رغم احتفاظ اهاليها بذكريات جميلة .. دور السينما في ذي قار بين مبادرات شخصية متعثـرة والخشية من عدم العودة

 

بغداد _ متابعة

مدينة مثل الناصرية تملك عمقاً ثقافياً وحضارياً تخلو من أيّ دار سينما في الوقت الحاضر بعد أن كانت تضم (6) دور سينما في مركز المحافظة، الأندلس الشتوي والصيفي والبطحاء الشتوي والصيفي وسينما بهو الإدارة المحلية وسينما الشعب الصيفي، فضلاً عن سينما أخرى ضمن متنزه الناصرية، وهذه الأخيرة محدودة العروض ولم تستخدم كثيراً كونها سينما مكشوفة وتعود لدائرة البلدية، وجميع هذه الدور أغلقت وتحول بعضها الى مزاولة نشاطات مختلفة منها تحولت الى مخازن لمختلف البضائع وأخرى مرائب للسيارات.

المواطن محمد حسين، مؤجر محل صباغة في المبنى السابق لسينما الاندلس بيّن أن ذاكرة اهالي الناصرية تحتفظ بذكريات جميلة عن دور السينما وبشكل خاص سينما الاندلس التي تحولت حالياً الى كراج للسيارات ومحل للصبغ. مبيناً: أن موقع السينما المتميز كان ملتقى للشباب والأهالي وقد كان للسينما دور كبير في ترفيه وتوعية الناس من خلال عرض العديد من الافلام الجيدة والهادفة. معرباً: عن أسفه للإهمال الذي طال دور السينما والذي حرمها من ممارسة دورها التوعوي.
وطالب المواطن محمد حسين: بأن تُعاد امجاد دور السينما حتى لو اضطر أن يتخلى عن محله الذي هو جزء من المبنى السابق لسينما الاندلس، مستذكراً ما كانت تعرضه السينما من افلام عراقية وعربية وهندية وامريكية واوربية. موضحاً: أن سينما الاندلس ودور السينما الأخرى كانت متنفساً ومرفقاً ترفيهياً لأهالي الناصرية وحالياً هم يفتقرون لذلك.
ونوّه , الى أن المدينة التي تفتقر الى الاماكن الترفيهية ووسائل الراحة تختنق بأهلها. مؤكداً: أن الحكومة والتجار اخذوا يتوجهون نحو تحقيق الربح المادي السريع حتى وأن كان ذلك على حساب الأبنية الثقافية والتراثية.
ومن جانبه قال المواطن حيدر حسين , إن الإهمال طال جميع الجوانب الثقافية والترفيهية في المحافظة فلا مسرح ولا سينما ولا مدن ترفيهية كالتي نشاهدها في كل دول العالم. مضيفاً: أن الحكومة المحلية لو كانت جادة فعلاً في مشروع احياء السينما، فبإمكانها اعادة سينما بهو بلدية الناصرية التي كانت تشهد تقديم افضل العروض السينمائية إبان ثمانينات القرن الماضي بدلاً من استخدامها للاحتفالات الرسمية وندوات الأحزاب.
فيما نوّه الموظف الحكومي محمد جواد، الى دور صالات السينما في بناء العلاقات الاجتماعية إذ عدّه فسحة تعارف بين العوائل خاصة الطبقة الوسطى. مؤكداً: أن اختفاء دور السينما كان بسبب الحصار الاقتصادي لكنه تحول الى سياسة ممنهجة تهدف الى محوها من الذاكرة الاجتماعية. لافتاً: الى أن هناك جيلاً كاملاً من الشباب خاصة تولد التسعينيات من القرن الماضي لم يحظ بدخول صالات السينما والاستمتاع بطقوسها اللذيذة .

