ديون نهاية الشهر … شعار يرفعه الموظف لقلة الرواتب وكثرة مستلزمات المنزل 

بغداد_ فاطمة عدنان

باتت مستلزمات الحياة اليوم صعبة من كافة نواحيها ولاسيما الأشخاص المرتبطين بأسرة والأطفال , حيث ينتظر الجميع نهاية كل شهر لتسديد الديون التي باتت تهرق كاهل الموظف ناهيك عن احتياجات المرأة الموظفة التي لاتعد ولأتحصى.

خالد عطية يقول إن راتبه “لا توجد فيه البركة “، فهو تسلمه باليمين ويطيره بالشمال. ويتعجب خالد من سرعة ضياع الراتب على رغم انه ليست لديه أقساط لتسديدها. وعن السبب يضيف: السبب يعود إلى ارتفاع أسعار سلع مستلزمات الحياة، فذهابي إلى السوق مرتين فقط، ومثلهما الى احد الأماكن الترفيهية بصحبة الأبناء، كفيلة بان يصبح الراتب في خبر كان.

كما أن ارتفاع أسعار كل شيء يجعل الانسان يمد يده للاقتراض من زيد وعبيد، ويرفع شعار “دايني نهاية الشهر”. فيقترض من هذا 100 الف ومن ذاك ضعفها، وبالكاد يتدبر أموره حتى يحين موعد راتب آخر الشهر الذي تنتظره الأسرة كلها، فيمنح زوجته والأولاد مصروفهم الشهري، ومن ثم يسدد ديونه ويترك الباقي لمستلزمات البيت.. وهكذا دواليك والميزانية غير مضبوطة.

اما حسناء ياسين تؤجل كل شيء إلى آخر الشهر، لان فرحتها به لا توصف. تقول:فور تسلمي راتبي أسارع لشراء الحاجات الضرورية للمنزل وما أعجبني من عروض أجلتها إلى أول الشهر , الا أن هذه الفرحة سرعان ما تتلاشى بعد تبخر الراتب في منتصف الشهر، وبقاء مبلغ قليل بالكاد يكفي لنهاية الشهر لتعبئة بنزين السيارة، تقسمها على ما تبقى من الشهر لتستطيع أن تذهب الى دوامها ‘اللي يجيب الراتب’. ثم تنتظر آخر الشهر على أحر من الجمر.

في حين ترفع مها احمد شعار ‘لا للشراء نعم للفرجة’ إن اضطرت إلى الخروج عندما تفلس قبل منتصف الشهر، فتستمتع بالمشاهدة لا الشراء. وتضحك قائلة: أعود الى البيت وابكي على الأطلال لأني لم اشتر ما أريد. لقد أدى الغلاء وارتفاع الأسعار بشكل مستمر في كل مظاهر الحياة الضرورية والكمالية، إلى ضياع الراتب وصرفه قبل الأوان.

ويؤكد ذلك سعد حامد الذي قال: نعرف مسبقا إلى أين سيذهب الراتب قبل أن يأتي. فإيجارات السكن ارتفعت، وكذلك أسعار السلع ومصاريف الأولاد وكما نعلم ان المدارس على أبواب. جميع هذه الأعباء تزداد يوميا والراتب يسير في طريقه ونحن نودعه بحسرة وبألم، فهو الضيف الوحيد خفيف الظل الذي يودعنا سريعا، والوحيد الذي نتمنى أن يبقى طويلا ولا يغادرنا.

حمدي يصرف الراتب حتى آخره ثم يلزم البيت ولا يخرج منه الا للعمل.

أما محمد عباس ، الذي يعمل في السوق، فيقول: الناس واقعون حاليا تحت ضغط العروض المغرية. فالإعلانات المبهرة تجعل الناس يذهبون بشكل دائم الى السوق، ولكن ليس بهدف التسوق دائما، فعند تسلم الراتب تكون هناك حركة كبيرة في الأسواق، سرعان ما تتلاشى قبل نصف الشهر. وترى الكثيرين يدخلون المحلات ويخرجون منها من دون شراء أي شيء مكتفين بالمشاهدة، ربما لإفلاسهم المبكر.

نادية كاظم موظفة، وعلى الرغم من أنها غير متزوجة وغير مسؤولة عن عائلة إلا أنها تقول: بقاء الراتب الى نصف الشهر يعتبر مدة طويلة، خصوصا ان راتبي لا يبقى اكثر من اسبوع أو عشرة ايام. والانتظار الطويل للراتب يولد لدي رغبة كبيرة في صرفه فور تسلمه، فأخطط لكيفية ‘تضييع’ هذا الراتب قبل ثلاثة اسابيع من تسلمه.

وفور تسلمه أسارع إلى تنفيذ كل ما خططت له، وأستمتع بالخروج إلى المطاعم والاسواق وأشتري الملابس وغيرها.. وأقضي بقية الشهر في انتظار الراتب بلهفة. وأطلب بعض المال من والدي مرة ومن أمي مرة أخرى لشراء احتياجاتي الضرورية.

كما يصرف مصطفى عطوان راتبه بسرعة البرق، على الرغم من انه غير ملتزم أيضا بتحمل مسؤولية اسرة. يقول: نصف راتبي يطير على مصاريفي الشخصية والآخر على ‘الميكانيكية’. ويشير الى ان فرحة الراتب تزول بسرعة، لتتحول الى كابوس مزعج عند نفاده.

