خبراء اقتصاد يحذرون الحكومة من غضب شعبي

بغداد – خاص

ضمن خطط وزارة المالية العراقية، والبنك المركزي لتغطية العجز المتوقع في موازنة 2016 الذي يمكن أن يبلغ 22 مليار دولار، لجأت وزارة المالية الى برنامج اقتراض من البنوك المحلية، والاقتراض الدولي الذي تطرحه الحكومة كحل، ومنها قرض صندوق النقد الدولي الذي وافقت إدارته في الشهر العاشر الماضي على أساس الطلب الذي قدمه العراق لاقتراض ماقيمته 1.24 مليار دولار.

ويخشى الكثير من المختصين بالشأن الاقتصادي والمالي في العراق ان تكون القروض الدولية وما يترتب عليها من فوائد تحمل البلاد أزمات جديدة وتزيد من معاناة شعبه خاصة وان مانحي القروض الجديدة من البنك الدولي قد تفرض على الحكومة رفع الدعم عن بعض الحاجات الأساسية مما يولد حالة امتعاض ورفض شعبي واسع.

ويؤكد المختص في إدارة مؤسسات الدولة في الأزمات وخريج جامعة هارفارد “علي جبار الفريجي”، في حديث خاص لـ”الجورنال”، ان الشروط المفروضة من إدارة صندوق النقد الدولي فيها جانبين – الأول “يمكن اعتبارها ايجابية من خلال فرض الاصلاحات التي تحتاجها السياسة الاقتصادية العراقية المتلكئة منذ سنوات، وتستند لجبل من التراكمات والاخفاقات والفساد”.

ويضيف “كذلك برنامج القرض يمكن أن يساعد على منح الثقة للمستثمرين الأجانب في حال قررت الحكومة العراقية المضي في طريق الإصلاحات الجدية والفاعلة، وكذلك لو تم نجاح مسألة السندات والبدء بتحسس الثبات في الأقتصادية”.

أما الجانب الآخر للشروط المفروضة على العراق من قبل ادارة صندوق النقد الدولي، فهي، حسب الفريجي “فيها محاذير ولاتخلو من المجازفة في فتح بوابة للهدر والفساد كما في تجربة الفساد في ملف برنامج النفط مقابل الغذاء قبل عام 2003″، لافتا الى وجود “صعوبة في فرض وتطبيق مثل هذه الأصلاحات التي يفرضها الصندوق بشكل مهني عالي وفي فترة قياسية في ظل واقع سياسي حزبي يسيطر على بناء مؤسسات الدولة بمبدأ المحاصصة وسوء الأدارة ومعدلات الفساد والهدر  بالتالي التلكئ والخلل في التطبيق سيزيد من الأضطربات في بناء أقتصاد العراق وسمعته الأقتصادية دولياً”.

ويؤكد الخبير الاقتصادي، ان “هناك أخفاقات ستترتب في دعم المستوى المعيشي للفرد العراقي، وتقديم الخدمات العامة، مما يشكل ثقل أضافي لما يعانيه الأن”.

وعن الحلول الاقتصادية في مواجهة الازمة، يوضح الفريجي، أنه “لايمكن حل الآزمة النقدية والمالية التي يعاني منها العراق وميزانيته من خلال تعديل أنفاق جزئي أو أصلاحات جزئية، بمعنى  يجب أن يكون الترشيق بالأنفاقات بشكل كامل  كذلك الأصلاحات والتي تشمل تبديل الأدارات العليا لموؤسسات الدولة (وزراء، وكلاء، وغيرهم)، وأعادة هيكلة أدارة مؤسسات الدولة الخدمية والأنتقال بها للقطاع الخاص المثمر الذي نضمن به النوعية والجودة  والتكلفة العادلة على المواطن”، على ان هذا لايتم بنظرية الأداء لهذه المؤسسات التي يشهدها البلد منذ سنوات وما نراه الأن !! على سبيل المثال مشروع تكسي بغداد الفاشل”.

وفي رؤية تشخيصية للخبير الاقتصادي الفريجي، يرى ان بعض مؤسسات الدولة تستنزف الموازنة العامة الاتحادية، ويجب إعادة هيكلتها بشكل صحيح، وابرزها (مجالس المحافظات، المجالس المحلية، هيئة النزاهة، شركات القطاع العام الخاسرة)، سيما الاخيرة التي نستقرأ أنتاجها وعائداتها للانتاج الوطني العام ودعم الموازنة يشكل صفرا”.

وعن نوعية الخدمات المقدمة مقارنة بالتخصيصات المالية التي ترصد في الموازنات، يشير الفريجي الى أن “نوعية الخدمات رديئة لا توازي نسبة الموازنات والتخصيصات، ومثال على ذلك ينفق العراق ما يعادل 6 $ لتوصيل ما قيمته 1 $ مواد غذائية للفرد الواحد”.

وضرب الفريجي امثلة اخرى للتخصيصات المالية في الموازنات، تؤكد انه ما يعادل أكثر من 38 % من الأنفاق العام خصص للموازنة التشغيلية لدفع الرواتب والمخصصات والأمتيازات، فيما خصص 12 % من الأنفاق للضمان الأجتماعي، و 5 % للتقاعد، و 4 % لدعم قطاع الطاقة، و 5 % للقروض والمساعدات، وخصص 17 % للأقليم، و 10 % للانفاق العام”.

