زواج الأقارب … قصص مأساوية  ابطالها ابناء يدفعون الثمن

بغداد_ متابعة

كانت زوجتي مذعورة لان الجنين توقف عن الحركة، تذرعت بالصبر وتظاهرت بالشجاعة حتى الموعد الذي تقول به الطبيبة هل مازال الطفل حيا في جوف الرحم ام لا..؟

ذلك المساء لصقت اذني في باب الغرفة كنت استمع لضجيج مكبرة الصوت وهي تنتقل من مكان لأخر وكانت جوارحي هائمة بين الأصوات، بقيت واثبا عند باب صالة العمليات كنت اسمعهم يلغطون بأصوات مبهمة لم أستطع أن أفسر مغزاها، جاءت إحدى الممرضات لتبلغني إن الوقوف هنا ممنوع، تراجعت مخذولا ثم عدت لاقف عند الباب مثل لص مبتدأ حتى جاء أخيرا نبض القلب، عدت واعيا من جديد لان نبض طفلي الذي ما برح خلف جدران الرحم قد اعاد النبض لقلبي.

هرعت مسرعا نحو الطبيبة لأسألها هل الجنين بحالة جيدة فقالت انظر له انه سليم البنية صحيح الجسم، أطرقت برأسي واخبرتها بأني كفيف قد ولدت وانا مصاب بتلف الشبكة البصرية، أدركت مغزى سؤالي ان كان ولدي سيكون مصاب بنفس المرض، فأجابتني بأنها لا تستطيع تشخيص حالته الان فمازال صغيرا، وربتت على كتفي لتهدأ من قلقي بأنه سيكون بخير.

انها بداية حكاية ابو ليث الذي تحدث لنا وهو في الـ 58 من عمره استرسل بحديثه قائلا: ان الله يهب نعمة كبيرة للإنسان وهي الصحة التي لا يدركها الا حينما يفقدها، علمت فيما بعد ان الطفل يولد اعمى، وبعد ثلاثة ايام يبدأ بالانتباه للاشياء، مثل الالوان، ويتبع صوت امه حتى يحفظ تقاطيع وجهها، الا انا فقد رأيتها بصوتها لأني ولدت ضريرا، وعشت ضريرا، لم أحس بعجزي لان الله وهبني قوة الارادة، تغلبت على عجزي وواصلت حياتي حتى تزوجت.

كانت الصدمة اكبر مما يحمله قلبي وخصوصا ان زوجتي كانت تبصر، ولد ابني البكر ليث ضريرا بعدما كنت اتذرع في ذلك المساء الى الله ان يكون مبصرا، الا ان قدره ان يكون مثلي، هون عليّ بعض الاصدقاء والاقارب ان لا اجعل اليأس يعتريني فرزقت بـ غيث وكان املي هو ان اسمعه يعدوا كباقي الاطفال في البيت ويبصر امه كما كنت اتمنى لكن آمالي ذهبت سدى حتى رزقت بـ يوسف وهو الاخر يحمل نفس مرضي بتلف الشبكة البصرية فلا يوجد امل بان يبصرون وما يؤلمني هو شعوري بالذنب لان ولدتهم لهذه الدنيا وهم معاقين وما يزيد وجعي حال امهم المسكينة بعد ان كانت ترعاني لوحدي اصبحت ترعى اربعة اشخاص عاجزين، لربما هي ارادة الله لكني ضد اي زواج للأقرباء او المعاقين فحتما سيكون هناك ضحية لهكذا زيجة.

امراض مستعصية

رحلت تقوى ورحل معها كل شيء، غادرت دون ان تودعني ما زلت اشم عبقها بين حاجياها وثيابها، هذا ما استهلت به ام تقوى حديثها ثم تابعت قائلة: لم تكن طيبة اول اطفالي تزوجت من عشرين سنة من ابن عمي ولدت أكثر من طفل لكنهم مصابين بمرض (الهيموفيليا) وهو مرض تخثر الدم الذي كانت تحمل جيناته امي وهو الذي قضى على كل اطفالي الصبيان وحينما رزقت بـ تقوى سعدت كثيرا لأني لم ارَ عليها اية اعراض جانبية حتى باتت لنا كل شيء انا وزوجي، حتى بلغت تقوى الثامنة من عمرها.

