اخــر الاخــبار

حكاية موت تداهم صديقاً افتراضياً … كيف نتعامل معها؟؟؟

بغداد_ فاطمة عدنان

في يوم كبقية الأيام كان خالد يتصفح “الفيسبوك” ليرى منشور لصديق له ينعي صديق مشترك بينهم, فجأة شعور غريب امتلك خالد وهو لم يلتق يوما بهذا الصديق الذي توفي نتيجة انفجار في منطقة زيونة.

كانت نقاشاتهما، التي بدأت منذ جمعتهما التعليقات على موضوع نشره صديق فيسبوكي مشترك، بمثابة تحدٍّ مستمر، يجهد فيها كل منهما في التعمق بالفكرة ومقاربتها من جوانب مختلفة، يحتدان أحياناً ويتبادلان النكات أحياناً أخرى.

كان خالد يشعر وكأنه فقد احد اعز اصدقائة على الرغم من انه لم يجمعهم سوى الرسائل على فيسبوك التي كانت ممتلئة بنقاشاتهما السياسية بداية، والتي تدرجت لاحقاً لتغطي مواضيع عدة، وصولاً إلى تبادل الأخبار العادية وتفاصيل الحياة الشخصية.

لم تكن ظروف حياتهما وعملها، ولا بعدهما اللوجستي نسبياً، يسمح باللقاء. وربما لم يخططا له فعلياً في الحقيقة , رغم تخطيطهما لاكثر من مرة لكن القدر لم يرغب ان يجمعهما معا.

“أحسست أن من واجبي حضور الجنازة. لا أعرف لماذا، فأنا لا أحبذ مثل هذه المواقف عادة، لكن شعرت بالحاجة لهذا اللقاء المتأخر مع عبدالله الذي جمعني به تقارب فكري مميز. في اليوم التالي، ذهبت إلى هناك، لا أعرف أحداً (ربما البعض من خلال الصور التي كان يشاركها على صفحته)، وبالتأكيد لم يكن أحد يعرفني”.

ويستطرد “سألني السيد الذي كان يجلس جنبي بينما يبدو عليّ التأثر الشديد، من أين أعرف عبدالله، أجبته تلقائياً أنني صديقه على فيسبوك. وسط استغراب الرجل الذي يبدو من عمره المتقدم وردة فعله أنه غريب عن العالم الافتراضي، لم أرغب بإضافة أي توضيح، ولزمت الصمت”.

هي حكاية الموت الذي يداهم صديقاً افتراضياً وكيفية التعامل معه. واقع جديد في ديناميات العلاقات الإنسانية فرضته مواقع التواصل الاجتماعي، وشغل العلماء الذين درسوا جوانب الموت والمواساة والتعافي وعلاقات ما بعد الموت بين أصدقاء العالم الافتراضي.

في تجربته الذاتية التي كتب عنها في صحيفة بريطانية ، يُخبر الكاتب والموسيقي ديفيد فيرغسون أنه قطع مسافة طويلة ليودع صديقاً افتراضياً علم أنه دخل في غيبوبة، موضحاً أن “العلاقات الافتراضية قد لا تبدو لكثيرين جدية، لكنها تكون أحياناً عميقة وحقيقة”.

ويضيف ,عندما نتعرف على شخص عبر وسائل التواصل، ويجمعنا تقارب كبير ونشاهد تفاصيله الدقيقة في الصور والمقاطع المصورة والكلمات التي ينشرها، فعلينا أن نستعد لنحبه أحياناً كما في العالم الفعلي… ونستعد كذلك لتحمل مرارة فقدانه.

يقول فيرغسون إن صديقه لحسن الحظ لم يمت، ليكسبه لاحقاً صديقاً فعلياً كان من أصدقاء الفيسبوك القدامى، لكن إحساسه حينها بضرورة زيارة هذا الصديق في محنته دفعه لسؤال كثيرين حوله عن مثل هذا الشعور.

سمع فيرغسون عن تجارب كثيرة عاشها من فقدوا أشخاصاً تعرفوا عليهم عبر فيسبوك ولم يقابلوهم، بعضهم بكى بشدة لأيام عدة، وبعضهم الآخر صُدم من كمية الحزن الذي داهمته وبقيت معه لفترة طويلة جراء هذا الموت.

