حينما يرفض الأبناء زواج كبار السن … كيف يصبحون حاجز يمنع سعادة ابائهم؟

بغداد_ متابعة

لم يكن عبد الحميد مصطفى (68 عاماً)، يعلم أنه سيظل وحيداً بعد وفاة زوجته، بالرغم من وجود أبنائه، فبعد رحيل رفيقة دربه انشغل كل من الأبناء في حياته الخاصة.

مع مرور الوقت، وجد مصطفى نفسه غارقاً في الوحدة، وبدأ يفكر في الزواج بامرأة أخرى.

“الأمر عادي، الخير كثير والحمد لله، فلماذا لا أتزوج، ولماذا لا أنجب طفلاً مرة أخرى”.

أحب الفكرة وبدأت تشغله أكثر وأكثر، وأخبر أبناءه بقراره، لكن ردة فعلهم لم تكن ما توقعه.

لم يكن وجود زوجة أخرى تشغل الحيز الذي تركته الأم في قلب أبيهم هو السبب الوحيد لغضب الأبناء، فهناك أيضاً الثروة.

فالأب في نظر الأبناء لم يُكّون الثروة بلا زوجته، فلوالدتهم فضل فيها.

لذلك اشترطوا عليه أن يتنازل عن ممتلكاته لهم ليوافقوا على زواجه، فوافق مضطرا، حتى لا ينفذوا تهديدهم بقطع علاقتهم به. وبرغم تنفيذه لما طلبوه قطعوا علاقتهم به بعد زواجه.

أما أحمد السيد رسلان (30 عاماً) فقد قاطع والده بعدما تزوج بأخرى عقب وفاة أمه، على الرغم من موافقة أشقائه على الزواج.

“تزوج جارتنا التي تبلغ من العمر 65 عاماً، إنها تكبره في العمر بعام، لماذا يتزوج وزوجتي تلبي كل احتياجاته؟”، ويضيف: “لن أوافق على زواجه”.

ليست هذه القصص الأولى ولا الأخيرة التي يرى فيها الأبناء الشباب ارتباط كبار السن على أنه ضرب من الخرف والجنون، وهي نظرة موحدة بين أبناء الكثير من الدول العربية.

وتقع هذه النظرة في خانة انتهاك المجتمع لحقوق الأفراد الشخصية، وانتهاك مجموعات لحرية فئات أخرى، بحسب محمد رأي فاتح.

ويتحدث فاتح عن المجتمع الذي ينتمي إليه: “في المجتمع العربي مثلاً،  كما في غالبية الدول العربية، تواجَه رغبة الآباء في الزواج في سن متقدمة بعدد من الاعتراضات وعدم القبول”.

تتعدد أسباب الرفض في البلدان العربية، برأي فاتح، الذي استطاع تلخيصها من خلال خبرته ومشاهداته بسببين، أولهما نظرة الأبناء والمجتمع للكبار في السن على أنهم “وقورون” ولهم هيبة تفرض عليهم التصرف بطريقة معينة، لا ترتبط بالحب والزواج من جديد.

أما السبب الآخر فمادي بحت، هو الخوف من المشاركة في الميراث، والاعتقاد الخاطئ بأن الشريك الجديد طامع بهذا المال.

تزوجت هدى (50 عاماً) وهي في سن الرابعة عشر وأنجبت بنتاً، ثم تطلقت وكرست حياتها لتربية الابنة التي لم يتعرف عليها الأب انتقاماً من أمها.

 

شاءت الأقدار أن تجتمع بمحمد (70 عاماً) رجل الأعمال الذي يمتلك سلسلة فنادق وقد توفيت زوجته في حفل زفاف. قرر بعض الأصدقاء أنهما مشروع زواج ناجح، وأقنعاهما بذلك.

فقد قاطع أبناء محمد والدهم نهائياً، طالبين منه تطليقها. أما ابنة هدى فقد شعرت بالخجل من زواج والدتها بين أصدقائها وعائلة والدها، رغم أن والدها تزوج بعد طلاق الأم.

لم يكتب لزواجهما الاستمرار بسبب ضغط الأبناء، وحصل الطلاق.

تختصر زينب قاسم، خبيرة السعادة والمشكلات النفسية، الأسباب التي تجعل الأبناء يرفضون زواج آبائهم في سبب واحد هو الخوف على “صورة الأنا”.

فالخوف على الأنا وصورة الأنا وكيف سينظر الناس لهذه الأنا وكيف ستعيش هذه الأنا، جميعها أفكار تغذيها مجتمعاتنا”.