واضافت: في ذلك الصباح اتصلت بي ادارة المدرسة لتبلغني ان تقوى في المشفى هرعت كالمجنونة وجدتها في غيبوبة تامة بعدما سقطت من سور المدرسة وأصيبت بنزف الدم الذي لم يتوقف للحظة رغم ان اصابتها كانت جرح طفيف لكن مرضها حال دون توقف النزف انقضت شهور وكانت تقوى تصارع الموت حتى فارقت الحياة وراح معها كل شيء جميل.

عدت الى بيت اهلي، لم اطيق المكوث في بيتي خصوصا بعدما نفذ زوجي قوله ان لم تعد تقوى تعدوا في البيت سأحرقه ولن ندخله من بعدها اطلاقا، احترق البيت واحترقت معه اول ضحكات تقوى من ثغر باسم بدون اسنان واحترقت حتى خطواتها وكلماتها الاولى، تركتنا ونحن كنا نحيا لاجلها، فيما مضى كنت ضد اي زواج خارجي ومن المؤيدين لزواج الاقارب اما الان أدركت خطورة الاضرار الناجمة بالأمراض الوراثية التي تهدد حياة الاطفال والاحفاد والتي لا ندركها الا بعد فوات الاوان.

الحاج ابو عمار 77 سنة يعمل كاسب/ تزوجت من قريبتي وكان لها اخت مريضة بمرض نفسي، لم أدرك في ذلك الوقت مدى الخطر الناجم الذي سيلحقه بنا بهذه الزيجة لان امي كانت مريضة بنفس المرض فلم اتصور ان المرض النفسي هو من الامراض المتوارثة، كبر ابني الاوسط.

واضاف: لقد ابتدأ الامر بعدم طاعتي وتغيبه عن المدرسة حتى تم فصله، لن اتحدث عما قاسيته في توجيهه بعدما آلت اليه تصرفاته وهو في سن المراهقة، حيث كون صداقات مع الكثير من الشباب الذين انساق خلفهم وانخرط بسلوكياته حتى أصبح يسرق من البيت ما خف حمله لينفقه على السكائر وغيرها.

وتابع حديثه بندم ملحوظ :كنت ابرحه ضربا وحاولت جاهدا بان احتويه لعلي انقذه من طريق الضياع، حتى الخدمة العسكرية كانت الزامية آنذاك، لكنه لم يلتزم بها و تخلف عنها، واصبح هاربا تطارده الجهات المعنية، بات الكلام لا ينفع معه ولا حتى المقربون له، فكلما كبر، كبر معه العصيان والطغيان، لجأت للعنف معه بضربه من جديد وطرده من المنزل، حتى اصبح الشارع مأواه تفاقمت مشاكله وتطاولت سرقاته لم اكف عن ضربه لكن دون جدوى، قيدته في البيت حتى اسلمه للخدمة الالزامية لربما يتغير لكن امه رفضت وقالت انه مريض جدا، لا انكر قسوتي عليه لكن عجزي عن ايقاف تمرده هو من قادني لهذا الطريق.

ختم حديثه قائلا: خسرت ابني لأنه بعد تلك الوعكة أصبح لا يدرك ما حوله أصبح (مجنونا) ولا أدري ان كان ما مر به جعله ينتكس ويصل الى هذه الحالة، ام لان عائلتي وعائلة زوجتي لديهما مصابين من نفس المرض، لهذا كانت الجينات الوراثية مستعدة لتفاقم المرض بشكل مباغت وسريع.

انقضت عشرون عاما وهو كما هو لم يشفيه لا طبيب ولا حتى الذين يدعون شفاء هذه الامراض، ختم حديثه انا ضد اي زواج اقارب اذا كان فيه امراض مماثله خصوصا ان كانت العائلتان لديهما مريض في نفس المرض فان لم يكن في الطفل يمكن ان تتوارث الجينات للأحفاد.

