تلعفر.. مدينة التعايش السلمي تشكو الارهاب

تلعفر مدينة تقع في شمال غرب العراق، في محافظة نينوى. يسكنها نحو 281,000 نسمة حسب إحصاءات وزارة التجارة العراقية لشهر كانون الأول من عام 2010، ومعظم سكان مدينة تلعفر هم من التركمان، مساحتها 28 كم2، وتبعد عن غرب الموصل بحوالي 30 ميلاً، وعن جنوب الحدود العراقية التركية بحوالي 38 ميلاً وعن شرق الحدود العراقية السورية بحوالي 60 كم. يتبع قضاء تلعفر 3 نواحي وهي:

ناحية ربيعة وتسكنها عشيرة شمر. ناحية زمار تتكون من 78 قرية 49 قرية عربية و29 قرية كردية.

ناحية العياضية (آف كه ني) خليط من التركمان والعرب وقلة من الأكراد في القرى التابعة لها حيث تتواجد عشيرة الجرجرية (الكركرية) الكردية في قرى الناحية.

كانت المدينة جزءا من ولاية الموصل التي كانت إحدى ولايات الدولة العثمانية، وفي المدينة قلعة بنيت كقاعدة عسكرية، ويمكن اليوم مشاهدة آثار القلعة، وبعد انسحاب العثمانيين أقيمت حامية في تلك القلعة وكانوا أول مقيمي المدينة التي تجاور القلعة.

ويوجد في تلعفر مستشفى واحد هو مستشفى تلعفر العام بالإضافة إلى قطاع تلعفر الصحي الذي يضم ستة مراكز صحية داخل مدينة تلعفر ومراكز صحية أخرى في النواحي.

تاريخها

مدينة تلعفر تعتبر من المدن التركمانية العريقة وتقع على بعد حوالي 70 كم شمال غربي الموصل وهي من كبرى المدن في محافظة الموصل، ويبلغ عدد سكانها (300 ألف) نسمة وانهم يتكلمون باللغة التركمانية وبلهجة خاصة. وتاريخ تلعفر يرجع إلى العصر الحجري ما قبل التاريخ أي (6000 ق. م) وفي حوالي منتصف ألف الثاني ق. م أصبحت تلعفر مع السنجار جزءا من الدولة الميتانية وفي عهد الآشوري نمت وتوسعت وبنت قلعتها الأثرية وكانت تعرف باسم (نمت عشتار) وبعد سقوط نينوى كانت منطقة تلعفر والجزيرة كلها مسرحاً للحروب الطويلة التي جرت بين الحيثيين والرومان الذين جددوا قلعتها. وبدأت هجرة القبائل من الجزيرة العربية قبل الإسلام إلى العراق والشام وسكن قسم منهم في منطقة الجزيرة وجوار الموصل مثلاً بني الربيعة والذين سكنوا جوار تلعفر وسنجار وسميت المنطقة بـ (الربيعة).. وفي صدر الإسلام فتحت منطقة تلعفر كسائر ديار ربيعة ومنطقة الجزيرة في سنة 18 هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد القائد عياض بن غنم، ثم أصبحت تلعفر في العهد الأموي موطناً للخوارج ومسرحاً للحروب التي جرت بينهم وبين الأمويين وكان مروان الثاني بن محمد والياً على منطقة الجزيرة وعندما آلت الخلافة إليه قاد جيشاً للقضاء على فتن الخوارج وقيل انه بنى قلعتها فسميت بقلعة مروان. وان مدينة تلعفر قد توسعت وازدهرت بسكانها في العصر العباسي في زمن الخليفة معتصم بالله ومن بعدهم في عام 447 هـ ـ 1055 م في عهد السلاجقة في زمن اميرها طغرل بك أحد أمراء السلاجقة ثم استولى عليها السلطان بدر الدين لؤلؤ، وحيث سكنها بعض العشائر التركمانية، وفي عام 656 هـ ـ 1258 م دخل هولاكو إلى بغداد وتوجه قائده (سميداغو) إلى منطقة تلعفر وأصبحت بعد ذلك جزءا من الدولة الايلخانية ثم في عام 738 هـ ـ 1328 م جاء الدولة الجلائرية وحكمت العراق بقيادة الشيخ حسن الجلائري وأصبحت منطقة تلعفر جزء من الدولة الجلائرية حتى جاء القائد تيمورلنك ودخل الموصل عام 796 هـ ـ 1386 م ومر من مدينة تلـعفر وهناك طريق لا زال موجوداً جنوب تلـعفر ويسمى (تيمور يولي) أي طريق تيمور، وفي عام 814 هـ ـ 1411 م وأصبحت مدينة تلعفر جـزأ مـن (الدولة قرة قوينلو) التركمانية أي (دولة الخروف الأسود) في عهد أميرها محمد قرة يوسف وهناك عشيرة في تلعفر ينتسبون إليهم، وفي عام 874 هـ /1469 م أصبحت مدينة تلعفر جزأ من (دولة اق قوينلو) التركمانية أي(دولة الخروف الأبيض) بقيادة الأمير حسن بك الطويل وأيضا توجد بعض العشائر في تلعفر ينتسبون اليهم. وفي عام 914 هـ/1508 م أصبحت تلعفر جزءا من الدولة الصفوية، وفي عام 941 هـ/1534 م أصبحت مدينة تلعفر جزءا من الدولة العثمانية منذ عهد السلطان سليمان باشا وهو أول وال عثماني في العراق حتى انسحاب الجيش العثماني من الموصل وتلعفر دون القتال في عهد الوالي خليل باشا، واحتل الإنكليز العراق في عام 1336 هـ/ 1917 م وسيطر الإنكليز على الموصل وتلعفر بعد قتال طويل دام ثلاث سنوات أي في عام 1920 م لحين تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب وكانت مدينة تلعفر في عهد الدولة العثمانية مركزا لناحية تابعة لقضاء سنجار ثم أصبحت قضاءً في نهاية عام 1917 م. واليوم اهالي تلعفر يطالبون الحكومة العراقية بجعلها .

