جمهورية العراك الاتحادية

محمد الكاظم

لو كان العراق رجلاً كيف سيكون شكله؟

بالنسبة لي أنا أتصور العراق كجندي منهك جائع بخدين غائرين تبدو على يديه آثار البارود وتظهر على وجهه جروح عميقة. لا أدري لماذا يصر عقلي على تصور العراق عريفاً أزلياً لا يريد أحد تسريحه من الخدمة.

أتخيله يصحو كل يوم على صوت انفجار، ثم يفطر ببيضتين مقليتين والكثير من الشاي والسجائر، يسعل، يقول يالله، ثم يرتدي ثيابه العسكرية ونطاقه وخوذته ذاهبا الى حرب لا تنتهي كأنه ذاهب الى عمل يومي روتيني رتيب.

ولو سمح للعراق أن يختار كنية تناسبه، أتخيل أنه لن يفكر طويلاً ، وسيختار كنية “أبوخليل” مباشرة.

هذه الصورة ليست بعيدة عن التفسير الشعبي لمعنى أسم العراق، فرغم ان هناك جدلاً تأريخياً حول أصل اسم “العراق” الا ان الكثيرين لا يبدون اهتماماً بجذور هذا الاسم. فالمخيال الشعبي ميال الى الاعتقاد ان اسم العراق مأخوذ من “عراك”.

العراك الممتد عبر التاريخ في هذا البلد يؤيد ما يذهب اليه العقل العراقي الذي لا يبدو مهتماً كثيراً بتفسير مثل ان كلمة العراق مشتقة من الكلمة السومرية “أوروك” التي تعني ارض المدينة او الموطن او المستوطنة على اختلاف الترجمة. ولا يعبأ بتفسير آخر يقول ان اصل الكلمة مأخوذ من الفارسية القديمة وإن كلمة “إيراك” التي تعني الاراضي السفلية. لأن العراق كان آنذاك جزءاً من الامبراطورية الفارسية. كما يبدو ان العراقي غير مهتم بالجدل التأريخي واللغوي حول اصل كلمة عراق المختلف عليها كثيرا بين اللغويين والآثاريين والباحثين ومسؤولي التوجيه المعنوي. فالبعض يقول ان اصلها من العراقة، والبعض الاخر يقول انها تعني الشاطئ في لهجة الحجازيين ، والبعض يعتقد ان اصلها يعود الى “أراكي” أي بلاد الشمس حسب اللغات الرافدينة القديمة.

الباحثون في المعاجم وبطون الكتب سيجدون الكثير من التفسيرات التي يمكن ان تكون قريبة من تصور بدوي اضناه الظمأ، فالصافي من الماء عراق، والنبات الذي يخرج من الارض بعد المطر عراق، والمطر الغزير عراق.

لكن هناك تفسيرات لغوية اخرى مشحونة بطاقة عاطفية عالية ينطوي عليها اسم العراق. فالعراق من الدار ساحتها وفناؤها، والعراق من جسم الانسان الحشا، اما اكثر تفسير لغوي اثارة للحزن والإحساس بخيبة الأمل فهو الذي يقول ان العراق في اللغة هو العظم الذي اُكل لحمه!

العراقيون يعتقدون ان كلمة “عراك” أكثر انسجاماً مع واقع بلدهم، وأنا كذلك. لكن من الغريب ان هذا العراك وتأريخ الدم والحروب الممتد طويلاً لم يأتِ بغير الحزن والوجع والجوع للعراقيين. وان كل الذي تحقق في العراق المعاصر لم تحققه البندقية. العراق منذ بداية ظهوره على المسرح الدولي كدولة مستقلة وهو يتنشق البارود، وينام على صوت الرصاص. ويصحو على جنون العتاد الروسي. والنتيجة هي بلد مخرب ماديا وبشريا رغم امتلاكه الثروات التي تؤهله ليكون دولة متقدمه. البندقية لم تقد العراق الا للمزيد من الخراب والتشرد والضياع. اما النقلات التي حصلت فيه عبر تاريخه. انما حصلت بفضل السياسة والحكمة في بعض المفاصل الحساسة.

سأترك الحديث عن عراق التاريخ واللغة لأذهب بكم الى عراك الاخوة في طوزخورماتو التي اذهلها كما اذهلنا ان تشهد فجأة معركة مميتة مخجلة بين ابناء الوطن. حينما رفع ابناء الوطن الواحد بنادقهم في وجه بعضهم البعض مطيحين بعدد من الضحايا من الطرفين ومطيحين بالتاريخ والمستقبل مرة واحدة.

تاريخ من التعايش والتفاعل والمصالح والمصاهرة والتعاون. وتاريخ من العمل السياسي المشترك اصبحت كلها على المحك في لحظة واحدة. عندما قرر “ابو خليل” يطلق النار على نفسه غير عابئ بصبر العراقيين وانتظارهم لمستقبل مختلف.
واقعة طوزخورماتو اندحار وهزيمة للسياسة، ومؤشر خطر على ان سياسيينا بدأوا يشعرون بالإنهاك السياسي في ظل عدم وجود قدرة على رسم معالم الحلول. ومثال حي الى ما يمكن ان يقودنا اليه التعنت في المواقف والاستمرار في الشحن العاطفي. ومن واجب الحريصين على التجربة العراقية ان يضغطوا على اطراف النزاع السياسي من اجل ان يهدئوا من مواقفهم ويسارعوا الى ايجاد حلول حتى لا نجد انفسنا من جديد في اتون حرب جديدة لسنا مستعدين لها.
ايها الساسة: العراق دولة من بارود فلا تلعبوا بالنار، وعليكم ان تمنعوا “ابو خليل” من ممارسة عمله اليومي والسعي لإجباره على خلع الخاكي. او إدخاله الى معسكر ضبط النفس ليعرف الى اين يوجه فوهة بندقيته.

مقالات ذات صله