رغم تنوعهم للقراءات الشعرية .. كيف ينظرون الشعراء الشباب إلى أجيال سابقة؟!

بغداد_ متابعة

هل الشعراء الشباب لا يقرأون من سبقهم، وهل أتوا إلى الكتابة “ترانزيت” أو مباشرة؟ إن كان هذا الجيل لا يقرأ من يعاصره من شعراء، فكيف يكتب ومن أين يستمد مرجعياته في خلق قصيدة تحمل أزمات الأفراد والمرحلة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً؟ في محاولتنا لفهم قراءات شعراء العربية الشباب وكيف ينظرون إلى أجيال سابقة يعاصرونها طرحنا مجموعة من الأسئلة حول قراءاتهم الأولى وعلاقتهم بمن سبقهم وبمدى التأثير الذي تركته نصوص الآخرين لديهم، وحرصنا أن يكون الشعراء من جيل التسعينيات أو قريباً منه لنحصل على مجموعة الآراء التالية: 

لم يتعلق الشاعر المغربي محمد يويو بالقراءة في مرحلة مبكرة من عمره وهذا ما قد نجده لاحقاً عند بعض الشعراء الشباب كذلك، أمّا قراءاته فكانت تتعلق بنصوص وشذرات شعرية وفلسفية وأدبية من هنا وهناك ومن بعض المجلات. لاحقاً تنوعت القراءات الشعرية لديه، كما يقول، من امرئ القيس والمتنبي وابن حزم الأندلسي، مروراً بالسيّاب إلى الشعر العالمي ابتداء من جون دون إلى شيمبورسكا، مكتفياً من القصيدة العربية الكلاسيكية، أمّا من تأثر بشعرهم فهو الشاعر السويدي توماس ترانسترومر ، لا من حيث الأسلوب والتركيب في بنية الشعر، وإنّما في طريقة فهم الشعر كذلك، أما عن الأجيال السابقة يرى صاحب “الأسود الذي لا ترينه” (جائزة دار التكوين 2016 / دمشق)،أنه لا غنى لمبدع أو لجيل عنها، لكن قد تظهر هذه القطيعة نسبيّاً، ولا سيما بغياب الدور المؤسساتي، وعدم وعيه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، للقيام بدور فاعل لتعريف الناشئة برموزه الثقافية أو الأدبية، وهذا يتطلب بالطبع عملاً جاداً وإلاّ سيتعيّن على المبدع الناشئ بذل جهد أكبر، يختم هذا بقوله “وفي ظلّ الظروف الراهنة، والانحسار الثقافي، لا أظنّ أنّه من سبيل لهذا الشاب إلاّ نفسه”.

تتشارك الشاعرة المصرية آلاء حسانين مع المغربي الشاب في التأخر نسبياً في القراءة ، لتقرأ بنهم بعدها لمحمود درويش وأمل دنقل، انتهاء بـ”الجين الأناني” لريتشارد دوكنز و”كون من لا شيء” لكاتبه لورنس كراوس و”تشريح التدميرية البشرية” لإيرك فروم، لكنها على عكس الشاعر المغربي الشاب لا تؤمن بالتصنيف الأدبي على طريقة الأجيال، ما يهمها هو التجربة، أياً كان كاتبها، وانطلاقاً من إيمانها بذلك تقول: “أقرأ للأجيال السابقة طبعاً، وأقرأ للجيل الحالي، وسأقرأ للأجيال القادمة، وما دام كان هناك ما يستحق أن يُقرأ فسأقرأه، بصرف النظر عن كاتبه”، أما عن متابعتها لأبناء جيلها فإنها تتفق مع زميلها المغربي في عدم الاطلاع الكافي على تجارب مجايليها، وتعترف بتقصيرها، الأمر الذي ستحاول تجاوزه مستقبلاً.

من جهة أخرى، فإن التأثر بكتّاب آخرين بالنسبة لهذه الشاعرة الشابة هو أمر طبيعي وأساسي ومن هنا تأثرت بالعديد من الكتاب والمفكرين وعلماء الفيزياء والفلاسف.  

لم يكن للقراءة عند الشاعرة اللبنانية عبير خليفة بداية واعية ومقصودة، بالإضافة للرواية فقد قرأت تجارب شعريّة مهمة: أنسي الحاج، يوسف الخال، أدونيس، محمود درويش، رياض الصالح الحسين، كما توقفّت طويلاً عند شعراء التصوف. وبالنسبة للشعر العربي القديم والذي كانت معجبة به خلال دراستها الثانوية لم تعدْ إليه بقوة، مؤكدة أنها ما زالت عشوائية في قراءاتها إلى اليوم، فقد تقرأ كتباً علمية بسبب مزاجها المتقلّب وعملها البعيد عن الجوّ الأدبي، ولكنها بالطبع  وبعد ثلاث مجموعات شعرية تظنّ أنّها تخلصت من آثار شعراء أحبتهم وبدأ صوتها يبدو أكثر نقاءً.

من جهته لا يبتعد الشاعر السوري جوزيف حداد عن فكرة العشوائية في القراءة، وخصوصاً في فترة البدايات والتي يعللها بأنها نتيجةٌ طبيعيةٌ، فشغف القراءة يحتم المرور على كلّ شيء في البداية لتغدو القراءة انتقائية أكثر فيما بعد، ولترتبط لاحقاً بتلك التي تحفز على الكتابة وتحريض الخيال إلى جانب بحثه عن الأدب المترجم والذي يعتبره خطوة مهمة في ميدان القراءة.