الناشطة المدنية شذى القيسي، وهي تستذكر اللحظات الجميلة التي كانت تقضيها الأسرة العراقية في متابعة عروض الأفلام بصالات دور السينما ذكرت أن العروض السينمائية كانت جزءاً من وسائل الترفيه للعديد من الأسر في محافظة ذي قار، حيث كانت العوائل ترتاد السينما لمشاهدة الافلام في اجواء اجتماعية رائعة. مشيرة: الى أن ارتياد العوائل للسينما كان فرصة لتعارف الأسر فيما بينها واحياناً يتطور هذا التعارف حتى يصل الى الخطوبة والمصاهرة والزواج فيما بعد. مشددة: الجميل بالأمر أننا كنا نرافق اهلنا الوالد والوالدة والجد والجدة لمشاهدة تلك الأفلام لاسيما التأريخية والاجتماعية. وتلفت القيسي: الى أن اغلاق دور السينما وقلّة العروض المسرحية حرما الأسر الذيقارية من فسحة مهمة للترفيه والتعارف بين العوائل. متابعة: أن السينما واحدة من الوسائل التربوية المؤثرة في المجتمع، شأنها شأن وسائل الإعلام الأخرى. وخلصت القيسي الى القول، أن السينما كانت تنمّي الذوق الفني والوعي الثقافي وتخلق فسحة للترفيه فضلاً عن دورها في تعزيز التواصل الاجتماعي بين افراد المجتمع.
وأعربت القيسي عن خشيتها من تعذر احياء السينما واعادة هذا الطقس الثقافي والترفيهي في ظل الظروف الراهنة التي يسودها التزمت والتطرف الديني. مشددة: نحن بحاجة إلى توعية وتثقيف لشبابنا من الجنسين لاسيما وأنهم حرموا من متعة مشاهدة الأفلام العالمية التي تحوي مضامين اجتماعية وثقافية مهمة. منوهة: الى أن دور السينما كانت تتفق حتى مع إدارات المدارس وتبيع لها بطاقات دخول للطلاب بأسعار مخفضّة لغرض تشجيعهم على مشاهدة افلام ذات مضامين اجتماعية وتربوية هادفة.

وعن ابرز العروض السينمائية التي شاهدتها ولازالت عالقة في ذهنها، قالت القيسي إن،  من ابرز الافلام التي لازالت عالقة في ذهني هو فيلم “حرب الجزائر” والذي عرض في سينما الاندلس، حيث شاهدته كل عوائل الناصرية تقريباً وتم عرضه لعدّة ايام. متابعة: وفيلم “أم الهند” حيث تخرج النساء بعد نهاية الفيلم بعيون متورمة من شدة البكاء على احداث الفيلم، وكذلك اتذكر افلام الكوميديا التي كان تجذب رواد السينما، مثل افلام الممثل الفرنسي لويس دي فونيس وافلام إسماعيل ياسين، فضلاً عن الافلام العراقية مثل فيلم “الحارس” وفيلم “المنعطف”.

وبشأن مشاريعهم في احياء دور السينما ومتعة المشاهدة، بيّن الناقد السينمائي: على مستوى شخصي قمنا بتأسيس (منتدى أصدقاء السينما) عام 2006 بصحبة عدد من الأصدقاء والمهتمين، وجرى عرض عشرات الأفلام العالمية المتميزة، فضلاً عن تقديمها بورقة نقدية وفتح حوارات مع جمهور العرض. مضيفاً: حالياً العروض السينمائية في المنتدى مستمرة لكن بوتيرة اقل لأسباب عدّة، من بينها انعدام وجود قاعة عرض مناسبة. موضحاً: لم نتوقف رغم كثرة المعرقلات فعملنا على فتح نافذة عرض أخرى من خلال مركز كوديا للثقافة والفنون والتي اشرف فيها شخصياً على أنشطة ركن الفيلم، حيث عرضنا عدداً من الأفلام القصيرة العراقية واستضفنا مخرجيها، بالإضافة إلى عرض أفلام عالمية مختارة.
واسترسل ثامر: على صعيد آخر هناك حراك سينمائي ملحوظ لدى الشباب، وان غلبَ الحماس والاستسهال على بعضه لكن ثمة محاولات يمكن لها لو نضجت بشكل أفضل أن تسفر عن انجاز فني جيد. متابعاً: في نطاق أوسع يمكن القول إن ثمة حركة ناشطة لإنتاج الأفلام العراقية القصيرة التي حقق بعضها حضوراً طيباً في المهرجانات السينمائية، وهي بحاجة إلى دعم أوسع من قبل المؤسسات المعنية وكذلك تفعيل البنى التحتية الثقافية (الكليات والمعاهد الفنية) التي تسهم في خلق سينمائيين شباب طموحين يمكن أن يعيدوا للسينما حراكها المنشود. وفيما يخص التحرك الحكومي من قبل الجهات المعنية بيّن الناقد السينمائي احمد ثامر: أن ما لا يمكن إغفاله هنا أن الحكومة والمؤسسات الثقافية المعنية ذات العلاقة ليست مهتمة بتاتاً بالشأن السينمائي، وربما ثمة من يصر على أنه ترف ثقافي أو أن السينما بدعة محرمّة تفسد عقول شبابنا.

 

 

مقالات ذات صله