زها حديد.. أسطورة بغداد التي غيّرت وجه الهندسة

بغداد – الجورنال

جمعت المجد من كل أطرافه، واخترقت مهنةً ظل النجاح فيها حكرا على الرجال، حتى أصبحت أسطورة الهندسة المعمارية في العصر الحديث، ولها في القارات الخمس بنايات هي عبارة عن تحف نادرة تحمل توقيع “ملكة المنحنيات” كما تُطلق عليها صحيفة “غارديان”. إنها المهندسة المعمارية “زها حديد” العراقية الأصل والبريطانية الجنسية، صاحبة الأسلوب المتفرد في التصميم، العصي على التقليد أو المحاكاة.

فلم يكن مستغربا إذا أن تصبح هذه السيدة مرادفا للتميز، تتسابق الدول والمؤسسات للظفر بواحدة من أفكارها التي لا نظير لها، حتى بات لها في أرقى وأكبر حواضر العالم شواهد مبهرة، كان آخرها تلك القطعة الفنية التي تركتها قبل وفاتها، ويتعلق الأمر بملعب الوكرة لكأس العالم 2022 أو “استاد الجنوب” الذي صممته زها حديد قبل وفاتها، ورأى النور منتصف شهر مايو/أيار 2019، واختار منظمو حفل الافتتاح لهذا الملعب الذي يشبه في هندسته المراكب الشراعية المقلوبة أثناء الصيانة، أن يخلدوا ذكرى امرأة استثنائية ولدت في العراق لتحلق خارجه وتحقق نجاحات وإنجازات لم يسبقها لها أي مهندسة في العالم.

“كوكب في مجرتها”

ولدت زها حديد في بغداد سنة 1950 في كنف أسرة غنية، والدها هو محمد الحاج حسين حديد الذي كان يعتبر من الطبقة الصناعية في البلاد ومن مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان له حضور قوي في الساحة السياسية العراقية، وهو ما أهله لتولي منصب وزير المالية في العراق بعد الانقلاب العسكري سنة 1958. أما والدتها فهي وهيجة الصابونجي الكاتبة والرسامة، وترجح العديد من المصادر أنها كانت أول من ألهم زها حديد الاهتمام بالأشكال والجمال الكامن فيها.

وهكذا اجتمع في بيت زها حديد ما تفرق في غيره، وأتيحت لها الفرصة للاحتكاك بعوالم السياسة والاقتصاد والفن، وفتحت عيناها على بنايات بغداد حاضرة العالم ومركز التراث الإنساني، هناك أبدعت كل أمة في ترك آثار لها.

هذه البيئة منحت زها حديد زادا من الخيال والجمال، سيكون معينها خلال سنوات الدراسة، وكانت البداية بالانتقال لدراسة الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم الانتقال للعاصمة البريطانية لندن سنة 1972 للدراسة في “جمعية الهندسة المعمارية (l’Architectural Association School of Architecture) التي تعتبر أقدم مدرسة للهندسة في المملكة المتحدة. لم تكن كل من زها أو لندن يدركان أن مصيرهما سيتشابك خلال العقود القادمة، وأن الشابة القادمة من بغداد ستغير وجه عاصمة الملكة وتترك بصمتها على أشهر البنايات وأجملها في لندن.

وخلال دراستها ستلتقي بأعلام الهندسة في العالم، لعل أشهرهم المهندس الهولندي ريم كولهاس والمعماري السويسري برنارد تشومي. ولم يكن لدراسة زها في هذه الجامعة العريقة أن يمر مرور الكرام، بل تركت أثرا طيبا لدى كل أساتذتها وزملائها، لدرجة أن أستاذها كولهاس وصفها في حفل التخرج بأنها “كوكب في مجرتها الخاصة”، وكان هناك إجماع خلال نفس الحفل بأنها “من أفضل الطلبة الذين مروا على المؤسسة إن لم تكن أفضلهم”.

أما أستاذها المهندس اليوناني إليا زنغيليس فيقول عنها “إنها مبتكرة الزاوية 89 درجة، ولم تك أبدا تصل للدرجة 90، لم تكن تحمل هما للتفاصيل، كانت روحها دائما موجهة نحو الصورة في معناها الشامل ومعها حق في ذلك”.