وقد دخلت تلعفر التاريخ بملحمتها الشهيرة في عام 1920 م والتي تدعى باسم حركة (قاج قاج) والتي بدأت بها الثورة ضد القوات الإنكليزية المحتلة، فان أول شرارة لثورة العشرين انطلقت من مدينة تلعفر الباسلة ثم لحقتها مدينة الرميثة.

وقد وصف ياقوت الحموي مدينة تلعفر في كتابه معجم البلدان وقال (تل أعفر ـ ويقال تل يعفر ـ وقيل إنما أصله ـ تل الاعفر ـ للونه فغير بكثرة الاستعمال وطلب الخفة وهو اسم قلعة وربض بين سنجار والموصل وفي وسطه واد فيه نهر جار على تل منفرد، حصينة محكمة وفي مائها عذوبة وبها نخيل كثيرة يجلب رطبه إلى الموصل).

وتسكن مدينة تلعفر العشائر التركمانية ولكل من هذه العشائر مناطقها التي تسكن فيها وتتشابه العادات الاجتماعية والأعراف فيما بينها ولها تقاليد مميزة في مسائل الزواج والأعياد والتعازي وسائر الاحتفالات الدينية والوطنية والقومية، ولاشك فيه هو إن أسماء جميع هذه العشائر أسماء تركمانية، ومن أهم العشائر التركمانية في تلعفر هي: (ايلخانلي، الله ويرد يلي، علي ديوه لي، بابالار، بكلر، جلبي، جولاقلي، سيدلر، نجارلار، مرادليلر، سرايليلر، دميرجيلر، قرة قوينلو، ديوه جي، بقاللي، أق قوينلو، محمد أغالي، قصابلر، خانليلر، حمولي، عجملي، حربو، قوروتلي، موللالي، نفطجي، فرهادليلر، علي خان بك، داودلي، همتليلر، بيرقدارلي، قابلان، ماوليلر)، وهناك كثير من العشائر والأفخاذ التركمانية في منطقة تلعفر وضواحيها ترجع أصولهم إلى أصول السلاجقة والدولة الايلخانية وقرة قوينلو واق قوينلو والأصول العثمانية، وكما هو معروف أن جميع أصول تركمان العراق يرجع إلى تلك الدول والإمبراطوريات التي حكمت العراق منذ مئات السنين.

