تمكين القطاع الخاص الخيار الاستراتيجي لإصلاح الاقتصاد العراقي

بغداد – الجورنال
الجزء الأول
بهدف تمكين القطاع الخاص لإصلاح الاقتصاد العراقي عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية حلقته النقاشية الشهرية تحت عنوان (تمكين القطاع الخاص الخيار الاستراتيجي لإصلاح الاقتصاد العراقي)، وذلك بمشاركة عدد من مديري المراكز البحثية وبعض الشخصيات الحقوقية والاكاديمية والاعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد كل سبت في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام.

أكد مدير الجلسة الباحث الأستاذ الدكتور حيد ال طعمة، ان منذ قرابة عامين شكل انهيار اسعار النفط والمسار المتعرج لها تحديا خطرا يواجه البلدان النفطية، نظرا لارتباط جهود التنمية بتدفقات المورد النفطي، والمرتبط اساسا بعوامل خارجية تحكم اتجاه اسعار النفط الخام، ويبدو ان السياسات الاقتصادية المعتمدة لامتصاص صدمات اسعار النفط لم تخرج عن اطار ردود الافعال، بدلا عن ابتكار سياسات اقتصادية مستدامة ومعده للوقاية من الصدامات ومصممة اساسا لاستباق الازمة، في العراق كشف انحسار اسعار النفط عن عمق الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد العراقي، والناجمة عن عقود من الحروب والهدر الاقتصادي وسوء تخصيص الموارد وايضا بسبب الادمان المفرط على النفط في تمويل الموازنة والاقتصاد، علما ان مناقشة موضوع تمكين القطاع الخاص قديم جديد، قديم من حيث الطرح، لكن جديد من حيث الوسائل والاليات التي يمكن اعتمادها.
لذلك ستتم مناقشة هذا الموضوع عبر طرح مجموع اسئلة والاجابة عنها لتتضح بشكل جلي اهمية هذا الموضوع بالنسبة للاقتصاد العراقي.

س أولا: لماذا التركيز على حث القطاع الخاص؟
لقد اثبتت التجربة بالنسبة للبلدان النفطية وبالخصوص بلدان الخليج، بان الاعتماد على نمو الأنموذج النفطي القائم على الايرادات في تنمية الاقتصاد الوطني هو ركيزة هشة، والدليل ان جهود التنمية حالما تتبدد كلما انخفضت اسعار النفط، وقد اثبتت العقود الاربعة الماضية كيفية ارتباط جهود التنمية الاقتصادية في هذه البلدان بأسعار النفط، ان نموذج التنمية القائم على الانفاق الحكومي والممول اساسا من الايرادات النفطية والمعتمدة بالدرجة الاولى على اسعار النفط والانتاج، ادى الى ارتباط السياسات الاقتصادية بأسعار النفط، وقد شكل ذلك عقبة امام تطور الاقتصاد النفطي لان الاقتصاد النفطي في هذه الحالة يتحرك ليس بسبب سياسات تابعة للاقتصاد المحلي، وانما يكون تحرك الاقتصاد نتيجة او انعكاس لعوامل خارجية تؤثر وتتحكم في اسعار النفط الخام، لذلك لابد من ايجاد أنموذج اقتصادي بديل وقد تم الركون الى أنموذج القطاع الخاص، بوصفه الأَولى بقيادة قاطرة النمو والاستقرار في هذه البلدان، على اعتبار ان النفط هو عنصر او عامل متقلب لا يمكن الركون والاعتماد عليه في تحقيق تنمية مستدامة.

ايضا هناك مجموعة من العناصر التي تؤكد اهمية ودور القطاع الخاص في قيادة التنمية الاقتصادية في البلدان واول هذه العناصر هو:

_ توفير فرص عمل
مثلما نعرف بان الأنموذج القائم على الايرادات النفطية ادى الى قيادة الحكومة بدور مؤسسات التوظيف، حيث ادى ذلك الى ان تقوم الحكومة بتلبية جميع طلبات الايدي العاملة، ولكن هذا الامر لا يمكن ان يستمر لان فرص الهمل تحتاج الى مهارات متنوعة وتحتاج الى خبرات متنوعة، وهذا لا يمكن ان تقوم به الحكومة او القطاع العامة لوحده لذلك لابد من اعتماد نموذج بديل، القطاع الخاص يوفر جبهة عريضة من فرص العمل المتنوعة من حيث المهارات والخبرات والاعمار، وبذلك يمكن ان يساعد الحكومة في توفير فرص العمل.

ايضا ان توفير فرص العمل وتحقيق دخول بالنسبة للأفراد يساعد في زيادة الطلب، وزيادة الطلب ستؤدي الى زيادة انتاج السلع والخدمات، وبذلك سيؤدي القطاع الخاص الى توفير دخول للأفراد وهذه الدخول ستتحول الى زيادة في الانتاج، وهنا سيكون القطاع الخاص هو المولد لنشاط اقتصادي مستدام وليس الانفاق الحكومي الممول اساسا عن طريق الايرادات النفطية هذا الجانب الاول.

_ الجانب الثاني ايضا مهم بالنسبة الى اهمية القطاع الخاص وهو تخصيص الموارد
فكما نعرف ان الحكومة غير قادرة على تخصيص امثل للموارد، وهي دائما ما تمتاز الحكومة بهدر الموارد لأنها لا تعتمد اسلوب الكلفة فالعائد في رسم السياسات الاقتصادية، عكس القطاع الخاص الذي يعتمد هذا الاسلوب عند رسمه لأي سياسة اقتصادية او قيامه باي مشروع، وبذلك ان الاعتماد على القطاع الخاص سيضمن تحقيق تخصيص امثل للموارد.