هذه النظرة الفلسفية والمتمردة التي حملتها زها حديد للهندسة عكستها في مشروع تخرجها الذي يوضح كيفية صباغة فندق على شكل جسر، والذي استلهمته من الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش مؤسس حركة التفوقية التي دافعت عن فن تجريدي خالص أساسه عناصر الدائرة والمستطيل والمثلث البسيطة، لتعلن بذلك زها عن نفسها معمارية تحمل رؤية عميقة للأشياء وخيالا لا ينضب في ابتكار الأشكال وتمردا على كل ما هو نمطي، وهي صاحبة مقولة “لماذا عليّ أن أكتفي بزاوية واحدة للنظر مادام هناك 360 زاوية”.

بداية محبطة في ويلز

لم تكن بداية زها في العمل الميداني مفروشة بالورود، بل منيت بأول خيبة لها سنة 1994 عندما تقدمت بتصميم لمبنى الأوبرا في كارديف في ويلز، ونال تصميمها موافقة لجنة التحكيم، لكن حكومة ويلز رفضت شراء التصميم من زها دون إبداء الأسباب، وسلمت المشروع لمهندس أقل كفاءة منها.

وهي ضربة قوية لها في بداية مشوارها، ومع ذلك استمر اسمها في الانتشار في أوساط المعماريين والفنانين العالميين بفضل عملها الأكاديمي، والصور المتخيلة والملونة لعدد من البنايات التي لم تجد طريقها للتصميم، وسيصبح اسمها ذائع الصيت خارج بريطانيا وأوروبا سنة 1988 عندما تم اختيارها ضمن سبعة مبدعين لعرض رسوماتها في متحف نيويورك للفن الحديث.

سيكون لهذا المعرض دور في التسويق لتصاميم زها حديد، لذلك وفي سنوات قليلة فقط وتحديدا سنة 1993 ستحصل على أول زبون لها، ويتعلق الأمر بالشركة السويسرية للأثاث “فيترا”، وهي شركة عريقة في أوروبا، صاحبها هو المعماري رولف فيهلبوم الذي سيترأس خلال الفترة ما بين 2004-2010 جائزة بريتزكر للهندسة، وهي معادِلة لجائزة نوبل.

فقد طلب المهندس السويسري من زها تصميم مستودع لرجال الإطفاء داخل شركته، وكعادتها ستفاجئ الجميع بتصميم فريد من نوعه، يمزج بين الإسمنت والزجاج وأشكال قطرية حادة تصطدم مع بعضها البعض في المركز. هذا التصميم البديع جعل صاحب المؤسسة يقرر تحويله من مبنى لرجال الإطفاء إلى معرض لتصاميم أهم المعماريين الأوروبيين، وهذه كانت البداية الفعلية لزها حديد.

سيدة المعمار في العالم

مرت سنوات على أول وصول زها حديد للعاصمة البريطانية لندن، كطالبة بطموح حدوده السماء وخيال جامح، سنوات تعرضت فيها المعمارية العراقية لنكسات، وأيضا تعرضت لنجاحات أكثر، وتحول مكتبها في لندن إلى محج لحكومات الدول من مختلف القارات، وباتت أيقونة الهندسة في العالم، حتى سنة 2005 عندما تم اختيارها السيدة البغدادية لتصميم ملعب الرياضات المائية استعدادا لاستقبال العاصمة البريطانية للألعاب الأولمبية سنة 2012، هذا الملعب الذي تقول زها إنها استلهمته من “الحركية السائلة للماء” ووصفته صحيفة غارديان بأنه “المكان الأكثر ملكية ورقيا من بين كل الملاعب الأولمبية” وذلك بفضل سقفه المتموج. وتقول الصحيفة إن زها حررت الهندسة المعمارية من الجمود وأعطتها هوية من الأحاسيس والدينامية.

ولعل زها حديد من المعماريين الذين حققوا شبه إجماع لدى النقاد إزاء موهبتها الفذة وتصاميمها الخارجة عن المألوف التي تمزج الجمال مع الصرامة، فقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز بعد وفاة حديد في مارس/آذار 2016 “إن بنايات زها بلغت درجة الخيال وأعادت تشكيل الهندسة المعمارية في العصر الحديث، وإن ما أنجزته جعل من الشك فنا، وتدفع كل متأمل لأعمالها لطرح أسئلة وجودية عن علاقة الإنسان بالفضاء. لقد جسدت حديد العبقرية وقدمت المعجزات”.

