رغم رتابته … شعراء يكتبون السرد زيارات خاطفة أم إقامات ممتدة؟

 

بغداد_ متابعة

كثيراً ما يحدث، أن يكتب الشاعر السرد، هذا أمر معتاد، فللسرد غوايته، وتحرره من الكثير من قوانين، القديم منها كعروض الخليل بن أحمد، أو الجديد كشروط أنسي الحاج وسوزان برنار.

يشكل هذا التخفف عامل إغواء لأي صاحب قلم، لذلك نرى في الأدب العربي الحديث الكثير من الهجرات التي حدثت من كتابة القصيدة إلى كتابة الرواية والقصة والنصوص السردية المفتوحة، السوري سليم بركات، اللبنانيان عبّاس بيضون، رشيد الضعيف، المصري أسامة الدناصوري،

في هذا السياق، يجيب بعض الشعراء عن: هل اخترت أن تجرّب كتابة السرد؟ أم أن الأمر يكون أشبه بنداء داخلي يدعوك لذلك؟ الشعر، القصة والرواية.. كيف ترى الفروق بين الألوان الكتابية الثلاثة؟ بعد التجربة السردية.. هل ستبقى ملتزماً بالشعر؟ أم أن الهجرة نحو السرد نهائية؟ ولماذا لا يحظى الشعر بمعدلات المقروئية نفسها التي يحظى بها السرد؟

ثلاثة دواوين شعرية، أصدرتها المغربية سكينة حبيب الله، تخللتها رواية وحيدة، تقول صاحبة «بيت القشلة»: كانَ السَّرد رفيقي دائماً، حتى وأنا أكتُب الشِّعر فقصائدي لا تخلو من الطّابع السردي. قصص كثيرة لا يمكن أن تكتب سوى في رواية، لذلك حين تخمَّرت الحكاية التي في رأسي، وصار ضجيج الشّخصيات يرتفع ويرتفع كان عليّ أن أجلسَ إلى حاسوبي وأضع حداً للأمر. قد أكتُب لاحقاً في المسرح، وقد أكتب في أيّ نوعٍ أدبي كفيل بجعلِ الحياة تكثرُ من حولي. في رأيي، سواء في الرواية أو القِصّة أو القصيدة يحضرُ الشِّعر دائماً، بطريقةٍ أو بأخرى، شيءٌ أشبه بالماء الذي تجدُه في البحر، والواحةِ، وقارورة المياه المعدنية. فالبحرُ كالرِّواية، الماءُ فيه قد لا يبرِّد الجوف، لكنّ بمقدوره حمل سفينةٍ، وفي أعماقه تكمن حياةٍ هائلة. وفي الواحةِ التي تشبه القِصَّة، يبدُو الماءُ واضحاً وجيزاً، ويبدو العطشُ الذي يقفُ متربِّصاً كفيلا بجعلِه يشفي الغليل، أمَّا قنينة المياه المعدنية فقصيدة، الماءُ فيها مكثَّفٌ، عذبٌ، بالإمكانِ حمله معك في أيّ مكانٍ لينقذك، وفي النِّهاية عليك دفع الثمن كي تستحقَّه. بعدَ إصداري لروايتي الأولى «بيت القشلة» قمتُ بنشرِ مجموعتي الشِّعرية الثالثة «خمس فراشات منزوعة الأجنحة»، قدمي يحرِّكها الشِّعر وعيناي كذلك، الشِّعر بالنسبة لي هو الطَّريقة الوحيدة التي أثبَتت لي الأيَّام أن بوسعي تزجية الحياة من خلالها. لذلك تبدو لي مجرد فكرة تركِ الشِّعر مخيفة ومهدّدة للقلبِ والعين.

كما أصدر المصري عماد فؤاد خمسة أعمال شعرية، حضوره راسخ على ضفة قصيدة النثر، إلا أن ذلك لم يمنعه من كتابة الرواية، وعن ذلك يقول فؤاد: «الحالة صفر» لم تكن تجربة أحببت خوضها، كانت ضرورة لي في فترة معينة من حياتي، وكان يجب عليها أن تخرج بالشكل الذي خرجت عليه، طوال عمري وأنا أعرف أن لحظة ما سـتأتي عليّ وأستسلم فيها لفكرة كتابة السرد المتحرّر من قيود الشِّعر، أحببت أن أجرِّب كتابة مختلفة عليّ فكانت هذه التجربة، والحقيقة أنها تظل من أمتع التجارب الكتابية التي خضتها حتى اليوم، ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة، ذلك أن متعة كتابة السرد شيء آخر غير متعة كتابة الشِّعر، وهي المتعة التي اكتشفتها أثناء كتابتي للرواية، وهذا الاكتشاف يجعلني راغباً في تكرار التجربة من جديد.