استشارة طبية

لقد كان وما يزال يعيش مجتمعنا في إطار حملة متزايدة في قوتها وعنفوانها بانتشار ما يسمى الزواج الداخلي فيها، وهو التزاوج الذي يتراوح بين زواج الاقارب المباشرين من الدرجة الاولى او بين افراد العشيرة الذين تربطهم صلات رابطة الدم وهناك تزمت في بعض العشائر من تقاليد واعراف لهكذا زيجات متناسين خطورة هذا الزواج مما يسببه من امراض متوارثه في المستقبل لربما تمتد للأحفاد.

فما زال زواج الاقارب مفضلا لدى بعض الاسر العراقية سواء كانت دوافعه اجتماعية او مالية، ولان زواج الاقارب يجلب الضرر على النسل الناتج عنه خصوصا ان كانت هناك امراض منتشية فيما بينهم، فان حياتنا الحاضرة تغص بالشواهد والامثلة التي تؤيد هذا الاعتقاد ورغم ان الرأي العام راح يدرك الاذى الناجم عن هذا الزواج الا اننا مازلنا نشاهد هكذا زيجة ومع الاسف بتزايد مستمر رغم المعاناة والخسارة الصحية والمعنوية التي تتسبب بهذا الارتباط خصوصا ان كانت فصيلة الدم غير متشابهة متناسين ان صحة الطفل بالمستقبل اكبر من ان يعوض عنها اي مكسب اجتماعي او مادي اخر.

وحول زواج الاقارب ونعكاساته الصحية حدثنا الدكتور موسى محسن علي العلاك استاذ في جامعة كربلاء كلية الطب فقال موضحا: “ان المجتمعات تختلف في نظرها الى زواج الاقارب بين مؤيد ومخالف بينما تحرمه اغلب المجتمعات الغربية وتفضله المجتمعات الشرقية وهو امر شائع في مجتمعنا ومنتشر في مناطق كثيرة خاصة الدول الاسلامية.

وتعد الامراض الوراثية هي الامراض الصبغية التي يكون العامل المرضي فيها خللا على مستوى الصبغات سواء كان الخلل بعدد الصبغات او بنيتها يمكن لبعض هذه الامراض الانتقال من جيل الى اخر بما يسمى قانون (مندل) وهو انتقال الصفات الوراثية ولكن غالبيتها تصيب الفرد اثناء الحياة الجنينية وتنقسم الامراض الوراثية الى ثلاثة اقسام الامراض الجينية والامراض الكروموسومين والامراض المركبة.

ويعد زواج الاقارب للذين يحملون مسحات وراثية هو السبب الاول لانتقال الجينات، وهناك تشوهات خلقية تنجم عن هكذا زيجة مثل نقص الاطراف والعمى الغير المكشوف وامراض الدم واولها (الهيموفيليا) وهناك اكثر من عشرين مرضا مشتركا بعامل الوراثة لا يسعني ذكرها الا ان التفادي للأمراض الوراثية يبدأ اولها بالفحص الطبي واجراء اللازم حيال عدم تطابق زمرات الدم من ثم اخذ الحيطة بعدم كثرة الانجاب كل هذه عوامل تؤدي الى الامراض الوراثية اذ تم تجاهلها، واكد العلاك بأننا مسؤولون عن الاجيال القادمة بسبب عدم الالتزام بالوقاية، مبينا ان سوء التغذية غير الصحي هو ايضا يعد سببا للأمراض الوراثية واكد ان مرض الضعف العقلي يعد مسحة وراثية ينتقل عبر الاجيال وذلك تحت الاستعداد الجيني لاستقبال المرض دون اي تردد وكل هذه الامراض من الصعب تجنبها لكن يمكن الحذر منها حتى لا تنتشي بشكل وبائي، ختم حديثه امنياتي بالصحة والسلامة للجميع.

مقالات ذات صله