وتقول أخصائية علم النفس منى حداد , إن المجتمعات والأعراف تنسج أحياناً مفاهيم ومعتقدات خاطئة بصدد بعض القضايا، مثل زواج المسن، وبخاصة زواج المرأة. أو تحصر الزواج فقط بهدف التناسل والرعاية للأبناء، وتروج خطابات مثل “فات عليهم ركب الزواج”. وتضع هذه المجتمعات الحاجة إلى شريك آخر في خانة “العيب”.

وهي ترى أن تنشئة الأهالي لأبنائهم تعودهم على علاقة أحادية الطريق، وهي الأخد من الأبناء دون مطالبة الأهالي لهم بشيء في المقابل.

لذلك فهم يشعرون  أن الآباء موجودون فقط لإسعادهم.

 

تضيف منى ,  كيف نتوقع ممن تعود على الأخذ أن يعطي، وهو لم يتعلم كيف يفعل ذلك؟”،

وطالب المختصون بالتوعية بحقوق كبار السن وقدرتهم على اتخاذ قرارات حياتهم، لا سيما النساء، إذ يتوقع المجتمع منهم أن يتوقفوا عن الحب بعد تجاوز سن معينة.

وتؤكد منى , ان مجتمعاتنا تحتاج إلى توعية النساء اللواتي يحصرن أنفسهن فقط في مرحلة الشباب ومرحلة الرعاية لأطفالهن، ومصاحبتهن حتى إدراك أن مرحلة ما بعد الخمسين من العمر لها جوانبها المشرقة، فهي مرحلة نضج وعطاء ووعي، وليست مرحلة إحباط ويأس، خاصة مع فقد شريك الحياة، واستقلال الأبناء، فعلى كل أنثى في هذه السن أن تعي قيمتها جيداً.

أظهرت دراسة إسبانية حديثة أن المتزوجين من كبار السن أقل عرضة للإصابة بكسور الحوض، وتبيٰن الدراسة أن العامل النفسي له أثر كبير في تجنب سقوط المسنين وإصابتهم، لأن الحالة النفسية الجيدة الناتجة عن الزواج أو العيش مع الآخرين تمنع الشرود الذهني وعدم أخذ الحيطة أثناء السير.

أظهرت دراسات عدة ارتفاع نسبة كبار السن في العالم العربي، وهو ما دفع عدداً من دور المسنين لتبني مبادرات لزواج نزلائها خاصة إذا وجدت الألفة فيما بينهم، وهذا ما حدث في دار الديوانية لكبار السن.

تقول مديرة الدار، فيان نعمة: “هناك 3 حالات زواج تمت داخل الدار إحداها لرجل سبعيني وامرأة مقاربة له في السن، ولكنه توفي بعد الزواج بثلاث سنوات، لتعود الزوجة بعد ذلك إلى أبنائها عقب محاولات الصلح لأنهم كانوا رافضين لزواجها”.

لا يمكن الحكم على زواج كبار السن مسبقاً بالنجاح أو الفشل، فالتجارب تختلف باختلاف الدوافع والشخصيات. إلا أن مظفر عبد المحمد الكعبي الأخصائي الاجتماعي بالدار يرى أن نتائج الزواج في المركز لم تكن مرضية في الكثير من الحالات.

ووفقاً لنشرة الزواج والطلاق في مصر لعام 2015، بلغت نسبة عقود الزواج بين المسنين 1.9% من إجمالى العقود، بينما بلغت نسبة شهادات الطلاق 8.4% من إجمالى الشهادات.

وفي السعودية نشرت الهيئة العامة للإحصاء بيانا عن سوق العمل في المملكة، قال إن من تجاوزوا الـ65 من العمر وهم على رأس العمل، بلغ عددهم 10.3 ألف مواطن و2.6 ألف مواطنة، وأرجع البيان أن رغبة كبار السن في العمل يرجع للإحساس بالوحدة وانشغال الأبناء عنهم.

وبحلول 2030 سيحتل لبنان المرتبة الأولى من حيث نسبة كبار السن حيث ستشكل نسبتهم (65 فما فوق) 15%، ليتغير تصنيفه ويلحق بتونس ضمن فئة الدول التي تتميز بتقدم أعمار سكانها.

كما يحتل المغرب المركز الثاني عربياً بالنسبة لزيادة عدد كبار السن حيث تصل النسبة إلى 5.1% من سكانه بعد تونس التي تبلغ نسبتها 7.5، وبحلول عام 2030 سترتفع النسبة إلى 9.3%.

مقالات ذات صله