_الجانب الثالث: توفير السلع والخدمات المحلية
ان توفير السلع والخدمات المحلية سيكون بديلا عن الاستيرادات الكبيرة التي يعتمدها الاقتصاد النفطي، على اعتبار ان ذلك سيؤدي الى الحد من نزيف العملة الاجنبية، ايضا من جانب اخر ان توفير السلع والخدمات في الاقتصاد المحلي سيوفر ما يسمى بالأمن الغذائي، بدلا عن الانكشاف المذهل خصوصا في الاقتصاد العراقي على الخارج، بالنسبة للسلع الصناعية والزراعية وهذا يشكل ركناً هشاً في الاقتصاد العراقي.

من الامور المهمة ايضا الحصول على موارد مالية خصوصا وان القطاع العام يكلف الحكومة موارد مالية كبيرة، هذه الشركات حاليا ضمن التصنيع العسكري وغيرها يتقاضون رواتب عن طريق السلف وهم غير قادرين على الانتاج، فلذلك سنويا هم يكلفون الحكومة مبالغ جد كبير فلو حصلت شراكة بينهم وبين القطاع الخاص او بيعت هذه المنشآت الى القطاع الخاص سيوفر مصدرين للبدائل المالية..

المصدر الاول: هو الكف عن تمويل هذه المؤسسات الخاسرة من دون فائدة وهذا سيؤدي الى زيادة الاموال لدى الحكومة.
المصدر الثاني: وجود قطاع خاص نشط وقادر على العمل سيوفر ايرادات ضريبية غزيرة ممكن ان تساعد الحكومة في تمويل نفقاتها المعتمدة اساسا على سعر النفط المتقلب.
وبالتالي ادركنا لماذا يتم التركيز على حث القطاع الخاص ولماذا هذه الوصفة دائما تطرح كبديل للاقتصاد النفطي القائم على المورد النفطي.

_ س ثانيا: ماذا فعلت الحكومة لتحفيز القطاع الخاص؟.
حقيقة هناك جهود اعلامية من حيث الندوات والمؤتمرات وتشكيل لجان لمتابعة تطوير القطاع الخاص، لكن هذه الجهود عابها مجموعة عناصر..
الامر الاول: انها في العادة لم تكن جهود مستمرة، كانت تبدأ وتنتهي بعد شهور.
الامر الثاني: هذه الجهود لم تكن بشراكة مع القطاع الخاص وبذلك كانت من جانب واحد، وان النظر الى كيفية تطوير القطاع الخاص بعدسات حكومية فقط فيه شيء من القصور.

الامر الثالث: ايضا هذه الامور لم تكن في اطار استراتيجية انما كانت وليدة لحظة مثالها في ( اب 2015)، في سياق الاصلاح الحكومي شُكلت لجان لتطوير القطاع الخاص، لكن عقد مؤتمر وندوة وغيرها ولم تتابَع الاحداث بشكل مستمر، وهذه ايضا من اوجه القصور التي تثبّت على الحكومة، اذا الجهود الحكومية هي جهود كسولة في متابعة هذا الموضوع.
الامر الاخر البارز انه هذه الجهود تأخذ المد والجزر في البلدان النفطية كافة ، هذه الجهود تبرز وتكون في صدارة جدول الاعمال حين تنحسر اسعار النفط، وتختفي حالما ترتفع اسعار النفط والإيرادات النفطية، وهذا ادى الى ضعف تنفيذ ما تخطط له الحكومة من سياسات لإصلاح القطاع الخاص.

_ س ثالثا ما الذي يكبح انطلاق القطاع الخاص في العراق؟.
في هذا المورد بحث مركز المشروعات الدولية الخاصة مع مجموعة من رجال الاعمال التحديات الاساسية لانطلاق القطاع الخاص، وعلى هذا الاساس تم جمع(120) من رجال الاعمال الذين يعملون في العراق او لديهم مشاريع بالإضافة الى ارباب العمل في الخارج وبالذات في الاردن، وان المسح شمل كلا من اربيل والسليمانية وبغداد والنجف وبابل والبصرة، وبالتالي الاستبانة احتوت على مجموعة اسئلة مع التركيز على الامور التي يعانيها الاقتصاد العراقي، وعندها افصحت النتائج عن مجموعة من المعوقات التي تشكل تحديا لانطلاق القطاع الخاص..
التحدي الاول: ضعف التمويل في الاقتصاد العراقي خصوصا وان التمويل هو الاداة الاساسية للاستثمار وان ضعف التمويل له شقين..

الشق الاول: المصارف في العراق لا تقوم بدورها كجسور لتمويل التنمية وانما تنصرف الى انشطة هامشية ومن ضمنها مزاد العملة.
الشق الثاني: جميع الاستثمارات في العالم تعتمد على الاسواق المالية، وكانت الشركات في السابق تعتمد على المصارف اما الان فهي تصدر اسهم تتداول في الاسوق المالية هذا من جانب، من جانب اخر اذا اصيبت الشركة بعسر مالي تستطيع ان تتغلب عليه من خلال السندات وهذا ما معمول به في كل العالم.
لكن هذين العنصرين بحاجة الى سوق مالية متطورة الا ان السوق المالية العراقية سوق متخلفة، وهي تفتقر الى الشفافية وحتى الارقام هزيلة بالإضافة الى ذلك حتى دعوات الحكومة لإطلاق سلف في الأغلب هي مجرد دعوات ولم تتابع الى الأخير، علما ان اصحاب الاموال يؤكدون انهم يقترضون حاليا بـ (20%) فائدة وهذا المبلغ باهض جدا ، في الوقت كل بلدان العالم تسعى الى تخفيض سعار الفائدة حتى تطلق الاستثمار، لأنها تعاني ركوداً واحيانا يصل سعر الفائدة الى( الصفر والى 1%).

مقالات ذات صله