ويخلص قائلاً إنها تركيبتنا البشرية: المشاعر الإنسانية تحتاج لتفاصيل معينة إذا توفرت يمكن لها أن تنمو، سواء كان ذلك في إطار سيبيري أو على طاولة تجمعنا.

في التسعينيات، توصل أستاذ علم النفس التطوري روبن دونبار إلى أن العدد الأقصى للأشخاص الذي يمكن أن يسميهم الشخص أصدقاء هو 150، وقد انتشرت نظريته على نطاق واسع حتى بات 150 يُعرف بعدد دونبار.

فنّد دونبار عدده كالتالي: 150 هو عدد الأشخاص الذين يمكن أن تدعوهم إلى حدث معين يخصك، ويمكن أن يتراوح العدد بين 100 و200 كحد أقصى للأشخاص الأقل أو الأكثر اجتماعية.

50 هو العدد الذي يمكن أن تطلقه على أشخاص تُعرّفهم بالأصدقاء القريبين والذي يمكن أن تدعوهم إلى عشاء جماعي. هؤلاء تراهم في كثير من الأحيان ولكن ليس بما هو كفاية لتسميهم أصدقاء مقربين.

ثم يأتي العدد 15 وهو عدد الأشخاص الذين قد تلجأ إليهم إذا ما كنت بحاجة لأمر ما ويمكن أن تسرّ لهم بأمورك الخاصة.

أما العدد 5 فيوصف بعدد دونبار الحميمي، وهو يمثل مجموعة الأصدقاء الذين يشكلون مجموعة دعمك المقربة جداً. يشير دونبار إلى أن العدد 5 مرشح للتغير الدائم أو للاضمحلال أو الاندثار، وذلك بتغير الظروف، رابطاً الاستمرارية بضرورة المشاركة والتفاعل المباشر بين هؤلاء.

مع ظهور الشبكات الاجتماعية وانتشارها، عاد كثر إلى أرقام دونبر لانتقاد الصداقات الافتراضية ووصفها بأنها صداقات وهمية وواهمة.

رأى هؤلاء أن وظيفة مواقع التواصل الإيجابية تقتصر على كونها تمنع الصداقات الحقيقية/ الواقعية من الاندثار لما تؤمنه من تفاعل. أو ربما تأخير اندثارها فحسب، لأن استمرار الصداقة حسب دونبار يحتاج إلى لقاءات وجهاً لوجه.

اعترف أستاذ علم النفس لاحقاً بأن مواقع التواصل غيّرت طبيعة العلاقات البشرية وديناميات التفاعل، لكنه أصر على اللقاء المباشر، في المقابل ذهب آخرون كالباحث مورتن هانسون أبعد من ذلك، ورأوا أن العالم يتغير وكذلك دينامياته التي ينبغي مقاربتها بشكل مختلف.

في المحصلة، لم يتح للباحثين بعد العمل على جيل بالغ نشأ بأكمله بعد وجود فيسبوك مثلاً، وبالتالي لم تحن الفرصة حتى الآن لبناء رأي متكامل بشأن ديناميات الصداقة عبره.

يقول الكاتب نيكي وولف إن الحزن على وفاة صديق افتراضي يصبح أكثر فأكثر أمراً واقعياً مرجحٌ حصوله.

بينما أُشبعت مشاعر الحزن والفقد في العلاقات الإنسانية الواقعية دراسة من علماء النفس والأنتروبولوجيا والاجتماع، وكرستها السرديات التاريخية والعادات الاجتماعية التي ينشأ عليها الشخص، تكمن المشكلة في العالم الافتراضي بغياب خطة طريق واضحة للتعامل مع الموت، وبالتالي مع مشاعر الفقد.

بينما يمكن أن تنشأ مشاعر حقيقية عبر هذا العالم، فإن حداثته النسبية تجعله يفتقد لدليل واضح ومفصل يمكن للشخص اتباعه في التعامل مع هذه المشاعر، وتحديداً التي تعقب الموت.

