“روايات الجيب” .. خطوة كبار المبدعين الأولى في طريق الأدب

بغداد_ متابعة

في عام 1936 أسس المترجم والكاتب المصري «عمر عبد العزيز أمين» (1908 ـــــ 1986) دار نشر أطلق عليها اسم «روايات الجيب» أصدر خلالها ترجمات لروايات أجاثا كريستي البوليسية، إضافة إلى ترجمة لرواية «البؤساء» لفيكتور هوجو و«الفرسان الثلاثة» لألكسندر دوماس وغيرهما، وكانت هذه الكتب مختصرات من الأعمال المترجمة، ثم أتبع ذلك بإصدار عدة مجلات مثل«سوبرمان ــــ الوطواط ـــــ الرجل العنكبوت ـــــ طرزان»، إضافة إلى روايات مصورة، تعد تدشيناً حقيقياً لفن الكوميكس، الذي تحول الآن إلى صرعة أدبية، ويتعامل معه كثر، على أنه اكتشاف، ينتمي إلى أوائل القرن الـ21.

بعد فترة انقطاع كان الكاتب محمود سالم، يكتب وينشر سلسلة «الشياطين الـ 13» على هيئة كتاب الجيب، ومثل نقلة كبيرة في هذا الاتجاه، فقد قام بتعريب أسماء الشخصيات، بدلاً من الأسماء الأجنبية في روايات عمر عبد العزيز أمين، كان سالم يحفر في هذا المجال وحيداً، ويصدر روايات الجيب، واحدة تلو الأخرى، ليصنع قراء بالملايين في مصر والعالم العربي، مراعياً الصيغة المناسبة للسلسلة، من تشويق وإثارة، ومشاركة في حل لغز بوليسي في كل رواية، وهذا عبر المحتوى اللغوي البسيط والسهل.

كان «محمود سالم» أول من كتب روايات للجيب، عبر كتابه«المغامرون الخمسة»، حيث كان يعمل بمؤسسة «الهلال»، وكان يرغب في كتابة روايات بوليسية للجيب، بعد افتتانه بما كان يترجم من تلك الروايات، وعندما كتب اللغز الأول، ظن أن كتابه سيوزع عشرات النسخ، فاكتشف أن آلاف النسخ قد بيعت، وتعاقدت معه الدار على كتابة المزيد من هذه الروايات.

وتحت شعار «مشروع القرن الثقافي» أصدرت المؤسسة العربية الحديثة للنشر، في عام 1984 أكثر من سلسلة في «روايات الجيب» حققت انتشاراً واسعاً في منتصف التسعينات من القرن الماضي، على يدي نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، وقد ابتدعا سلاسل روايات جيب مثل«رجل المستحيل ــ فانتازيا ــ ما وراء الطبيعة ــ سفاري»، ومن دون مبالغة فقد تربت أجيال على هذه السلاسل من «روايات الجيب».

الكاتب محمد عبد النبي ــ على سبيل المثال ــ يرى أن تجربة «أحمد مراد» الروائية تمتد بجذورها في سلسلة «روايات مصرية للجيب»، وفي تجربة أحمد خالد توفيق بالتحديد، حتى إن فئة عريضة من كتاب التسعينات والألفية الثالثة، كان بينهم من تربى على أعمال روايات الجيب المصرية، ويعتبرون خالد توفيق مثلاً أعلى لهم في الكتابة.

“روايات الجيب” من دون ادعاءات كانت الخطوة الأولى لمن سلك طريق الأدب، لا يختلف في ذلك أديب كبير، أم آخر لا يزال يتحسس خطى قدميه، نجيب محفوظ ــ على سبيل المثال ــ قال أكثر من مرة: «بدأت قراءاتي بالروايات البوليسية «سنكلير» و«جونسون» و«ميلتون توب» وغيرها من الروايات التي كان يترجمها حافظ نجيب بتصرف، وكانت منتشرة هي وأمثالها في أيام طفولتنا، كانت هذه الروايات هيكل قراءاتي الأولى في أواخر المرحلة الابتدائية وأوائل الثانوية».

كما أن الروائي الراحل عبد الرحمن منيف ذكر في «سيرة مدينة» أن روايات الجيب «كانت خبزاً يومياً للكثيرين، وكان من جملة أسباب رواجها، أنها يمكن أن تستبدل، لقاء فارق بسيط» في حين أن الروائي المصري صنع الله إبراهيم قال في كتابه «يوميات الواحات»: «كان والدي هو الذي يشجعني على القراءة، وما زلت أذكر الليلة التي عاد فيها إلى المنزل، حاملاً ربطة كبيرة من روايات الجيب المستعملة المتنوعة».

أما الكاتب الأردني سليمان موسى، ففي كتابه «خطوات على الطريق» يقول: «أقبلت على قراءة سلسلة روايات الجيب التي تصدر في مصر، وهي تراجم عن روائع الأدب العالمي، كنت أقرأ رواية في اليوم الواحد، بل حدث أنني قرأت روايتين في يوم، ورويداً رويدا وجدت نفسي أميل إلى قراءة كتب التاريخ والشعر والأدب».

يؤكد الكاتب صلاح عيسى أن «روايات الجيب» كانت واحدة من أهم سلاسل الكتب في تاريخ القرن الماضي، وكانت تصدر أسبوعياً كل يوم جمعة، مترجمة إلى اللغة العربية، وتباع بعشرة مليمات، وكان عدد صفحات بعض الروايات يقترب من 400 صفحة، لذلك انتشرت في أنحاء الوطن العربي، وحققت لصاحبها ومترجم معظم رواياتها «عمر

عبد العزيز أمين» أرباحاً طائلة، مكنته من إنشاء دار صحفية، تصدر ثلاث مجلات أسبوعية أخرى، إحداها سياسية هي «مسامرات الجيب» والثانية فنية هي «الأستوديو» وثالثة فكاهية هي «أضحك» لمعت على صفحاتها أسماء روائيين وكتاب مثل «يوسف السباعي ــ محمد عودة ــ لطفي الخولي».

يواصل صلاح عيسى: كانت «روايات الجيب» أول بختي، بينما كنت واحداً من أواخــــر بختها، فقد أدركهـــــا الزمن، فانخفض عدد صفحاتها إلى النصف، وارتفع ثمنهـــا ثلاثة أضعاف، كعرض من أعراض الغلاء الفاحش، الذي أعقب الحرب العالمية الثانيـــــة، وكعــــــرض من أعراض هبوط الذوق العام، بدأت تتخصص في نشر الروايات البوليســــية، وكنت أجمــــع أعدادها القديمة وأقرأهــــا، وشـــــغفت بقراءة الروايات البوليسية، حتى كادت تفسد عقلــــي، إلى أن لفت أبي نظري بهـــــدوء، إلى أن ما أقـــرأه هو روايات رخيصــــــة لا تناســـــب سني، وفي اليوم التالي أهداني نسخة من الجزء الأول من سيرة طه حسين«الأيام» وكانت تلك هي البداية، التي جعلتني أنصرف عن قراءة «روايات الجيب» ليتسع أفق قراءاتي في الأدب.

مقالات ذات صله