سوق الصفافير .. نحاسٌ يعكسُ بهاء الماضي

إعداد ـ الجورنال

مجموعة من الأزقة الضيقة الواقعة في منطقة الميدان تُعرف بـ”سوق الصفافير”وهذه المنطقة بحد ذاتها منطقة تراثية، ولقد وضعت دائرة التراث العراقية يدها على كل منشآتها البنائية تنفيذا لقانون وضعته الحكومة يقضي باعتبار أي بناء مضى عليه أكثر من مائة عام أثرًا تراثيًّا لا يجوز التصرف به، ويجب المحافظة على نكهته القديمة، ولهذا فقد وضعت دائرة التراث يدها على مناطق مهمة في بغداد، في مقدمتها منطقة الميدان التي تقع فيها سوق الصفافير وسوق الورَّاقين التي تسمى بشارع المتنبي.

ثمة أشياء عدة كان لازماً على زائر العراق أن يفعلها أيام كانت البلاد مركزاً للسياحة يتهافت عليها العرب والأجانب لزيارة المتاحف والأسواق القديمة كانت في المقدمة المتحف البغدادي الذي يعرض تماثيل من الشمع، والمتحف العراقي بمحتوياته النادرة، وفي ما يخص الأسواق فإن سوق الصفافير كان المعلم السياحي الأبرز الذي يقصده الزوار لاقتناء بعض مما يباع فيه، بالإضافة الى سوقي الشورجة والكاظمية وهما من أسواق بغداد القديمة وترجع تسمية الصفافير الى مادة النحاس الصفر الذي تصنع منه الأواني المنزلية وأباريق الشاي والكاسات والملاعق وإطارات الصور والفوانيس والقدور ومقتنيات آثارية تحاكي آثار العراق، فضلاً عن مقتنيات العروس البغدادية في خمسينات القرن الماضي من صناديق خشبية مرصعة بالنحاس كان يوضع فيها جهاز العروس وحلي الطفل وحاجياته وغيرها .

ويعتبر النحاس المادة الأساسية للصناعات التي يشتهر بها السوق، ويسمى أصحاب المهنة الصفارون ويقسم عملهم بحسب مراحل الإنتاج فمنهم من يضرب على النحاس نحتاً باستخدام المطرقة والمسمار، وأكثرهم من صغار السن بينما يختص الآخرون بتصميم الزخارف التي ستُنحت على صفائح النحاس، في حين يعكف غيرهم على صقل المنتج بعد زخرفته وتلميعه أو يلوّن بعض أجزاء الصفائح المطروقة لتضفي لمسات فنية أكثر جمالية على الأواني، وبعضهم يرصعها بالأحجار شبه الكريمة أو يطليها بالمينا.

ويعتبر سوق الصفافير معلماً سياحياً لقدمه ومكانته في تاريخ بغداد وفي الوقت الذي تخلى العراقيون عن اقتناء الأواني النحاسية وتوجهوا لشراء الزجاجيات، فان الصفارين لم يتخلوا عن مهنتهم في وقت أصبح امتلاك النحاسيات ضرباً من اقتناء التراثيات والتحف التي تمثل جانباً من المصنوعات الشعبية العراقية.

ويتفاخر الصفارون بسوقهم الذي يرونه أهم أسواق بغداد ولا مثيل له في مختلف أنحاء العالم ويؤكد عدد منهم أن المهنة لم تسلم من الغش، فغياب الرقابة في هذه الظروف أدى الى تراجع جودة النحاس المستعمل، وكذلك يُسجل عدم إتقان العمل من قبل بعض الحرفيين بعدما كان عملهم مشهوراً بالفن والذوق الرفيع.

وإذا كانت الأسواق الأخرى تشهد في كل فترة ظهور باعة جدد لا تحتاج منهم إلى كثير من الدقة والصبر والذوق، فإن من مميزات سوق الصفافير وجود الحرفيين الذين ورثوا المهنة أبًا عن جد، وتوارثوا أيضًا البراعة في الطرق على النحاس والقدرة على الخيال والابتكار، فهاتان يدان ترتجفان وهما تطرقان على النحاس تجدان متعة كبيرة في هذه العملية التي قد تبدو شاقة للآخرين، لكن هذا الشيخ الطاعن في السن لن يتخلى عنها، لأنها تأخذه من متاعب الحياة إلى متعة العمل والإبداع، فقد أبدعت يدا هذا الرجل الآلاف من الأعمال النحاسية التي انتشرت في أغلب البيوت البغدادية وحملها السواح إلى بلدانهم كأثمن شيء يحصلون عليه من زيارتهم لبغداد، لايمتلك هذا المكان سجلاً للزيارات والاحداث التي تحفظ له تاريخه من النسيان، ولكنه يمتلك ذاكرة قوية تؤهله لسرد الوقائع بالدقة والتفصيل، كما لو أنها مدونة في كتاب مفتوح.

الأصل التاريخي
على مدار مائتي عام في بغداد كانت أعداد لا حصر لها من الآباء والأبناء يصوغون معدن النحاس في شكل أواني وأطباق ومصابيح في هذا الشارع الضيق المخصص للمشاة،ويعتبر هذا السوق واحد من دروب محلة بغدادية في عصر الدولة العباسية تسمى محلة سوق الثلاثاء، وهذه المحلة كانت قريبة من دار الخلافة العباسية، وتحيط بدار الخلافة معاهد ومدارس إسلامية مما يستبعد إن يكون أهل هذه المهنة قد شغلوه في ذلك العصر، بما يعرف عنهم من ضجيج ناتج عن الطرق على معدن النحاس وغير ذلك، ويعرف السوق على الأرجح بسوق مسعود أو درب المسعودة، كما وصفهُ المؤرخ إبن عبد الحق بأنه درب نافذ إلى مقر المدرسة النظامية، والتي كانت تقع إلى جنوبهِ وتتصل بهِ دروب وطرق غير نافذة، وهذا الوصف ينطبق على هيئة سوق الصفافير وكذلك ينطبق الوصف على موقعهِ من سوق الثلاثاء، ومن موقع المدرسة النظامية، التي هي من المعالم الأثرية التي أندثرت ولم يعرف موقعها وأندرست رسومها ومن آثارها منارة المئذنة المقطوعة في محلة تحت التكية التي هدمت في الخمسينات من القرن الماضي، ولا يعرف على وجه التحديد متى شغل الصفارون هذا السوق وأتخذوا منهُ مكاناً لمهنتهم، ولكن أول وثيقة وقفية تأريخية أشارت إلى وجودهم فيهِ كانت سنة 1098 هـ/1687م، وفي وقفية أخرى متأخرة عرف عنه اسم سوق الصفافير سنة 1159هـ/1746م، حيث ذكر أسمهُ بالتحديد منذ ذلك التاريخ وبقي يعرف بهِ حتى وقتنا الحالي.
ويحتوي سوق الصفافير على مسجد أثري قديم، يسمى مسجد الصفارين، وهو من مساجد بغداد التراثية، وتبلغ مساحتهُ 250م2 تقريباً، ويحتوي على حرم مصلى صغير يتسع لأكثر من 40 مصل، ولقد بني هذا المسجد من قبل أحد المحسنين في زمن الدولة العثمانية وتحديداً في منتصف القرن الثامن عشر.

مقالات ذات صله