رحلة لإستكشاف ثنائية الفلسفة والحب في الأدب العالمي

هكذا تبدأ مقدمة الكتاب الذي يحمل اسم المقال (الفلاسفة والحب)، المطبوع على غلافه صورة فريدريك نيتشه وحنة أرندت، وتحتهما صورة لجان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، كأن كل اثنين منهما يتطلعان لشيء ما بينهما، لا يمكن لمسه. يطرح الكاتبان ماري لومونييه وأود لانسولان أفكارهما في المقدمة: مع كون الحب الظرف القدري للسعادة عند غالبية البشر، والعنصر الدائم لكل أشكال الدراما الأدبية، إلا إنّ الفلاسفة قد أثاروه بتحفظ يشبه من يدخل إلى قفص الأسد ويخشى أن يؤكل
حياً.
قد نستطيع أن نعطي بعض التفسيرات لما نلاحظه، فقد نفهم أن الفلاسفة يطالعون تلك العاطفة الغربية بكثير من التعقل لأنهم مشغولون بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية العقلية، فيما يؤدي الحب بالإنسان للموت كمداً. الحب يبدو مقاوماً لكل أشكال العقلنة.
وهو ما يسمح بفهم الارتياب الذي يسببه هذا الشعور للفلاسفة. فالحب مقترن بالرثاء والحوادث الغامضة والرواسب النفسية، وكلّها أمور لا تشرق عليها شمس العقل، لذا فالحب لم يكن ليمثل موضوعاً عند الفلاسفة.
ولا يجب أن ننسى أبداً أن الخطاب الفلسفي مكتوب بأيادٍ ذكورية باستثناء حنة أرندت وسيمون دو بوفوار، لم تظهر أخريات غيرهن في حالة فلسفية خالصة، لذا فلا داعي للتعجب إذا لم نسمع في هذا الكتاب سوى نصف البشر. وقد يكون من المغالطة اعتقادنا بإمكانية استخلاص اتفاق بين الفلاسفة حول مسألة الحب.
قل لي كيف تحب أقل لك من أنت. فهناك العديد من أنواع الحب، نزوة الأيام المعدودة، الاستلاب المقيّد، الفتور المستمر، الجموح الخاطف، الاعتياد البارد.. ولم يفلت الفلاسفة من كل تلك الأنواع، مما يتيح عيّنات استعراضية لكل تلك
السلوكيات.
في فهرست الكتاب ستقرأ أسماء عشرة فلاسفة ذكور، وفيلسوفتين، وهم أفلاطون، لوكريس، مونتاني، جان جاك روسو، إيمانويل كانط، آرثر شوبنهاور، سورين كيركيجارد، فريدريك نيتشه، مارتن هايدجر وحنة أرندت، جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. وبالطبع بين طيّات الصفحات غيرهم تقاطعوا أو التقوا بأفكارهم مع أولئك. وسنلّخص الآن قدر الإمكان فلسفة بعضهم بما يسمح المكان، ممن تفرّدوا بسلوكياتهم في الحب:
أفلاطون: أنشودة الحب
نحن نحبّ كي نصبح مكتملين. البشر كانوا مخلوقات بأربعة أرجل وأربعة أذرع ووجهين. ولكنهم أغضبوا الآلهة، فقام زيوس بتقسيمهم إلى اثنين. فعاش البشر مشوهين وهم أنصاف، فبحثوا عن أنصافهم الأخرى ليتحدوا معها.

آرثر شوبنهاور: اغتيال الحب
الحب خدعة للتكاثر، وفخّ الغريزة الجنسية. نحن نعتقد إن شخصاً آخر بإمكانه إسعادنا، ولكنه يعتقد بأننا على خطأ. فالطبيعة تخدعنا لكي نتكاثر والطفل هو هدف الجنس البشري، الذي يصبح فيما بعد قبر زوجين كانا حبيبين.

سارتر وسيمون دو بوفوار:
حرية الحب
تعتقد سيمون إنّ الحب هو رغبتنا بالاندماج بآخر، وبهذا تمتلك حياتنا المعنى. تقول بأن مشكلة الحب التقليدي بكونه يستحوذ علينا تماماً فنجعل منه السبب الوحيد في وجودنا، ثم الاتكال على الآخر لتبرير وجودنا. ولتجنب هذا الفخ تقترح بأن علينا أن نحبّ بواقعية، علاقة شبيهة بصداقة عميقة، فيتعاون الاثنان في رحلة اكتشاف ذاتيهما، وتخطي حدود نفسيهما، فتتحسن معاً حياتهما والعالم. يمكن وصف لقاءها بسارتر بأي شيء سوى صاعقة الحب. فوضعا الاتفاق الشهير بينهما الذي يقضي بالحرية الجنسية والعاطفية. عبّرت دوبوفوار عن ذلك قائلة:”لقد شرح لي الأمر أن ما بينهما هو حبّ ضروري، وقد يكون من المناسب أن نمر بحب عابر”. ثم فجأة: “دخلت سيمون اللعبة وقبلت بتلك الحرية وحافظت عليها، وكنت أبلهاً بما يكفي لئلا أتأثر بذلك”. يخبرنا سارتر.

