, ومع اتساع المدينة ورقعتها الجغرافية والاقتصادية بدأت تتوافد عليها جموع من التجار والحرفيين وقسمت على هذا الأساس محلاتها السكنية وعلى غير المألوف في مدن العراق الأخرى، فنجد مثلا محلة (البحارنة) نسبة للقادمين من البحرين ومحلة (البغادة) للقادمين من بغداد ومحلة (الحويزة) للذين هاجروا من منطقة الحويزة في إيران ومحلة (الحضر) وسكانها الذين جاؤوا من مدن العراق المختلفة، إضافة الى محلة (الصبة) الصابئة المندائيين والذين جاؤوا من محافظة العمارة ليعملوا كحرفين بالنجارة والحدادة وصناعة الحلي على وجه الخصوص, أما أول قائممقام لقضاء سوق الشيوخ عين في الدولة العراقية الحديثة العام 1921 فكان السيد صالح الحجاج.

طيف متنوع
وعن ابرز ملامح القضاء الثقافية خلال الخمسينيات قال الأستاذ الكاتب والباحث إسماعيل عبد المجيد القطان: من خلال معايشتي وسكناي في مدينتي لتلك الحقبة الزمنية والتي أعتبرها جذوة المدينة والتي جعلت من وشائج الترابط بين مكوناتها المتنوعة علامة بارزة ومهمة مازالت تفاخر بها, ففي سوقها القديم تنتشر الخانات، فهناك خان العجم حيث يزوره الإيرانيون, وفي الطريق المؤدية لدار (العرفج) في محلة النجادة نجد الكنيست اليهودي ومساجد المسلمين ومندي الصابئة، وهذا دليل على عمق الروابط الإنسانية الحقة في هذه المدينة, إضافة لهذا التلاقح الجميل بين مكوناتها إذ نجد انعكاساته على الواقع الثقافي بشكل عميق، حيث كانت ديوانية آل حيدر وهم عائلة علمية ودينية وثقافية ملتقى لأبرز الوجوه الثقافية والاجتماعية والسياسية في المدينة وهناك ديوانية آل حمدي وديوانية السنيد وديوانية العلوان والدبوس وديوانيات أخرى عديدة لبيوتات من أهالي مدينة سوق الشيوخ والتي كانت بمثابة المنتديات الثقافية التي يتداول فيها الشأن الثقافي بشكل خاص، والاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل عام.

ونوه القطان الى أن هذه الديوانيات كانت ملتقى وجهاء العشائر وشيوخها لحل النزاعات بحكمة ورقي والتي لا تخلو من الدروس والعبر.وتابع: أن من أبرز الوجوه الثقافية الدكتور والعلامة السيد مصطفى جمال الدين ورقيب الحاج أحمد والشاعر حمدي الحمدي وسالم حسون السالم وجعفر الخياط وحميد السنيد الذين يمثلون المقدمة من رعيل الشعراء والمعروفين على مستوى العراق والوطن العربي، مشيرا الى ان سوق الشيوخ تعد مدينة شعر الأبوذية المعروف على نطاق الوطن العربي، ومن أشهر شعرائها أبو معيشي الذي امتاز بالحس الفطري وأذهل زمانه بعفويته وبديهيته في نظم الأبوذية.

وجه سومري

من جانبه قال الأستاذ حسن الشنون: حينما نتعرف على مدينة سوق الشيوخ وتأريخها الضارب في عمق أرضها نعلم أن لها ألف صوت وألف وجه سومري يعانق الحياة؛ فأزقتها وأسواقها هي حكايات تروي ثقافة إنسان وتعاملات حياتية مفعمة بالصدق والصور تنوعت بين التراجيديا الحياتية لإنسانها والكوميديا السوداء لكنها تبقى ترجمة ملحمية أبدية لأنموذج إنسان يعايش أيامه بحلوها ومرها كي يكون متصدرا, ومدينتي المترامية الجدائل يسكنها الفن بتنوعاته ويعطي الباحث في خباياها أجمل صور الفنون على اختلاف مشاربها ومتذوقيها

مقالات ذات صله