بعد دخول الارهاب

هناك حياة جديدة تبرز في هذا الحي وبقية الأحياء الشيعية التي هجرها سكانها في الموصل. عشرات البيوت في المدينة التي ظل الشيعة والسنّة يتقاسمون أحياءها وأسواقها طوال عقود، أصبحت اليوم منازل للمجاهدين المتحدثين بالتركية بلهجاتها المختلفة. انها مدينتهم الجديدة»، يقول ابو سعد وهو يمسح بيدين مرتجفتين العرق الذي تشكل على جبهته السمراء.

تلعفر التي تعد مركز التركمان في العراق، شهدت أكبر عملية تحول ديموغرافي في تاريخها الحديث، بعد أن هجرها نحو نصف سكانها الـ 250 الفاً واحتضنت مئات المقاتلين العرب والأجانب مع عائلاتهم، لتبرز في المدينة مسارات حياة جديدة لم تتضح معالمها بعد. حدث ذلك بعد أيام من سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل في 10 حزيران 2014.

يقول أبو سعد وهو مدرس متقاعد، تجاوز السبعين من عمره “منذ اليوم الأول قرر داعش انهاء قرون من التعايش المذهبي في المدينة، فاعتقل كل شيعي لم يغادر المدينة، ودمر كل المساجد الشيعية (32 مسجداً ومزاراً بحسب مسؤولين في الوقف الشيعي)، ثم عمد الى تدمير المكتبات والمراكز الثقافية الشيعية، وألحقها بعمليات تدمير لمنازل الشخصيات السياسية والادارية والأمنية من الطائفتين، حتى القلعة التاريخية الشهيرة للمدينة لم تسلم من التدمير”.

أبو سعد الذي آثر البقاء في المدينة معتقداً أن «دخول داعش» لن يستمر غير اسابيع لتعود الحياة الى ما كانت عليه، يقول وهو يميل بوجهه نحو بقايا سور القلعة «لا نصدق ما حدث ويحدث، خلال ايام، نصف ابناء المدينة تركوها وصاروا مهجرين في بقاع الأرض، وحل محلهم مقاتلون قدموا من تركيا وأذربيجان والدول التي تتحدث التركية أو اللغات القريبة منها… هم باتوا قادة المدينة، إلى جانب القادمين من الموصل والعياضية (ناحية تتبع تلعفر إدارياً)».

تلعفريون في هرم القيادة

ساعدت العلاقات الواسعة للقياديين في «داعش»، ابا أنس التركماني وعبد الرحمن مصطفى قدو المعروف بأبي علاء العفري، واللذين كانا مُعتقَلين سابقين في سجن بوكا الذي اداره الأميركيون قبل رحيلهم من العراق، في تحويل تلعفر الى حاضنة «للمجاهدين المهاجرين» ومعقل بارز للتنظيم.

فمدرس الفيزياء في عهد حكم صدام علاء العفري الذي اعتلى منبر المسجد العمري في تلعفر، وعرف بخطابه التحريضي، والذي اختفى بسبب ملاحقات أمنية في الفترة الأخيرة لحكم حزب البعث بالعراق، ظهر فجأة بعد نيسان (أبريل) 2003 كقيادي بارز في تنظيم «القاعدة»، ليصبح عاملاً فاعلاً في تحويل تلعفر الى مركز للمقاتلين.

العفري، الذي أعلن مراراً مقتله بين 2009 و 2015 من دون ان يؤكد ذلك، كان له دور في الحرب الطائفية التي شهدتها المدينة بين عامي 2004 و2009 والتي أوقعت بحسب مصادر رسمية أكثر من ثلاثة آلاف قتيل وستة آلاف جريح من السكان.