ويرى ان “معدلات تكاليف الرواتب لموظفي الدولة في العراق مرتفع جداً، حتى بالمقاييس الإقليمية، والتي أرتفعت معدلاتها من الناتج المحلي الإجمالي من(12% إلى 25%)، (باستثناءالتقاعد)، في حين أن المتوسط بالنسبة للبلدان المقارنة خلال هذه الفترة نفسها كان بين (5 و 15%) مقارنة بمتوسط تركيا حوالي (6%)، في حين بلغ متوسط جمهورية مصر العربية (7%). وفي الأردن على مدى ست سنوات كان أعلى معدلاته بنسبة(13%)”.

وتشير بيانات جمعتها (بلومبيرغ الامريكية) أن احتياطيات الدولار في العراق أنخفضت بما يقرب من20% الى 59 مليار دولار، وهذا معدل يشكل ناقوس خطر كبير.

ويعتبر المختص في أدارة مؤسسات الدولة خلال الآزمات علي الفريجي ان “حذف الاصفار ضمن جولات مضطربة ومحاولة من البنك العراقي لأعادة سمة العملة العراقية، أنتهت بالتعثر نتيجة الوضع الأقتصادي غير المستقر، وبدل ذلك  تم أصدار فئة الـ 50 ألف مع توقع صدور الـ 100 ألف ايضاً”.

ويدعو الفريجي الحكومة الى “ادراك  بأن المؤسسات المالية الدولية والوكالات الأئتمانية العالمية تستقرأ كل تفاصيل أدارات الدول لسياساتها الأقتصادية من ناحية الانتاج العام المتمثل بالتعامل مع القروض وكيفية بناء نموها الأقتصادي، اضافة الى التعامل مع مواردها، ونسب الفساد والهدر في مشاريع الدولة، بل تذهب حتى لأسماء الشخصيات في أدارات مؤسساتها الاقتصادية والخدمية وأكثر من ذلك”.

وختم الفريجي قوله ان “الدول الغنية بالنفط والتي تعتمده كمصدر لتمويل موازناتها مهددة جداً بخطورة تنامي الأنخفاض بمعدلات أسعار النفط عالمياً، مالم تلجأ للتوازن في سياساتها الأقتصادية والأنفاق العام والعراق الأكثر تهديداً في هذه الآزمة”.

تبدي اللجنة المالية النيابية تحفظها عن كشف تداعيات القروض المالية الدولية المقدمة الى العراق، ويؤكد عضو اللجنة مسعود حيدر، ان “لجنته ستناقش وزارة المالية بمسألة القروض، خاصة وان اللجنة لديها ملاحظات وتحفظ على حجم هذه القروض ونسب الفوائد وشروط صندوق النقد الدولي، والبنك الاسلامي الدولي، والبنك القطري، وبنك التنمية الاسلامية”.

ويقول النائب حيدر في حديث خاص لصحيفة “الجورنال”، إن “هناك انباء تؤكد سعي وزارة المالية لاقتراض مبلغ (7 مليار دولار) ويحاول اصدار سندات دولية عن طريق بعض المصارف العالمية”، مشيرا الى ان “العراق لن يستطع اقتراض (مليار دولار)، فكيف سيستطيع اقتراض (7 مليار دولار)، وهو مبلغ كبير جدا، وسيتم مناقشة وزارة المالية حول امكانية العراق لاقتراض هكذا مبلغ”.

وتابع حيدر، “القروض الدولية لها تداعيات اقتصادية، لان الدول المانحة لديها شروط، ابرزها ما اعلن عنها صندوق النقد الدولي الذي يلزم العراق بان يقوم باصلاحات اقتصادية منها قطع الحصة التموينية ودعم الادوية وبعض الامور الاخرى، وهي بمجملها ستؤثر على الواقع الاقتصادي للمواطن العراقي”.

وترى عضو الهيئة الادارية لجمعية الاقتصاديين العراقيين أكرام عبد العزيز، ان “تدهور الوضع الامني والاقتصادي، واستمرار محاربة تنيظم داعش الارهابي، جميعها ادت الى توسيع دائرة الانفاق المالي على اعادة استقرار البلد”، مشيرة الى ان “جميع هذه الامور دفعت بالعراق الى مواجهة سد العجز بالاقتراض الدولي”.

وتوضح عبد العزيز في حديث لـ “الجورنال”، ان “ازمة تردي اسعار النفط وتدهور الحقيبة الايرادية وراء تقلص الانشطة الاستثمارية والتوسع بالانفاق التشغيلي الجاري، وفي هذه الحال اذا كان التوجه للقروض الاستفادة تكون القروض عناصر داعمة”.

وتشير الى ان “القروض الدولية توجب على البلد المقترض اصلاحات اقتصادية و الاسراع في تاسيس رواسخ وبنى منتجة، ليكون هناك امكانية لسد الدين ومواجهة عبء الدين”، مؤكدة ان “التوجه للقروض سيصب في تلبية احتياجات المشاريع المهمة، لانه خلاف هذا سسيترتب على العراق اعباء كبيرة اذا لم يسرع باعتماد الاصلاحات الاقتصادية ومنها استثمار الطاقة”.

وتابعت عبد العزيز، ان “التنويع في مجال الايرادات مهم جداً للعراق، خاصة انه يجب عدم الاعتماد الكلي على النفط كمورد وحيد لتنمية الاقتصاد في ظل تعرض النفط الى النضوب خلال سنوات، والاعتماد عليه بشكل كلي قد يسبب اعباء مضافة على حياة المواطن ومعيشته”.

مقالات ذات صله