رائدات في الرواية العربية .. بين التبلور واللمسات الأنثوية الأولى !

بغداد_ متابعة

في محاولة لمراجعة تاريخ الرواية العربية انشغل بعض الباحثين بسؤال “ما هي أول رواية كتبت في الأدب العربي ؟”.. وأخذ عدد منهم على عاتقه إثبات أن رواية (زينب) لـ”محمد حسين هيكل”، التي صدرت عام 1914 باسم (فلاح مصري), لأن صاحبها خجل أن يكتب اسمه عليها، ليست هي أول رواية في الأدب العربي، كما أكد مؤرخو الأدب ورسخوا لذلك ومنهم الكاتب المصري “يحيى حقي” الذي اعتبرها أول بداية حقيقية للرواية لأنها مكتملة فنياً، وأنكر كل ما كتب قبلها، كما اعتبر الباحث المصري “د. عبد المحسن طه بدر” أن كل ما كتب قبل رواية (زينب) محاولات للتسلية والترفية وأنها محاولات غير مكتملة فنياً.

فيما ذكر في مقالة له الباحث الجزائري “الطيب ولد العروسي” مدير مكتبة معهد العالم العربي بباريس أن رواية (حكاية العشّاق في الحبّ والاشتياق) لمؤلفها الجزائري “محمد بن إبراهيم” التي صدرت في 1847، هي الرواية الأولى وفقاً لتاريخ صدورها.

سعت الباحثة السورية “بثينة شعبان” في كتابها: (مائة عام من الرواية النسائية في العالم العربي), إلى إثبات دور المرأة في مرحلة بداية كتابة الرواية العربية، مؤكدة على أن أول رواية هي للكاتبة  اللبنانية “زينب فواز” والتي صدرت عام 1899 باسم (حسن العواقب)، وتبعتها رواية لـ”عفيفة كرم”، مشيرة إلى أنه قبل عام 1914 كان هناك ثلاث عشرة رواية عربية نسائية قد صدرت، كما استنكرت “بثينة شعبان” في كتابها تجاهل مؤرخو الأدب لجهود المرأة في كتابه الرواية، حيث أن كثير من النقاد يعتبر “توفيق الحكيم” في رواية (عصفور من الشرق) هو أول من ناقش علاقة الشرق والغرب وحساسية هذه العلاقة، وأتى بعده كتاب آخرون حيث وصلت هذه العلاقة قمتها في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، في حين أن الروائية اللبنانية “عفيفة كرم”, والتي كانت رئيس تحرير جريدة (الهدى) في نيويورك, أصدرت رواية بعنوان (بديعة وفؤاد)، 1906, وهي أول رواية تناقش علاقة الشرق بالغرب بأسلوب روائي محكم، بينما رواية (عصفور من الشرق) صدرت في الثلاثينات.. إي أن ذلك يؤكد على أن المرأة العربية هي التي بدأت وكتبت وساهمت في تطوير كتابة الرواية، وقد أحصت “بثينة شعبان” 13 رواية نسائية ظهرت قبل رواية (زينب) أبرزها: (قلب الرجل) لـ”لبيبة هاشم”، و(حسناء سالونيك) لـ”لبيبة ميخائيل صوايا”، و(بديعة وفؤاد) لـ”عفيفة كرم”, وقد نشرت هذه الرواية في حلقات مسلسلة على صفحات جريدة (الهدى) في نيويورك.

كما وتتبعت “بثينة شعبان” إبداع المرأة الروائي طوال مئة عام, مؤكدة على أن “انبثاق المرأة الجديدة”، جاء مع أعمال ظهرت في خمسينيات القرن العشرين، على يد “أمينة السعيد” (الجامحة)، و”كوليت خوري” (أيام معه)، و”ليلى بعلبكي” (أنا أحيا)، ففي هذه الروايات وغيرها، محاولة لتلمس انعطافة جديدة في كتابات المرأة، حين بدأت تطرح ذاتها علانية وتطالب بالمساواة بين الجنسين في اعترافات حميمة وجريئة.