وتطول قائمة أبناء المدينة ممن اعتلوا مناصب رفيعة في تنظيم داعش، بينهم موفق مصطفى كرموش الذي يكنى بأبي صلاح، ويعرفه «مجاهدو» تلعفر كأحد المسؤولين الماليين البارزين، الى جانب بشار إسماعيل الحمداني المكنى بـ «أبي محمد» ويعرف بإدارته لملف السجناء، اضافة الى شوكت حازم فرحات ويكنى بـ «أبي عبد القادر» وهو اداري بارز في التنظيم، وعوف عبدالرحمن العفري ويكنى بـ «أبي سجى»، ويعرف بكونه مسؤولاً بارزاً عن الشؤون الاجتماعية في التنظيم.

أتراك واذربيجانيون وشيشان

يتناقل مسؤولون تركمان أرقاما متقاربة في شأن المقاتلين الأجانب الذين اسكنوا في تلعفر، ففيما تشير النائبة التركمانية نهلة الهبابي الى إسكان 300 عائلة تركية وشيشانية وأفغانية وأوروبية، يقول عضو الهيئة التنفيذية في الجبهة التركمانية نور الدين قبلان ان التنظيم أهدى 200 مسكن لعائلات عناصره القادمة من سورية، ومن بينها منزل «قبلان»، كما حولوا عشرات المنازل الى مقرات أمنية ومخازن للسلاح والمؤن.

القادمون من الموصل والعياضية في المجمل حصلوا على مناصب ادارية، اما الأجانب القادمون من وراء الحدود وبينهم أبو عمر، فحصلوا على مناصب أمنية تنفيذية الى جانب مناصب مالية «والفئتان منحتا بيوتاً في الاحياء الشيعية شرق تلعفر وجنوبها التي خلت من سكانها، كما حصلوا على الكثير من الغنائم في بداية الحرب حين استولى داعش على مناطق سنجار وسهل نينوى».

أبو عمر، واحد من قيادات داعش التي تعمل في الشرطة المعروفة بالحسبة، والمعنية بمحاسبة المخالفين لقوانين الدولة. الأمير الذي كان يتوسط المجلس بمنزله في أول أيام الأضحى، وهو يرتدي ملابس افغانية رمادية اللون، تحدث لمضيفيه بالتركية عن التكافل في الأعياد وعن أجر رعاية اليتيم، وعن الإصدارات الفيديوية الجديدة والتي تبرز «انجازاتها» الأمنية والخدمية.

غائبون بلا أثر

في كربلاء الى الجنوب من تلعفر وتبعد منها مسافة 600 كيلومتر، حيث حطت عائلة علي محمود، في مطلع تموز (يوليو) 2014. أغرورقت عينا علي، واختنقت الكلمات في حنجرته، وهو يتلقى تهاني العيد من جاره الكربلائي الذي سأله عن أخبار شقيقه المفقود.

قال علي «لا شيء جديداً… لا نعرف ان كان حياً او ميتاً، انه العيد الثالث الذي ننتظر فيه أي خبر عنه».

شقيق علي، واحد من مئات المفقودين في تلعفر، عقب سيطرة تنظيم الدولة عليها وتحويلها الى «سجن كبير لآلاف الايزيديين والشيعة وحتى السنة المتهمين بموالاة الحكومة العراقية»، ويقول الناشط الايزيدي جميل شنكالي «المدينة تحولت الى معتقل كبير، جدرانها تكتم مئات القصص عن عذابات السبايا الايزيديات، قصص مروعة عن البيع والشراء والاعتداء والتعذيب والقتل».

تذكر تقارير لمراكز دراسات ومنظمات مدنية، أن ما بين 300 الى 400 تركماني قُتلوا أو اختفوا أثناء وبُعيد سيطرة تنظيم «داعش» على تلعفر، وان بينهم أكثر من 60 امرأة و70 طفلاً. لكن المتحدث باسم الجبهة التركمانية علي مهدي، وبعد عام من سيطرة داعش على تلعفر، كشف عن وجود 800 فتاة وامرأة تركمانية محتجزة، ويضيف: «لدينا قوائم باسمائهن… هن أسيرات لدى داعش الذي يتاجر بهن».

