زها والخمسينيات الزاهية||خالد القشطيني

    ما زالت بريطانيا تضج بخبر وفاة زها حديد. ولفت نظري من هذه الضجة برنامج تلفزيوني قدمته البي بي سي عن حياتها. تحدثت فيه الفقيدة الغالية عن ولادتها ونشأتها في العراق في الخمسينيات من القرن الماضي. سميتها بالخمسينيات الزاهية ولكن معظم العراقيين يفضلون ان يسموها بالخمسينيات الذهبية. وهي ليست كما ارى العشرة اعوام من 1950الى 1960. هذا تحديد رقمي اعمى. الخمسينيات الذهبية العملية تمتد خمسة عشر عاما من عام الوثبة ضد معاهدة بورتسموث وسمعنا فيها قصيدة الجواهري: “اتعلم ام انت لا تعلم”، عام 1948، الى عام المؤامرة البعثية لاسقاط نظام عبد الكريم قاسم في 1963. هذه الخمسة عشر عاما التي غطت اواخر العهد الملكي اللبرالي وسنوات الحكم القاسمي الاشتراكي شهدت ذلك الفوران الحضاري الرهيب الذي تمخض عن اروع ما انتجه العراق المعاصر في الشعر والادب والفن والفكر الحر. اصبحت بغداد في حينه مزارا لسائر المثقفين العرب، وعلى الخصوص اليساريين منهم، ليستقوا من عطائها.

      ما لفت نظري من حديث زها حديد ووصفها لأيام صباها في بغداد، انها تلقت تعليمها في مدرسة دير الراهبات في الباب الشرقي، وكانت مدرسة دينية مسيحية. قالت انها كانت تدخل مع بقية البنات الى الكنيسة فيها وتشارك في صلاتهن المسيحية. لم يجد اهلها اي ضير في ذلك. ولكن الصبية زها لاحظت ان ابويها لم يكونا يقومان بأي صلاة او عبادة في البيت. فسارت على مسارهما وانقطعت عن الصلاة في الكنيسة مع بقية الطالبات.

      مدرسة دير الراهبات في الواقع كانت المحطة التي تبعث العوائل الموسرة ببناتهن للدراسة فيها. هكذا فعل اخي احسان وعمي احمد عندما بعثا ببناتهما للدراسة فيها. الفكرة هي ان تلك المدرسة كانت تعطيهن خير دراسة جدية وأفضل تربية مهذبة. أما بالنسبة للذكور فكانت الأسر الموسرة تبعث بأبنائها للدراسة في كلية الآباء اليسوعيين (كلية بغداد) لنفس الاسباب.

      لم تتردد العوائل المسلمة في ارسال اولادهم لهاتين المدرستين. كانوا قوما واثقين من ايمانهم الاسلامي. ولم اسمع عن اي صبي او صبية تركا الاسلام وتنصرا بسبب دراستهم في هذه المدارس. وفيما ارسل والدي ابنه احسان للدراسة عند الآباء اليسوعيين، بعث الدكتور عبد الله القصير بإبنيه المسيحيين، خالد و زهير، ليدرسا القرآن الكريم على يد والدي الشيخ المعمم!

      هكذا شاعت روح السماحة و الحرية و الانفتاح في ذلك العهد، عهد الخمسينيات الذهبية. لم يشعر احد بالخوف على دينه او دين اولاده. والدي يبعث بإبنه للدراسة عند النصارى والنصارى يبعثون بأولادهم لدراسة القرآن الكريم عند المسلمين. لقد شعرت بالأسى وانا استمع لزها حديد تتكلم عن تلك الأيام التي اينعت عن بزوغ ذلك النجم اللامع في العمارة والفن. لم اشعر بفقدها كما شعرت بفقد تلك المرحلة التي انجبتها و انجبت تلك الشلة من نجوم العراق المعاصر، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، محمد مهدي الجواهري، جواد سليم، فايق حسن، محمد صالح بحر العلوم وسواهم من الكثرة. هذا ما جادت به الخمسينيات الذهبية، خمسينيات الروح اللبرالية والعلمانية والاممية، فأتونا بمثلها.

مقالات ذات صله