لا أدري لما هذا الهاجس نحو إثبات أسبقية من كتب أول رواية.. وأراه هاجساً غير مناسب, كما أن الباحثون أنفسهم لم يتفقوا حتى الآن حول ما هي أول رواية في الأدب العربي، فكل باحث يسقط معاييره وتفضيلاته الأقرب إلى الذاتية على الرواية التي يراها أول رواية في تاريخ الأدب العربي، وبمزيد من البحث نكتشف أن حتى رواية “زينب فواز” سبقتها روايات عدة كتبها كتاب رجال ونساء، وذلك لأنه في منتصف القرن التاسع عشر بدأت حركة نهضة فكرية وأدبية, حتى قبل وصول الحملة الفرنسية إلى الشرق والتي ينسب لها الفضل في بدء حركة نهضة فكرية في الدول العربية.

زينب فواز..ولدت في قرية تبنين بجنوب لبنان، وقد اختلف حول تاريخ ميلادها، ما بين 1840 حتى1860، ولدت وسط أسرة بسيطة والتحقت بخدمة زوجة الأمير “علي الأسعد”، وتعلمت القرآن الكريم، تزوجت مرتين وطلقت، انتقلت مع أبيها للعيش في الإسكندرية بمصر، ثم تعلمت الصرف والبيان والعروض والتاريخ على يد “علي حسن الطويراني” صاحب مجلة (النيل), الذي اكتشف موهبتها ونشر لها الكثير من المقالات بعد ذلك، كتبت مدافعة عن حرية المرأة وعن القضايا العامة والوطنية، وماتت في 1914 في منزلها بحي السيدة زينب بالقاهرة.

ولقد قدمت “زينب فواز” روايتها وذكرت أنها رواية، ولقد طبعت بمطبعة هندية بشارع الهدى بالأزبكية، دارت في 230 صفحة، وهي رواية تاريخية اجتماعية بها مسحة رومانسية، تدور أحداثها حول الصراع بين الأميرين “تامر” و”شكيب” على حكم منطقة جبل شامخ, وهما ابنا عمومة، وكان “تامر” مصدراً للانحطاط الأخلاقي والسلوكي، بينما الأمير “شكيب” اتصف بالنزاهة والحكمة، وقد سعى “تامر” إلى الحكم عن طريق توثيق علاقته بابن عمه الأمير “عزيز” كبير العائلة, وطلب أن يتزوج شقيقته الصغرى “فارعة”, التي تحب ابن عمها الأمير “شكيب”، ويرحب “عزيز” بتامر لكنه يشترط أخذ رأيها في امر الزواج, لتؤكد بذلك “زينب فواز” على حرية المرأة في اختيار شريك حياتها, فتقول على لسان عزيز: “فإذا قبلت كان ذلك بغيتي وإذا امتنعت فليس لي أن أكرهها على ما لا تريد، لأنها ذات عقل وكثيراً ما اعتمدت عليها في أموري الخصوصية المهمة، وأمر الزواج أمر مهم عليه مدار حياتها”.

 

لبيبة هاشم.. “لبيبة بنت ناصيف ماضي” ولدت 1880 في كفرشيما بلبنان، وهي صحافية وكاتبة لبنانية، تعلمت في مدرسة راهبات المحبة، ثم التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت، وجاءت إلى مصر بصحبة شقيقيها، وهناك تعرفت إلى الكاتبة “وردة ناصيف اليازجي”، صاحبة ديوان (حديقة الورد)، وأخيها الشيخ “إبراهيم اليازجي” فدرست علي يديه اللغة العربية، وكان يشجعها على الكتابة، فأصدرت مجلة (فتاة الشرق) عام 1906 وحتى عام 1939, ولم تُعرف مجلة نسائية قبلها, ونشرت مقالاتها في مجلات: (أنيس الجليس، والضياء، والمقتطف، والمجلة المصرية).

عينتها الجامعة المصرية ما بين عامي 1911 : 1912 أستاذة في القسم النسائي، حيث كانت تلقي محاضرات في التربية، زارت دمشق في عام 1919، حيث كلفتها الحكومة العربية (حكومة الملك فيصل الأول) بوظيفة التفتيش في وزارة المعارف، وهو منصب رفيع لم يسبق لامرأة عربية أن حازت عليه.