إبادات جماعية

خيط الأمل الرفيع ببقاء المعتقلين المدنيين أحياء، يكاد يتقاطع تماماً مع الأخبار التي ظلت طوال أشهر ترد من تلعفر وتؤكد تنفيذ داعش للعديد من عمليات القتل المنفردة والجماعية بحق المدنيين الشيعة.

يقول أبو أسراء، وهو مواطن سنّي من تلعفر ما زال يقيم في المدينة «جرت عمليات قتل واسعة بعيد اقتحام المدينة، حدث كل شيء خلال دقائق في محاكم أدارها امراء التنظيم».

ويؤكد ابو اسراء الذي أبقى اتصالات سرية مع عدد صغير من أصدقائه الشيعة المقربين، على رغم ان ذلك يعد جريمة تؤدي بصاحبها الى القتل، ان حملات الإعدام في المدينة لم تتوقف أبداً وبعضها ينفذ علانيةً، وهي تطاول «السنّة الخائنين»، والشيعة الذين يشك بولائهم على رغم إعلان توبتهم، وكل من يحاول تهريب الايزيديات.

«نسمع ان فلاناً قتل، من دون أن يتجرأ أحد على السؤال عن السبب، التهم عادة تتعلق بكونهم عناصر أمن سابقين أو موظفين ومسؤولين بارزين مختبئين أو مواطنين متعاونين مع الحكومة، إلى جانب المتهمين بالخيانة والتجسس وإعطاء إحداثيات عن مواقع التنظيم، تجد بين المقتولين الشيعي والسنّي والايزيدي والكردي وأحياناً حتى غير العراقي».

وعن أساليب تنفيذ الاعدامات يقول ابو اسراء: «أشهرها رمي المتهمين وهم احياء في بئر «علو عنتر» شمال تلعفر، ويُقتل البعض بإطلاق النار عليه في ساحة خالية في «الحي العسكري» وأحياناً في باحة مرآب النقليات القديم، والبعض يقتل بقطع الرأس».

الاعدامات، ينفذها في الغالب ملثمون لا يمكن عامة الناس معرفة هوياتهم وجنسياتهم، لكن في بعض عمليات المعاقبة بالجلد يكشف المنفذون عن وجوههم بينهم تركمان من سكان المدينة، يضيف ابو اسراء «اعرف بعضهم شخصياً، بينهم من يؤمنون بأن ما يقومون به هو تطبيق لحكم الله، وآخرون هم مجرد مجرمين وأصحاب مصالح».

صناعة الرعب التي يجيدها التنظيم، يعتبرها الباحث الاجتماعي كاظم سليمان، سلاحه الأكبر الى جانب قدرته على التحشيد الطائفي «الخوف هو الذي يحكم، لا شيء غيره، هم يبثونه كل يوم وبمختلف السبل، بينها شرطة الحسبة».

يجوب أبو عمر مع رفاقه، الذين يتجنبون في العموم ذكر الدول التي أتوا منها وماضيهم «الجهادي»، كل يوم الأسواق والأحياء السكنية بسيارات شرطة الحسبة او على دراجة نارية، لمراقبة «تطبيق حدود الشرع، ومنع المنكرات الظاهرة» وتسليم المخالفين الى القضاة الشرعيين لداعش الذين يصدرون احكاما تتباين بين الجلد والسجن وقطع اليد والقتل.

دولة الخوف

ينقل محمد خليل، جانباً آخر من الحياة في المدينة «دواوين الدولة تفتح أبوابها في شكل طبيعي، الجهات الخدمية تعمل بانتظام، وأي غياب عن العمل او تلكؤ فيه يواجه بقسوة. الخدمات أفضل مما كانت عليه قبل عامين، العديد من الشوارع تم تعبيدها، هناك حدائق أنجزت، والأزقة أصبحت أنظف. والمواطنون اعفوا من أجور الماء والكهرباء».

يصف خليل واقع التيار الكهربائي والوقود بالجيد. يقول: «المولدات الأهلية تعمل عند انقطاع الكهرباء، والماء وضعه أفضل مما كان عليه قبل حكم الدولة». لكن أسعار البنزين والغاز تعادل ضعفي أسعارها في العراق.