فريدريك نيتشه:
الحب بضربة المطرقة
يدين الفيلسوف الدعوة إلى العفة، كونها تحريضا علنيّا نحو الطبيعة المضادة. ويقول ليست الشهوة سماً إلّا بالنسبة للذابلين الذين يحتقرون الجسد والمصابين بهذيان الحياة الأخرى. وبحسب نيتشه فإن اخصاء العواطف الذي ينادي به كل ديناصورات الأخلاق عملٌ إجرامي. فكل حب عظيم يجد أصله في الحسيّة. أما رأيه في الزواج فيختصر بعبارته “إنّ ما تسمونه حباً هو عبارة عن الكثير من لحظات الجنون القصيرة، ويضع زواجكم نهاية للحظات الجنون القصيرة الكثيرة تلك ويستبدلها بغباء طويل الأمد”.

 

آراء الفلاسفة العالميون

نجيب محفوظ هو واحد من أهمّ الأدباء المصريين وأشهرهم، لكن محفوظ في الواقع متخصص بالفلسفة، وله الكثير من الإضاءات في هذا الموضوع، وفي مقال له عن الحب والفلسفة نشره في مرحلة شبابه، ذكر فيه بأنّ الفلسفة هي عبارةٌ عن علم الوجود الذي لا يمكن تحديده، أو بمعنى آخر هو يعتبر الفلسفة علم كلّ شيء، وتحديداً هي علم القوانين العامة التي تعمل على تسيير كافة الأمور والأشياء، وأطلق على الفلسفة اسم (علم العلوم)، وقد تناول محفوظ في مقاله الفلسفي أبسط الآراء وأكثرها جدليةً وتعقيداً حول مفهوم الحب، من خلال الحوار والمناقشة، إضافةً لتفنيد الضعيف منها، والتركيز على ما يُعتقد في صحّته من منطلق مبدأ عدم وجود أي تصوّرٍ ذاتي أو حقٌ واقعٍ غير قابلٍ للنقاش. يرى محفوظ بأنّ لكلّ جزءٍ في أي علاقةٍ فلسفيّة تامة، وتحلّل بمعنى اللقاء أو الفراق من خلال طريقة المعاملة أو الصور، إضافةً للصداقة التي تتولد عنها مشاعر أخرى، ويظهر هذا الأمر الحجم العام للمفهوم المُراد معرفته في سبيل الوصول إلى مفهومٍ أوسع وأشمل عوضاً عن تحويله لمادة للسخرية. عالم الأنثى هو الملاذ الواسع للفلاسفة في عمليّة الاسترخاء والبحث، وعلى الرغم من هذا لم يمتنع البعض من أخذ هذا الموضوع بسخريةٍ من قبل الفلاسفة في العديد من المواضع، ومن الأمثلة عليها ما قاله سقراط: (تزوّج يا بني فإن وُفِقتَ في زواجِك عِشت سعيداً، وإن لم تُوّفق أصبَحتَ فيلسوفاً)، وهذا الأمر يثير تساؤلاً هو: هل يُمكن أن تكون تحليل تلك السخرية بأن الفلسفة تنتج عن الفشل في العلاقات؟ من المعروف بأنّ الفلاسفة هم من أبرع البشر تعاملاً في علاقات الحب، لكن بعد النظر إلى قول سقراط فإنّه أصبح من الصعب معرفة إن كان الفلاسفة من أكثر البشر معرفةً بالحب، أم من أقلهم معرفةً بتحليل الحب فلسفيّاً. خاصةً أنّ هناك آراء عدّة ومتفرّعة عن القدرة الكامنة في فلسفة الحب، أو اعتبار الحب جزءاً من هذا العلم، وقد وضع كلّ واحد من الفلاسفة تفسيراته الخاصّة في تقييم وتحليل هذا النوع من العلاقات أو المشاعر، وعلى هذا الأساس اعتُبِرَ بأنّ الفلسفة تمُرّ بأزمةٍ مرحليّة لفقدانها السيطرة على توفيق الآراء بين كافة الفلاسفة، إضافةً لتعدّد المدارس المُعتمدة في هذا الشأن. أمّا في عصرنا الحديث فقد صرّح عددٌ من الفلاسفة بعد قيامهم بإجراء مجموعة من الدراسات تمّ تقديمها لمركز البحوث والدراسات الأميريكيّة، بأنّهم لم يتمكّنوا من تحديد ماهيّة دور الفلسفة في الحب، والسبب هو تعدّد الرؤى واختلافها، وذلك بعد الاطلاع على الكثير من الطروحات المقنعة في غالبيتها، الأمر الذي يجعلهم يضعون أنفسهم أمام أزمةٍ فلسفيّة، ومدى دورها في تحديد العلاقات البشريّة،

مقالات ذات صله