زها الأيقونة

كل هذا المديح لم يكن من فراغ بل نتيجة لعمل عقود واجتهاد أبهر العالم. أما ديان سودجيك، وهو مدير “ديزاين ميوزيم” (Design Museum) في لندن فيقول “إنها مهندسة أولا تخيلت، ثم أثبتت أن الفضاء يمكن أن يتم تطويعه بطريقة جديدة، وطيلة مسيرتها كمدرسة للهندسة كانت دائما متحمسة وتستمد الطاقة من الشباب ولم تكن تحبذ حتى فكرة تصنيفها كمهندسة امرأة، فهي مهندسة وفقط”.

وتفسر زها حديد تجنبها التصنيفات حسب الجنس في حوار مع مجلة “أيقونة” (Icon)، بأنها لم تستعمل أبدا توصيف مهندسة امرأة “لكن إن كان هذا الوصف سيلهم الشباب بأنهم قادرون على اختراق كل الحواجز فلا بأس في الأمر”، وبالفعل فقد اخترقت زها كل الحواجز، ويكفي أنها هزت عرش أشهر المعماريين الرجال وتفوقت على معظمهم.

ولم تَسلم مسيرة زها من انتقادات لكنها تبقى نادرة، فمثلا سنجد أن متحف المتروبوليتان في نيويورك يصف أعمالها بأنها غير تقليدية وتتحدى منطق التصميم والبناء، كما وجه نفس المتحف الانتقاد لزها بأن كل بناياتها باذخة ونفقاتها عالية.

أما مجلة نيويوركر فقد وصفت أعمال زها بأنها “تجريدية أكثر من اللازم”، كما وجهت لها انتقادات عن التأخر أحيانا في تسليم بعض مشاريعها بالنظر للكلفة العالية التي تتطلبها، ومع ذلك فقد حرصت كل الدول التي تخوض غمار المنافسة على الظفر بتنظيم كأس العالم أو الألعاب الأولمبية أن يتضمن ملف ترشيحها تصميما يحمل توقيع زها حديد، كما فعلت اليابان وبريطانيا والصين وقطر.

جائزة “نوبل” للهندسة

اختراق الجدران السميكة كانت هواية زها حديد المفضلة، وكما كسرت احتكار الرجال للصف الأول في عالم الهندسة، فقد كانت أول سيدة تفوز سنة 2004 بجائزة بريتزكر للهندسة، وهي جائزة تعادل نوبل في مجال المعمار، كما فازت بأرقى جائزة تمنح للمهندسين في بريطانيا ويتعلق الأمر بجائزة ستيرلينغ عامي 2010 و2011، وبعدها بسنة كانت زها حديد على موعد مع الملكة البريطانية إليزابيث لتحصل على لقب “سيدة” (Dame) وهو أرقى لقب يمنحه التاج البريطاني للنساء، وذلك تكريما لها على الخدمات التي قدمتها للهندسة في البلاد، وفي سنة 2015 كانت أول امرأة تكرم بالميدالية الملكية الذهبية التي يمنحها المعهد الملكي للهندسة البريطانية.

زها تتصدر التصنيفات والجوائز

صنفتها مجلة فوربس سنة 2008 في المرتبة 69 ضمن مئة امرأة الأكثر تأثيرا في العالم، وفي سنة 2010 صنفتها مجلة “تايم” الأمريكية ضمن مائة مفكر مؤثر في العالم، وبعدها بثلاث سنوات صنفتها شبكة “بي بي سي” ضمن أكثر مئة امرأة الأقوى في المملكة المتحدة، وذلك بعد أن قال عنها المعهد الملكي للهندسة البريطانية إن “زها حديد تعتبر قوة مذهلة ولها تأثير على الصعيد العالمي في مجال الهندسة ولها قدرة هائلة على التجريب وطموحها ليس له حدود”.

وفي الحقيقة لم يبق أي لقب أو جائزة مرموقة في مجال الهندسة لم تحصل عليه زها حديد، ومع ذلك لم تتوقف أبدا عن الإبداع إلى أن باغتتها أزمة قلبية في مارس/آذر سنة 2016 تسببت في وفاتها، لتترك من خلفها إرثا حضاريا سيعمر لعقود وربما لقرون، ولعل الغصة الوحيدة التي ظلت عالقة في حلق زها هي أنها لم تحقق واحدة من أحلامها، وهو المساهمة في إعادة إعمار بلادها الأصلي، العراق، حيث كانت تردد في الكثير من حواراتها أنها تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تعود فيها إلى هناك وتضع لمستها في إعمار بلادها المنهك بالحروب.

مقالات ذات صله