عبدالقادر وهو مدرس متقاعد، ينفي ما يتردد عن توقف الدراسة. يقول: «في العام الدراسي المنصرم التزم الطلاب بالدوام، وتم تدريس المناهج القديمة ذاتها بعد إلغاء بعض موادها، لكن المناهج الجديدة طبعت وستدرس في العام الجديد، الطالبات يداومن بانتظام كما سائر الفتيات بالخِمار».

الأمر نفسه تؤكده وفاء، وهي طالبة في المرحلة الإعدادية «داومنا كالأعوام السابقة، إلا أن داعش أناب مسؤولاً عنه في كل مدرسة يشرف على أداء الكادر التدريسي والتزام الطالبات بالحجاب والخمار».

وتلفت وفاء الى ان أزياء الناس تغيرت تماماً «الكثير من الرجال بخاصة الموظفين باتوا يلبسون الزي الأفغاني. كبار السن ما زالوا يرتدون الزي العربي. وبعض الشباب كما صغار السن يرتدون الملابس المدنية بشرط ان لا تكون ضيقة، والنساء يرتدين العباءات التي تخفي كامل الجسد مع الخمار… الجميع تعودوا على ملابسهم».

الرضا المعلن عن الخدمات والتعليم، لا يمتد الى القطاع الصحي فالكثير من الأدوية والمستلزمات الطبية لا تتوافر للمواطن «إلا بعد وساطات مع مسؤولي داعش الذين يستحوذون على معظم الأدوية لمعالجة مقاتليهم» وهناك نقص كبير في عدد الأطباء وفي شكل خاص ذوي الاختصاصات.

تقول وفاء «أعرف ذلك لأن والدي مريض بالقلب، نحن نخشى دائماً ان تتدهور حالته ويحتاج الى فحوصات او تدخل جراحي، حينها ستكون حياته مهددة حتى لو فكرنا بنقله الى الموصل».

جهاد النكاح

ينكر جميل سعيد الذي كان يسكن في حي القادسية، كل ما يتردد من روايات في شأن جهاد النكاح «سمعنا عنه الكثير في وسائل الاعلام، لكن لم يدق علينا أحد الباب، ولم يُطلب من اي عائلة تعداد عدد بناتها، ولم نلمس يوماً شيئاً من كل ذلك (…) إذا كان جهاد النكاح موجوداً في مكان ما، ففي تلعفر لا وجود له، الكثير من المقاتلين الأجانب وفدوا مع زوجاتهم وأولادهم «البعض من غير المتزوجين تزوج من مسلمات او اتخذ من ايزيدية زوجة له».

سعيد يؤكد ان مقاتلي التنظيم من الوافدين العرب والاجانب «يعيشون حياة طبيعية، المقاتلون منهم يتلقون مبالغ شهرية تتجاوز 300 دولار وإعانات غذائية ولديهم إجازات دورية، اختلاطهم مع بقية العائلات محدود، لكن منهم من بدأ يقيم علاقات مع سكان تلعفر الاصليين».

الغنائم ورواتب بغداد

لا تختلف الحياة الاقتصادية في تلعفر كثيراً، عن ما هي عليه في المناطق الخاضعة لحكومة بغداد، كما يؤكد العديد من الشهود.

عبد الله همات، الذي يملك محلاً للمواد الغذائية في سوق القلعة يقول: «الحديث عن ندرة المواد الغذائية والارتفاع الكبير في الأسعار أو انعدام بعض المواد غير صحيح، أسعار الخضروات عموماً هي أقل، والمواد الغذائية من زيت ودقيق ورز سعرها أعلى بقليل». ويكمل «داعش توزع بين الحين والآخر مساعدات غذائية على عوائل المقاتلين».

وفي شأن العملات المتداولة وطرق التجارة يقول: «يمكنك ان تحصل على أي شيء، فالطرق مفتوحة الى سورية ومنها الى تركيا عبر الرقة وجرابلس، ولا تزال العملة العراقية هي السائدة، وفي سورية يتم استخدام الليرة السورية واحياناً التركية».

