رغم الفتور الواضح بينهما … السينما العربية والرواية من ملتقى إلى “مفترق طرق”

بغداد _ متابعة

مئات الألوف من النجوم والفنيين والإداريين والصناع والحرفيين، ثم يستقبله من بعد الملايين والملايين، لا فارق أمام الشاشة بين الطفل والعجوز السينما، هذا العالم السحري، باسمه تقوم مدناً بأكملها، ويعيش في ظلاله ، أو بين المرأة والرجل، فجميعهم يجلسون في رحاب هذا الفن عيونهم على الشاشة، وعقولهم بعيدة عن مشاكلهم كلها، يمتزجون حتى ينسوا دنياهم كلياً، فلا تفكير لهم إلا في ما يرون، ولا شغل عندهم إلا أحداث الفيلم.

بهذه النبذة البسيطة فسرت مكتبة الأنجلو المصرية سر شغف العالم بـ«الفن السابع»، في ترجمتها لكتاب الناقد الفرنسي الكبير أندريه بازان «ما هي السينما».

وعلى الرغم من أهمية هذا الفن، الذي يسترق أسماع وأنظار وعقول المشاهدين، يرى بازان أن السينما لا يمكن أن يكتب لها العيش والاستمرار دون الاتكاء على عكاز من الأدب، وكلاهما يكمل الآخر. فالثاني يخاطب جمهوره بحرفية اللغة المكتوبة والخيال الواسع، والأول يترجم هذا الخيال إلى صورة متحركة بمزيج فريد من الديناميكية والتعبيرات، التي تأخذ المشاهد إلى عوالم أخرى كما كان يقرأها ويسمعها ويحلم بها.

ومن هذا المنطلق ظلت العلاقة بين الأدب والسينما تأخذ حيزاً كبيراً من الجدل حول تأثير كل منهما على الآخر. لكن الإشكالية الأكبر التي تدور في هذا السياق، هي سر الفتور الواضح بينهما في السنوات الأخيرة، وقد حولهما من «ملتقى طرق» إلى «مفترق طرق»، خصوصاً في عالمنا العربي.

أعمال رائدة مهدت الطريق

في كتابها «النص والصورة»، رصدت أستاذة الأدب الفرنسي المقارن في جامعة القاهرة سلمى مبارك، مراحل التقارب والتباعد بين الفنين، فأوضحت كيف تلقى الأدباء هذا الاختراع الجديد المسمى بـ«السينما» بين داعم ومتخوف.

فشجع عباس محمود العقاد على الاهتمام بها، ونشر ثقافتها داخل الشارع المصري، باعتبارها مساحة جديدة لإخصاب الخيال وتنميته، في الوقت الذي رآها طه حسين وسيلة لإلهاء الجمهور وإفساد الأدب بانتقاله إليها عبر الاقتباس، من وجهة نظره، على الرغم من أن المخرج هنري بركات حول إحدى رواياته «الحب الضائع» إلى فيلم سينمائي بعد عام 1971.

 

حبكة عربية بأفكار الغرب

وعبر الاقتباس، توطدت علاقة السينما العربية بالآداب الغربية، التي كانت النموذج الذي تأسست عليه علاقة السينما بالأدب العربي أيضاً، ما تسبب في تسارع نقل الحداثة من أوروبا إلى عالمنا القريب، كما يرى مستشار التحرير في مجلة «الفيلم» الباحث وليد الخشاب.

ومن المفارقة اللغوية أن تأتي كلمة اقتباس نفسها بمفهوم التنوير، فهو في لغة العرب أخذ طرفاً من النار لإشعال نار أخرى، وهو ما صار بعدها وسيلة لإعادة تأليف التراث العربي وتوفيقه مع الحداثة.

ومن هذا المنطلق، خرجت السينما المصرية لتستعين بأعمال كبار الكتاب الغربيين وصياغتها في أعمال مميزة، تؤصل حقيقة إكمال هذين الفنين أحدهما والآخر.

فأخرج توجو مزراحي فيلم «ليلى» 1942 اقتباساً عن رواية «غادة الكاميليا» لألكسندر دوماس الابن، كما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المجرم» عام 1978 عن رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، وهو إعادة لإنتاج فيلمه «لك يوم يا ظالم» عام 1951.

كما سار حسن الإمام على الدرب نفسه، فأخرج فيلم «بائعة الخبز» بالأبيض والأسود عن الرواية الميلودرامية الشهيرة «حاملة الخبز» لجزافييه دو مونتيبان، وظهر بالألوان تحت عنوان «الجنة تحت قدميها» للمخرج نفسه.

الكتاب العرب ينقلون إبداعاتهم إلى الضفة الأخرى

بينما كان الجدل دائراً حول ما هي الأكثر تأثيراً «الكلمة أم الكاميرا»، بدأ العالم العربي الانفتاح على الروايات ليصيغ منها حبكات سينمائية مميزة. وهو ما رصده كتاب «الأدب والسينما العربية» لأحمد بجاوي وميشال سارسو، الصادر حديثاً في الجزائر عن مقالات لعدد من أشهر النقاد العرب.

ففي لبنان اعتمدت الثقافة بين الفنين على ما تسمى «السينما البديلة»، ما ظهر في أفلام جورج نصر وسمير نصري، وبرهان علوية، وجوسلين صعب، وغيرهم، كما ظهر في فيلم «بيروت يا بيروت» لمارون بغدادي، اقتباساً عن نص الأديب المصري صنع الله إبراهيم ، وفي رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، التي خرجت في فيلم من إخراج يسري نصر الله، و«الصدمة» للكاتب الجزائري ياسمين خضرا، التي قدمها زياد الدويري في فيلم عام 2012.