يتفق الشاعران الشابان على أن وسائل التواصل الاجتماعية سهّلت متابعة التجارب الشعريّة، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالجديدة منها. الشاعرة اللبنانية تتابع إصدارات بعضهم وتتجاهل آخرين، وذلك حسب ذائقة خاصة بها، كما أنّ مشاركتها في مهرجان “سيت” الشعريّ في فرنسا أتاح لها فرصة التعرف إلى شعراء من بلاد عربية وحتى من أجيال سابقة بشكل واقعي، أما جوزيف فيجد أنه من البديهي قراءة كلّ نتاجات الأجيال التي سبقته لأن ذلك يشكل خطوة أساسية لمن يريد التغيير في الأدوات وأنماطها، وعن شعراء قصيدة النثر يقول: “من يكتب قصيدة النثر لا بد له أن يتأثر برواد هذه القصيدة كمحمد الماغوط وأنسي الحاج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة”، يكمل في السياق ذاته أن العلاقة بين الأجيال الشابة والسابقة ربما تكون معقدة بعض الشيء فقد نجد كتّاباً من أجيال سابقة منفتحين على الأجيال الشابة من خلال التواصل والمتابعة والدعم وهذا ما قد يساعد في ولادة مشاريع جديدة قد تكون ذات أثر مهم، بينما للأسف نجد أن بعضهم الآخر منغلق على نفسه لا يقبل بطروحات وأفكار الأجيال الشابة. 

القراءات الأولى للعراقي علي ذرب كانت في المرحلة المتوسطة من خلال كتب والده التي كان يستعيرها أو يسرقها بحجة الاستعارة لأنه في الحقيقة لم يعد أيّاً منها كما يقول علي ضاحكاً، يتابع: “قرأت كتب علم الاجتماع وكتب نقد الدين وبعض الروايات الكلاسيكية، في الحقيقة ما دفعني إلى قراءة تلك الكتب هو حديث أبي الدائم عنها، وكذلك لكي أذكر في الرسائل الغرامية التي كنت اكتبها إلى ابنة الجيران أنني مثقف “أمّا عن بداية الشاعر الفلسطيني إبراهيم علاء الدين فكانت منذ أربع سنوات، تعرف في بدايتها إلى الروائي عبد الرحمن منيف، فقرأ “الآن هنا” ثم “مدن الملح” ليتابع بعد ذلك قراءة كلّ أعماله ويتعمق في شخصيات رواياته، قرأ كذلك غسان كنفاني، جبرا ابراهيم جبرا، محمد الماغوط، مريد البرغوثي، إبراهيم نصر الله، مؤكداً أنه كثيراً ما يقرأ للأجيال السابقة، ولا يبتعد الشاعر العراقي عن ذات الشيء فقد قرأ الكثير من نتاجات الأجيال التي سبقته، وهو في ملاحقة جادة للتجارب الحقيقية ويرى أن أهمية ذلك تأتي من ضرورة فهم خطاب المرحلة ومدى استيعاب تلك التجارب لها، وهو كذلك على تماس تام مع ما يكتبه أصدقاؤه المقربون وكذلك يتابع  شعراء المرحلة من العراقيين وغيرهم على العكس يجد إبراهيم أن من يكتب الأدب الجيد من أبناء جيله قلائل، ومن هنا نجد عدم رضاه عمّا يقدمه هذا الجيل سواء بالمعنى أو الصورة أو حتى الشكل، يختلف كذلك الشاعران بفكرة التأثر، فالشاعر العراقي الشاب حاول منذ البداية الابتعاد عن فكرة التأثر لأنه ومن وجهة نظره عندما تحدد مسبقاً ما الذي تريده من الكتابة ستنجو من فخ التقليد، يتابع: “هناك الكثير من الكتّاب الذين قرأتهم وأحببتهم بعمق، إن طرح الأسئلة حولهم واستيعاب البنيات الأساسية لخطاب كلّ منهم ساعدني كثيراً في خلق توجهي الخاص والعمل على تطويره باستمرار”، يتابع الشاب العراقي أن المشكلة الأساسية بين الأجيال العمرية المختلفة تكمن في نظرة كلّ منها إلى تجربة الآخر، تكمن فيما نعتقد وفيما يعتقدون، في السلوك وفي التعامل مع العالم، يضيف موضحاً: “أنا شخصياً تجمعني علاقة طيبة مع الكثير من شعراء المراحل السابقة وأحترم نتاجاتهم وفي النهاية الكلمة الأخيرة ستكون من نصيب التاريخ”، بينما يجد علي أن المشكلة بين الأجيال هي مسؤولية الطرفين يخالفه الشاعر الفلسطيني ابراهيم المتأثر أولاً بمحمود درويش بأن المشكلة الأساسية تقع على عاتق جيله، فعلى عكس الأجيال السابقة هذا الجيل خامل، لا يقرأ ولا يولي أهمية لقراءة من سبقه، وربما يفقد شيئاً فشيئاً ما كان يفعله شعراء المراحل السابقة من اهتمام بالأدب والقراءة خاصة.

مقالات ذات صله