فيما يؤكد علي عباس , إنه منذ اختراع فيسبوك وتويتر، تحايل الدماغ على العوامل التي تحد من عدد الأصدقاء، لا سيما وأن هويات هؤلاء “الافتراضية” تبدو شديدة الوضوح ومنسقة ومصنفة ومحددة بدقة. برأيه، إن الطقوس التي تصاحب العلاقات المباشرة عادة كالموسيقى والرقص والأكل المشترك والضحك، لديها رديف، أو شبه رديف، إلكترونياً.

اما عايدة حمزة تقول , عندما علمت بوفاة صديقته الافتراضية في وقت متأخر من الليل، كتبت رسالة الى حبيبها على الخاص مباشرة.

ثم تتساءل “هل كان ذلك مقبولاً أنني حشرت نفسي في لحظة حزن حبيبته كما لو أن ثمة مجالاً للمقارنة بين تجرباتي مع صديقاتي المقربات؟ المشكلة أن تويتر يفتح شباكاً على حيوات الآخرين، يجعلنا نشعر أننا معهم في صراعاتهم اليومية، وشكاويهم ونكاتهم واحتفالاتهم. والمشكلة مع وهم الشراكة ذاك، أنه ينسحب على الموت كذلك”.

يفسر ذلك بأن حجم المجموعة الاجتماعية المفترضة من الأصدقاء، كما شرحها دونبار وغيره، لم تعد تفترض التواجد الجسدي القريب، بل أصبحت مرتبطة بالوقت الذي نمتلكه للتفاعل عندما يتم توفير الإشارات المناسبة لاستقبال هذا التفاعل.

بحسب الباحثتين، فإن الصورة النمطية التي تلاحق العالم الافتراضي بأنه مجرد هروب واهم من الواقع، تترك أثرها على من يعاني من مشاعر حزن وفقد على صديق افتراضي، إذ تُنزع “الشرعية” عن أحقية حزنه، لأن عمق العلاقات في ذاك العالم لا يحظى بالشرعية أساساً.

هذا الواقع، يدفع كثيرين إلى عدم الشعور بالثقة أو الحرية في مشاركة مشاعر الفقد التي يعيشونها مع محيطهم المباشر، لأن تلك الصورة النمطية (التي قد تكون راسخة حتى في لا وعي من يشعر بالفقد أحياناً) تجعله يتجنب ردود الفعل المستخفة أو الهازئة بمشاعره، ويحتفظ بالأخيرة لنفسه.

ثمة جانب آخر من جوانب الموت ومواقع التواصل الاجتماعي شغل عدداً من العلماء.

يلعب الموت دوراً بارزاً في تمتين العلاقات على التواصل الاجتماعي بين أصدقاء الشبكة، حتى بعد سنوات على حدوثه. كيف ذلك؟

كما في الحياة الواقعية يقرب موت أحد الأشخاص أفراد الدائرة المحيطة به من بعضهم البعض، كذلك الأمر في الشبكة الافتراضية، وربما أكثر.

خلال الشهر الماضي، نشرت مجلة علمية المرموقة تحقيقاً لماثيو هاتسون يشرح فيه تفاصيل الدراسة التي أعدتها مجموعة من الباحثين على العلاقات ما بعد موت أحدهم عبر فيسبوك. جمع هؤلاء 12,129 شبكة لأشخاص فقدوا شخصاً ما وقاموا بمقارنتها مع 30,258 شبكة لم يمر أفرادها بتجربة مماثلة.

راقب الباحثون التعليقات والصور لكل شخص متوفى والتي شاركها “الأصدقاء المقربين” منه مع أناس آخرين على صفحته.

الغريب أن التواصل استمر طويلاً، وقد فوجئ الباحثون بالآثار طويلة المدى للموت على تعزيز التفاعلات الاجتماعية والتي تخطت السنتين، بينما اختلفت المدة باختلاف أسباب الوفاة كالسرطان وحوادث السير والانتحار والأمراض المنقولة جنسياً…

ورأى بعض الباحثين أن شبكات التواصل الاجتماعي تساعد على التعافي من الحزن والحصول على الدعم المعنوي أكثر من الحياة الواقعية أحياناً، إذ يستمر التفاعل مع الشخص الحزين أو المصدوم لفترة أطول عليها، ولذلك أسباب اجتماعية ونفسية مختلفة يمكن معالجتها بشكل منفصل.

مقالات ذات صله