الفروق كثيرة وعديدة بين الألوان الكتابية الثلاثة: الشِّعر والقصة القصيرة والرواية، أرى أن الشِّعر والقصة القصيرة هما الفنَّان الأكثر تطلباً، سواء كان ذلك على مستوى اللغة والبلاغة، أو الحذف والكثافة، في حين تشكل الرواية لي تحرّراً غير محدود، لكن إيماني عميق بأنّ كل نصّ يستنُّ قانونه الخاص به أثناء كتابته، هذا القانون هو ما يحكم تفاصيل العمل الفني في قالب أو شكل ما يتخذه النص لنفسه، بعيداً عن القوالب المعروفة، أو قل المتفق عليها، لم تعد الحدود قائمة بين هذه الألوان الكتابية كما كانت في السابق، تستفيد هذه الفنون الكتابية اليوم من بعضها بعضا، وتتبادل التقنيات الفنية وتتشاركها، كل لون بحساسيته المميزة وحضوره الخاص. هي ليست فكرة التزام أو هجرة من نوع أدبي ما إلى آخر مغاير له، هي التزام بفكرة «الكتابة» في مطلقها، بغض النظر عن الشكل الذي ستخرج فيه هذه الكتابة إلى القراء، وأنا شخص مزاجي جدًا مع الكتابة، أكتب ببطء ولا أنشر ما أكتبه إلا حين أشعر أنه اكتمل ولم يعد بوسعي الإضافة إليه أو التعديل فيه.

مقروئية الشِّعر أقل من مقروئية السرد للسبب الذي أخبرتك به، الشِّعر هو الفن الكتابي الأكثر تطلباً، لذلك فإن قرّاءه قلّة، والأمر ليس قاصراً فقط على الشِّعر العربي، الشِّعر في جميع الثقافات واللغات حاله لا يختلف كثيراً عن الشِّعر في عالمنا العربي، يظل الشِّعر أينما كان وشئنا أم أبينا «فن القلَّة».

بعد سنوات طويلة من الشعر، أصدر الكاتب المصري مؤخراً روايته الأولى «حافة الكوثر»، عن الدار المصرية اللبنانية. يرى عطا أن شعره دائماً ما يخالطه سرد، لذلك لا يعد كتابته للرواية هجرة من عالم الشعر بقدر كونها نداء داخلياً، يقول عطا: جربتُ السرد، منذ أن تعلمتُ الكتابةَ بمعناها البسيط، خصوصاً أن ذلك ارتبط بشغف بالقراءة منذ الطفولة، لا أعرف مصدره، بما أني نشأت في أسرةٍ، الأب فيها لا يقرأ ولا يكتب، والأم تفك الخط بالكاد، وأخي الأكبر تسرَّب مبكراً من التعليم الإلزامي، ومحيطنا من أقارب وجيران لم يخرج عن ذلك الإطار. جربتُ السرد عبر رسائل للحبيبة الأولى، وما تلاها من حبيبات، بعضهن اخترعتُه، وغالباً كان التجاوب محبطاً، بما أنني كنت أتوقع تلقي رسائل رداً على ما أرسله، ولكن خاب توقعي إلا نادراً. وفي تلك المرحلة المبكرة، عرفت كتابة الشعر الزاخر بعواطف جيَّاشة، ثم تمكنتُ بعد ما يزيد على عشرين سنة من الاستعلاء نسبياً على الرومانسية المجانية.

لا يحظى الشعر بمعدلات مقروئية عالية بسبب رتابة كثير مما يصلنا من الشعر. وهذا أمر قديم. انتشار الشعر المنشور في كتب هو أمر استثنائي، دائماً، عرفناه حديثاً مع نزار قباني مثلاً. وهناك حالياً جمهور واسع للشعر، الذي يلقيه صاحبه في منتديات ويجري تسجيله بالفيديو، وغالباً تصاحبه موسيقى حالمة، ويرفع على اليوتيوب. عندنا أزمة قراءة عموماً، حتى بالنسبة إلى الصحف، وهي عند غيرنا أيضاً، في ظل انتشار ميديا التواصل الاجتماعي.

 

مقالات ذات صله