إلا ان حاتم طه، وهو راعي غنم وتاجر لحوم، يؤكد تراجع القوة الشرائية للمواطنين عموماً «في الأشهر الأولى لسيطرة داعش كانت الاوضاع ممتازة لوفرة الغنائم وتعدد مصادر التمويل، لكن في الفترة الأخيرة تراجعت القوة الشرائية ومعها الحركة الاقتصادية، قلة فقط يمكنهم شراء اللحوم رغم ان سعر الكيلوغرام لأفضل نوعية لا يتجاوز العشرة آلاف دينار».

ويشرح طه، أسباب التغيير الحاصل «الموظفون كانوا يستلمون رواتبهم من الحكومة العراقية حتى فترة قريبة، لكن معظم تلك الرواتب توقفت. مئات العائلات كانت تعتمد عليها في تأمين حاجاتها من الأغذية، أما بقية المستلزمات فهي رخيصة».

التورط بالقتل

جواد محمد وهو من تلعفر يقيم في النجف، يرى ان غالبية سنة مدينته مغلوبون على أمرهم «نعرفهم جيداً، معظمهم يرفضون قتل اي انسان على اساس مذهبه او دينه، لكنّ هناك متشددين للأسف أصبح الأمر بيدهم، وهناك أصحاب مصالح، وهؤلاء يقتلون كل من يخالفهم».

محمد يرى ان عودة الشيعة الى تلعفر تزداد صعوبة كلما طال زمن استعادتها فالـ «المتورطون مع داعش تزداد اعدادهم مع مرور الوقت وتزداد جرائمهم».

ويبدي اقتناعه بأن هؤلاء يمثلون الخطر الأكبر «ربما القادمون من خارج الحدود يعودون حين يشعرون بأن بقاءهم أصبح مستحيلاً او مكلفاً، لكن المتورطين مع داعش ممن ارتكبوا جرائم لن يستسلموا، سيقاتلون بشراسة».

محمد لم يخفِ استياءه من طريقة ادارة الحرب ضد داعش «منذ عام، هناك 125 الف مشرد بين مدن الجنوب وكردستان، ينتظرون ساعة الخلاص، لكن كل ما يحدث هو قصف موقع او اثنين كل بضعة ايام أو اسابيع. استهدفوا مرتين مستشفى تلعفر ومرات دوائر خدمية. وهذا يثير غضب الناس».

نهاية الوجود الشيعي

النازح الى كربلاء علي عباس، يبدي الرؤية السوداوية ذاتها في شأن العودة «بمجرد رحيل داعش لن تعود الحياة… الحرب الطائفية ستشتعل مجدداً، فهناك جراح عميقة في كل بيت».

ومثل الكثير من النازحين الى جنوب العراق، حيث تختلف الثقافة واللغة، يجد عباس صعوبة في بناء حياة جديدة حيث يقيم، مع استمرار الحرب والفقر «حياتنا أمست جحيماً هنا. أبحث عن أي فرصة للهجرة خارج البلاد».

يشارك عباس «إحباطه واغترابه» النازح السنّي الى اربيل احمد التلعفري، مؤكداً ان محاولة استعادة الماضي تشبه محاولات بناء حياة جديدة في مدينته: «لن يتحقق ذلك. سنحتاج الى سنوات لترميم النسيج الاجتماعي فالكثيرون يفكرون بالانتقام».

يقول التلعفري «حين تقف في اي حي شيعي وترى البيوت الخاوية مشرعة الأبواب وركام البنايات المهدمة والحسينيات التي سويت بالأرض، ستعرف ان الحياة لن تعود الى سابق عهدها، وستعرف ايضاً ان المهاجرين لا يمكن ان يحلوا محل سكان المدينة الراحلين».

لكن فاطمة حسين، وهي زوجة مقاتل قتل بعملية انتحارية في مطلع حزيران الماضي خلال التحاقه بقوات الحشد الشعبي تؤكد ان «حلم» العودة لمدينتها لا يفارقها «كنا نملك كل شيء، البيوت والعقارات والاراضي الزراعية. واليوم نحن نازحون نعيش على مساعدات الخيّرين”.

مقالات ذات صله