سافرت إلى جمهورية تشيلي في أميركا الجنوبية سنة 1921, وأصدرت في مدينة “سنتياغو” مجلة (الشرق والغرب) في سنة 1923، ثم عادت إلى مصر في السنة التالية، واستأنفت إصدار (فتاة الشرق) حتى وفاتها.

وتعد رواية (قلب الرجل) رواية اجتماعية, تبدأ حوادثها في لبنان أثناء فتنة عام 1860، أظهرت فيها الكاتبة خداع الرجل في مقابل معاملة المرأة الطيبة، فقد دافعت بشكل صريح عن المرأة، حيث تعتبر “لبيبة هاشم” في طليعة النساء اللاتي كان من أهم أهدافهن في الحياة  التصدي للدفاع عن حرية المرأة الشرقية وحقوقها، وكانت مجلتها (فتاة الشرق) أحد أهم وسائلها لتحقيق ذلك الهدف.

يقول الروائي المصري “علاء الديب” عن رواية (قلب الرجل), وقد أعید إصدارها في سلسلة “رائدات الروایة العربیة”: “العمل روایة قصیرة مشوقة، تقع في نحو 150 صفحة وواحد وعشرین فصلاً متسارعة وممتعة. الحكایة التي ترویها (قلب الرجل) ترجع إلى زمن الفتنة الأهلیة القدیمة التي مرت بها لبنان 1860. لم تسرد الروایة تاریخاً ولكنها خلقت عالماً تتشابك فیه مصائر عدد من الشخصیات، تدخل في صراع روائي یجسد الحالة الاجتماعیة والنفسیة واللغویة، في وقت حساس وذي دلالة سیاسیة واجتماعیة خاصة في علاقات هذه المنطقة “لبنان ـ سوریا ـ مصر”، هي الساحة التي تتحرك فیها الشخصیات التي تسافر إلى فرنسا وانكلترا، وتدخل في علاقات متشابكة مع القیم والذوق والمعاییر الشرقیة والغربیة. الروایة تخرج من قلب هذا الصراع الشرقي الغربي”.

عفيفة كرم.. عفيفة بنت يوسف ميخائيل صالح كرم”، ولدت في 1883 بعمشيت بلبنان، رحلت مع زوجها إلى أميركا، وأصدرت مجلة (العالم الجديد) لسنتين، كتبت عدة روايات وهي في سن العشرينات، منها: (بديعة وفؤاد”، فاطمة البدوية، غادة عمشيت).

قام الناقد المغربي “سعيد يقطين” بإعادة نشر رواية (بديعة وفؤاد), حيث عثر على نسخة من طبعتها الأصلية الصادرة عن مطبعة جريدة (الهدى) اليومية في نيويورك، في المكتبة الوطنية بالرباط، وصدرت الرواية ضمن منشورات “الزمن”, بعد مرور مئة عام على صدور طبعتها الأولى. قدم “سعيد يقطين” الرواية موضحاً أن الروائية “عفيفة كرم”, “بذلت مجهوداً كبيراً في بنائها وتنسيق مكوناتها وانسجام فصولها من نقطة البداية حتى النهاية. وقامت بعمل هام في تشكيل عوالم الشخصيات، وتقدمَت بالتدريج في تكوين ويواصل عن براعة الرواية، فهي رواية متكاملة البناء تتميز بلغتها المتينة وثقافة صاحبتها الغزيرة ووعيها المبكر بالفن الروائي وخصوصيته”.

 

الرواية قسمت إلى 44 فصلاً، تبدأ بوقوع “فؤاد” في غرام “بديعة”, والحيل التي ستقوم بها أمه وابن خالته للتفريق بينهما ومنع زواجهما. لكن “بديعة” ستهاجر إلى أميركا حيث ستعاني من الغربة. وعند وصول “فؤاد” وابن خالته إلى أميركا، ستستمر المكائد, لكن ستنتهي الرواية نهاية سعيدة بزواج “بديعة” و”فؤاد” بعد عودتهما إلى الوطن. في مقدمة روايتها التي أسميت وقتها (النسائية الغرامية) تهدي “عفيفة كرم” العمل لمدير جريدة (الهدى) الذي ساعدها على نشر أفكارها على صفحات جريدته، وكان له دور في منحها فترة تفرغ لكتابتها التي امتدت لستة أشهر.

 

مقالات ذات صله