ومن بين 57 فيلماً أنتجتها المؤسسة العامة للسينما في سوريا منذ عام 1967 إلى عام 2012، كان هناك 21 عملاً فقط مستمدين من الأدب، أبرزها «المخدوعون» من إخراج توفيق صالح، المستلهم من نص «رجال في الشمس» للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني.

فضلاً عن «السكين» المقتبس عن رواية كنفاني أيضاً «ما تبقى لكم»، و«الفهد» لنبيل المالح عن رواية حيدر حيدر، و«بقايا صور» من إخراج المالح أيضاً عن رواية «حنا مينه»، و«سائق الشاحنة» إخراج بوشكو فوتشينتس.

من محفوظ وعبد القدوس إلى “أفلام المقاولات”

السينما المصرية هي الأكثر غزارة في الإنتاج والاقتباس عن روايات في محيطنا العربي، ومنها خرجت أعمال أبرز الكتاب إلى الشاشة. فترجم نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة التي حاز بها جائزة نوبل في الأدب، إلى أعمال سينمائية خالدة. كما ظهرت روايته «بداية ونهاية» في فيلم مكسيكي بالعنوان نفسه عام 1993 للمخرج أرتورو ريبستين.

وقامت سلمى حايك ببطولة فيلم «زقاق العجائب» عام 1995 عن روايته الأخرى «زقاق المدق». وساهمت هذه الأعمال، إلى جانب «ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل» و«الكرنك» و«القاهرة 30»، وغيرها، في فتح الطريق أمام مجال أكثر رحابة للتعاون بين الفنين.

يقول الناقد هشام أصلان إن حاجة المنتجين إلى الأعمال الأدبية تلاشت قليلاً مع غياب المخرجين المهتمين بالقيمة الفنية، أمثال هنري بركات، وصلاح أبو سيف، وعاطف الطيب. في الوقت الذي تشبث آخرون برابط الأدب والسينما والمنتج الفني ذي القيمة، مثل داود عبد السيد، ويسري نصر الله، متحدّين سوق الإنتاج التي كانت لها حسابات أخرى.

ويشير أصلان إلى أن نشوء ظاهرة «أفلام المقاولات»، تماشياً مع الأزمات السياسية والاقتصادية التي عانت منها البلاد في فترة الثمانينات تحديداً، ساهم في سحب البساط بشكل كبير من الأفلام الروائية. فكان صناع السينما يجمعون الممثلين ويطلعونهم على الخطوط العريضة، على أن يعتمد كل منهم على الارتجال بشكل كبير، ولا يستغرق العمل أسبوعين أو أكثر بقليل للانتهاء منه، وطرحه في السوق، ومن هنا تفاقمت حالة الجفاء بين الفيلم والرواية.

كما يلفت أصلان إلى إشكالية تحويل رواية عظيمة إلى السينما بالقدر نفسه من العظمة، إذ لا صعوبة في تحويل رواية متوسطة إلى سينما رائعة بشكل ما. فنقل الصورة التخيلية من وسيط الكتاب إلى وسيط الشاشة قد لا يكتب له النجاح المأمول، إذا لم يقدم ما لم تستطع الرواية نفسها تقديمه لجمهورها.

 

أفلام «المهرجان والإفيه» ومَخرج الدراما

يرى عاطف عبدالعزيز، الصحفي المهتم بالأدب، أن السينما المصرية بوجه خاص تحولت من منتجات الأعمال البارزة والهادفة إلى أعمال «المهرجانات والإفيه». فلا يتطلب الأمر من المنتج والمخرج إلا إحضار مغنِ وراقصة مع عدد من ممثلي الصف الثاني، الذين يطلقون «إيفيهات» محفوظة، بميزانية منخفضة التكاليف دون أي سيناريو مكتوب، سعياً وراء الربح السريع.

وهو ما حول صناع هذه الأعمال من منتج مثقف إلى تاجر لا يرغب في أن يتعب ويكسب، بل يسعى إلى المكسب دون أي مجهود.

ويوضح عبدالعزيز أنه على الرغم من الأزمة التي تمر بها السينما المصرية، إلا أن هناك بوادر أمل تتمثل في استعانة عدد من المنتجين في الفترة الأخيرة بروايات لعدد من الكتاب البارزين والشباب، على الرغم من قلة عددها الذي لا يتجاوز أصابع اليدين، مثل «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، و«الفيل الأزرق» لأحمد مراد، و«هيبتا» لمحمد صادق، و«تلك الأيام» لأحمد غانم، فضلاً عن رواية «مولانا» لإبراهيم عيسى.

مضيفاً أن ما حققته هذه الأعمال من نجاحات في دور العرض وبين الجمهور، قد يفتح الطريق أمام الاستعانة بأعمال أخرى في المستقبل، شرط تواجد البيئة الملائمة لذلك، وتغير آليات السوق السينمائي.

ومن هنا ظهرت أعمال مميزة على الشاشة الصغيرة، منها «ذات» لصنع الله إبراهيم، الذي عرض عام 2013، و«أفراح القبة» لنجيب محفوظ، الذي عرض العام الماضي، بينما دخل مسلسلا «واحة الغروب» عن رواية بهاء طاهر، و«لا تطفىء الشمس» لإحسان عبدالقدوس السباق الرمضاني الحالي.

مقالات ذات صله