اما كيف يتصرف أو يقضي مصطفى بقية شهره.. وكيف يتجاوز كابوسه فرد مازحا ‘اطر مقابل الفنار’..

اما زينب جبار فترى ان راتب نهاية الشهر هو عيد الاسرة الحقيقي: تنتظر الأسرة الراتب على أحر من الجمر، وتحتفل، صغيرها قبل كبيرها، بقدومه. فيبدأ كل فرد في الاسرة بسرد طلباته الخاصة بعد انتظار طويل، ويبدأ الوالدان بجلب كل ما هب ودب من طلبات كان جرى تأجيلها بسبب حالة الافلاس. وبعد انتهاء الاحتفال البهيج في الصرف، يكون الراتب طار، فيتحول الاحتفال الى انتكاسة تواجه الوالدين اللذين يضطران الى الاقتراض من جديد من مصروف ابنائهم الشهري.

وتكمل قائلة: احدى بناتي تنتظر نفاد راتبي وراتب زوجي، وتستغل الفرصة لصالحها، حيث تقترح دعوة الاسرة إلى الغداء في الخارج من مصروفها الخاص، وتختار في الغالب المطعم الذي تحبه، وتدفع الفاتورة، ثم تقدمها لنا بعد ذلك قائلة: ‘سددوا براحتكم اخر الشهر ومن دون فوائد’.

بسبب ضياع الراتب وبعثرته قبل الاوان يضطر البعض إلى العمل دوامين أو في اعمال اخرى بعد الظهر. من هؤلاء علي رسول الذي يقول:التزامات الحياة الكثيرة ومصاريفها المرهقة والمكلفة تجعل الراتب يضيع مبكرا. كما ان غلاء الاسعار وتضاعفها بشكل كبير، خصوصا في الجمعيات التعاونية، جعل كثيرا من الاسر تضطر إلى العمل طوال اليوم من اجل توفير دخل يكفي لتوفير طلبات الأسرة طوال الشهر، لان الاعتماد على راتب واحد لا يكفي حتى لسد الحاجات الأساسية للأسرة.

وتخالفه الرأي كريمة حسين التي تقول: لو كان الراتب مليون او 500 الف فالنتيجة واحدة، لانه كلما ارتفع دخل الانسان زادت مصاريفه وبهرجته، ووجد سبيلا لصرف ماله.

في حين ترى ماجدة عدنان ان الاسرة عادة ما تصرف على الكماليات اكثر بكثير من الاساسيات، وهذا ما يجعل الراتب يطير في الهواء كالهباء المنثور، وتضيف: ثلثا الراتب يطيران في الاسبوع الاول، والثلث المتبقي ينقسم على باقي الشهر بالتساوي..

والصرف على المظاهر الاجتماعية له الدور الاكبر في طيران الراتب، لان هذه المظاهر اصبحت ضرورة في المجتمع العربي، خصوصا في ظل وجود الكثير من المناسبات كالاعراس التي تستلزم صرف الكثير على الملابس والصالونات والسوق والطعام وغيره.

كذلك اعتبرت صديقة ماجدة: ان الراتب يطير بسرعة البرق، فثلاثة ارباعه تذهب لسداد الأقساط، وما يتبقى يوزع على دفع راتب الخادمة والسائق وجزء آخر للمصروف. وسرعان ما يصبح الراتب في خبر كان واخواتها.

وقال حسنين عبد الله ان الصرف لدى بعض العائلات في الكويت غير عقلاني ويجري بطريقة عشوائية، بمعنى انه لا توجد دراسة حقيقية وعقلانية لكيفية توزيع الدخل وتحديد أولويات الاسرة ليجري الصرف بناء عليها.

اما عن كون الراتب ‘ما فيه بركة’ وأن الناس تشتكي الغلاء وطيران الراتب منذ بداية الشهر أو نصفه، فيقول:

هذا القول ليس دقيقا ويعتمد على الشخص وطريقته في الصرف. فالراتب فيه بركة لدى من يخطط بشكل سليم ويدرس امكاناته ويتصرف على اساسها، وليس فيه بركة ولو كان مال قارون اذا كان يصرف من دون تخطيط أو دراسة.

والانسان الذكي يستطيع ان يتكيف مع راتبه وظروفه فلا ينقصه شيء، خصوصا اذا اختار الاماكن الصحيحة لشراء حاجاته، فكثير من الملابس هي نفسها في المكان الفلاني بسعر خمسة دنانير أو العلاني بسعر ثلاثين دينارا.

وأكد شاكر علي ما قاله حسنين: شخصية الانسان وحكمته وحسن تصرفه هي أساس في التوفير والادخار أو ضياع الراتب.

الا أن زوجته ترى أن الرواتب تضيع بسرعة نتيجة التبذير بالإضافة الى الالتزام بالكثير من الأقساط، سواء للسيارات أو قروض البنك أو الالتزامات الاجتماعية وغيرها، التي تحمل الراتب ما لا يحتمل ويجعله يتبدد سريعا. وتضيف: كما أن الناس غالبا ما يعيشون في مستوى أعلى مما يمكن أن يوفره دخلهم بسبب مجاراتهم للمظاهر الاجتماعية، والصرف على الكشخة والمطاعم والأماكن الترفيهية وغيرها الكثير من الكماليات.

 

مقالات ذات صله