رد المطلقة في ساعات على أيدي (…).. هكذا تروج بعض إذاعاتنا للسحر والشعوذة.. ماذا ننتظر من إعلامِ يسطح العقول؟

بغداد ـ لميس عبد الكريم

قبل ان نغوص في موضوعة السحر والشعوذة يجب ان تكون لنا نظرة سريعة على عبرة مرت في حياة النبي يوسف والتي  تَصلُح قاعدة في جميع الأزمان ..عندما سُجن النبي يوسف مع احد حاشية عزيز مصر تناسى يوسف وهو نبي الله ان يطلب رحمة الله اولاً فقال لصاحبه في السجن أذكرني عند ربك -ويقصد عزيز مصر- وكان لهذه الغفلة أثر كبير وغضب شديد من الله تعالى فلبث يوسف في السجن بضع سنين بعد أن انساه الشيطان ذكر ربه .. والقصد في هذه الحكاية مهم أكثر مما نتصور , مفاده : مهما بلغ قربنا من أصحاب النفوذ ومهما وهب الله البشر من إلهام وقدرة لا يجوز ان نلتجأ الا لسواه , الله وحده من يملك مفتاح كل شيء وكل ما دونه عاجزون.

لكن لو جئنا الى الحقيقة فلا يوجد مجتمع ما خالٍ من الفئات التي تؤمن بالسحر والشعوذة وليس من الممكن إنكار حقيقة وجودها في حياتنا وكذلك اعتراف بعض النصوص القرآنية بها وبتأثيرها لكنها تبقى خبثاً وشعوذة يأمرنا ديننا بالابتعاد عنها , وهذا يشير الى ان وجودها في مجتمع ما ليس بالشيء الغريب لكن ان يروج الإعلام لثقافة الشعوذة فهذا ما ينذر بخطر وشيك سيلحق بالمجتمع , ليس هناك شيء اشد خطرا من إعلام يتبنى خطاباً ساذجاً يسطح العقول ويدفعها اكثر نحو الهاوية في حينِ ان رسالة الإعلام الحقيقية هي التوعية والتثقيف والابتعاد عن هكذا خرافات تؤدي بالناس الى التهلكة وتدعهم عرضة للوقوع في  فخ الاحتيال .

اليوم وانا في طريقي الى العمل سمعت إحدى الإذاعات المحلية تروج لنصاب يدعى (ٍ س ) ولا أحبذ ذكر اسمه كي لا نقع في الوحل ذاته, تقول هذه الإذاعة في خطابها انه “سحار” فريد من نوعه كان خارج العراق وعاد الى الوطن حاملاً في جعبته العديد من الحلول ولديه قدرة على ردّ المطلقة الى زوجها في غضون ساعات فقط وغيرها من العروض الساذجة التي يسوقونها على حساب عقول البسطاء والمتعبين , الى جانبي في الطريق رجل يدعى ” أبو علاء” علق على عرض الطلاق ساخراً بقوله , كيف يردها بساعات اذا كانت إجراءات المحكمة وحدها تستغرق شهرا!

من هذا المنطلق بحثنا اكثر في موضوعة السحر والشعوذة التي اخذت تتنامى يوماً بعد آخر ..وغصنا في رأي الشريعة في هذا الموضوع ومدى مقبوليته اجتماعياً ..

أسباب اللجوء إلى السحر والشعوذة:

هناك أسباب عديدة تدفع الفرد إلى الالتجاء بالساحر أو المشعوذ لقضاء حاجاته ومآربه التي استعصى عليه قضاؤها، ناسياً بذلك أنه لم يؤمن بقدرة الله عز وجل على حل مشاكله، وإلا لكان لجأ إليه فهو الملاذ والملجأ الوحيد القادر على كل شيء سبحانه.

فلا شك أن الإنسان يمر بفترات يضعف فيها إيمانه ويستخف بوعد الله ولا يرى فيه سوى مجرد كلام أو أحاديث يضمها مصحف أو كتاب ديني، ويعد نفسه غير معني بوعده سبحانه ووعيده، وضعف الإيمان يؤدي حتماً إلى تصغير حرمات الله والتحقير من شأن المعاصي والزلات، فلا غرو أن يتجرأ هذا الضال على ارتياد أماكن الإثم وعلى اللجوء إلى مَن دون الله سبحانه وتعالى لبلوغ أهداف دنيوية آنية ورخيصة، ومنهم السحرة والمشعوذون.

أسباب نفسية وتربوية:

مثلاً , الميل العظيم إلى الشهوات: فطريق الشهوات وسبيل الهوى لا آخر ولا شاطئ له. هذا الانحراف الخطر يصور الحق للإنسان باطلا، ويصور له الباطل حقا، ومنه اللجوء إلى خدمات الساحر والمشعوذ ضاربا عرض الحائط بوعيد القرآن الكريم وبما جاء في السنة النبوية، لا يهمه سوى بلوغ المرمى ونيل المراد ولو بأخس الطرق وأحقرها.

– النفس الأمارة بالسوء: إذا انقاد لها الإنسان سهل عليه ارتكاب كل الآثام بمساعدة من الشيطان نفسه الذي يأمره بالفحشاء ويزين له طريقها وييسر له الوصول إليها. قال تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الآية.

وهناك أسباب اجتماعية أيضا تكون بمثابة الدوافع الحقيقية للإقبال على المشعوذين والسحرة مثل: الأمية والجهل والتخلف الحضاري والحسد الاجتماعي وغيره، غير أن المقام هنا لا يتسع لبسطها.

ويستعمل السحرة والمشعوذون مواد غريبة وخطرة لتركيب خلطاتهم ووصفاتهم السحرية، ومنها: أظفار الهدهد وشعر القط الأسود ومخ الذئب أو الضبع ويعطى عادة للزوج حتى ينقاد ويصير طيعا أمام المرأة، ولسان الحمار. وأيضا معدات غسل الميت مثل الصابون والمنشفة، ويستعمل أيضا الماء الذي يغسل به الميت في تحضير عمل سحري، لهذا نجد أحيانا كثيرة حرصا واضحا من أهل الميت على أن لا تقترب النساء من الماء الذي غسل به الميت، بل هناك من السحرة من ينبش في القبور ليأخذ يد الميت وبواسطتها يحصل على مراده..

أما التوابل فالحرمل يرمز إلى المحبة وكذلك الحناء. أما الصور الفوتوغرافية فتخص التفرقة أو الجمع بين زوجين أثناء عملية السحر، والهدهد يرمز إلى المحبة، والمرآة تهم الربط أثناء المعاشرة الزوجية، والشموع السوداء ترمز إلى التفرقة بين الزوجين، وغير ذلك.

ـ الآثار الشرعية:

“وقاطع رحم ومصدق السحر” (رواه الإمام أحمد) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله و سلم: “من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا فقد وكل إليه” (رواه النسائي).. إن الساحر والمشعوذ يجعل الله العقوبة له في الدنيا قبل الآخرة. يقول تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} آية 21 من السجدة.

أخيراً

يلزم التأكيد على أن النفوس تختلف، فهناك نفوس شريرة وأخرى خيرة، وهي تتصارع فيما بينها. فهو صراع بين الحق والباطل، والسحر والشعوذة من الباطل. لكن الإسلام أعلن حربا بلا هوادة على السحر، ووفر سبل علاج المسحور بذكر الله وبالرقية وقراءة القرآن للوقاية من خطر السحر.

لنلجأ إلى الله في شدتنا ورخائنا، ولنحذر السحرة والمشعوذين.

 

مقالات ذات صله