تركز على الحب والحظ والمال… هوس البعض بالأبراج ينسيهم قدرهم في الحياة

بغداد_ متابعة

انتابت الحيرة هيام وهي تقرأ ما كتب تحت برجها في إحدى المجلات، فالأخبار سيئة على عكس ما قرأته قبل يومين عن برجها في إحدى الصحف، ففي المجلة هناك تأكيد على أنها ستعيش أياما سعيدة، أما المجلة الأخرى فتحذرها من الأيام النحس المقبلة.

ولم يكن حال هيام اكثر حيرة من حال علي الذي عانى كثيرا لمعرفة برجه الحقيقي بعد أن سجل أغلب مواليد الخمسينيات فما ادنى في تاريخ (1/تموز) قائلا: لولا ايماني بالأبراج والحظ لما سعيت لمعرفة التاريخ الحقيقي لولادتي، فكانت رحلة طويلة بدأت من والدتي وانتهت بالحصول على شهادة وفاة أبو محسن! فوالدتي لكبر سنها نسيت اليوم الذي استنشقت به انفاسي طعم الحياة ولم تستذكر اية مناسبة حدثت حينها، وفي لحظة سمر عائلي تذكرت ان جارنا أبا محسن قد وافاه الاجل يوم ولادتي، ولكنها لم تدرك في اي شهر توفى، وعلى هذا الأساس بدأت رحلتي من هذه الخطوة للبحث عن اولاد أبي محسن بعد أن أبعدتهم المسافات عنا، ولم أيأس في البحث عن شهادة وفاة ذلك الرجل، فهي الوثيقة الحقيقية الوحيدة التي تثبت  تاريخ ميلادي، وفعلا حصلت على مرادي،أما الآن فقد انتهى فضولي بما يتعلق بالأبراج على الرغم من تلك المتاعب.بين الحقيقة والوهم

تنتشر عادة متابعة الأبراج بين الكثير من الناس، ومن المفترض أن تصدر قراءة واحدة لكل برج مطلع كل شهر، لكن كثرة الصحف والمجلات تدفع المتابعين لقراءة أبراجهم أكثر من مرة في الشهر وربما في الأسبوع الواحد وسواء كانت تلك الظاهرة حقيقة أم خرافة، فان الكثير من الناس كانوا ولا يزالون منهمكين بمتابعة ما تقوله الأبراج، وعلى الرغم من التشكيك في مضامينها والتناقضات التي تؤكد  عدم مصداقيتها، الا أن هناك من  يتعلقون بالأوهام ويركضون خلفها، وبذلك تزيح لهم مخيلتهم للإيمان بأشياء خرافية وسرعان ما ينتابهم الشعور بالفضول  لمعرفة ما تخبئه الأبراج لهم ؟ فإلى أي مدى نؤمن بالأبراج في حياتنا؟ وهل هناك أشخاص يؤمنون بها ويسيرون على نهجها متجاوزين بذلك قدرهم ونصيبهم في الحياة ؟ وهل هناك نصيب للرجال في قراءة الابراج كما للنساء؟

لا يختلف اثنان على رقة احساس النساء وتقبلهن لتصديق كل ما يكشف اللثام عن مستقبلهن المجهول، لاسيما العازبات  اللاتي يبحثن عن بصيص أمل لتوديع عالم العزوبية، وهذا ما توضحه هالة العكيدي قائلة: لم تعد قراءة برجي مجرد لهو وانما ولع الى حد الجنون ويقين في كل ما يقوله برجي (السرطان) فهو صورة طبق الاصل عن شخصيتي في كل ما يتميز به من طيبة ومحبة للعائلة، ولايمكن لاي قوة ان  تقنعني اوتشكك بمصداقية مايقوله برجي، ومع ارتشاف القهوة صباحا اجد نفسي أتصفح الجرائد للبحث عن الابراج باحثة عما يخبئه لي القدر، هل أنا مقبلة على حياة سعيدة ؟ وهل لي نصيب في الزواج هذا العام بعد ان تعدى العمر الثلاثين؟ وان كان كلاما لا اساس له فمازال ما يقوله برجي يشعرني برغبة من حولي بي.

تدخل الأبراج ضمن علاقتنا مع الناس وخاصة في الارتباط المقدس الزواج فلا يسعى قلبي لرجل من برج اخر دون السؤال عن صفاته ومدى توافقه معي هذا ما تؤكده خلال حديثها علا البياتي قائلة: لم تعد مسألة الارتباط مجرد السؤال عن سمعة الشاب وعائلته وانما اول سؤال يهمني هو:  في اي شهر ولد الشاب؟ وهنا يبدأ لسان حالي يقول: هل هو مناسب أم لا؟ وابدأ بالبحث عن السلبيات والايجابيات بهذا الشخص، وبذلك اعتمد كليا عن مايتحدث عنه البرج وعن مدى توافق الارتباط، فلم اعد اهتم بدائرة علاقاتي الاجتماعية الا بالتوافق، وتؤكد البياتي ان برجي الحمل والدلو لامكان لهما في حياتي لعدم توافقهما مع برجي.

أما ام عمر (50 عاما) فتستهل حديثها قائلة: تعرض ابن اختي الى حادث وفقد حياته وانا على علم مسبق بالحادث قبل وقوعه، فانا اؤمن وبشدة بما تقوله الابراج ولايمكن ان انتقص من اية كلمة يقولها برجي عني او عن اي طرف من عائلتي، ومازاد ايماني بالابراج ومدى صحة تطلعاتها عندما حذر احد مقدمي البرامج من حادث سير، فكان هذا برج ابن اختي الوحيد الذي ينتقل خلال عمله من بغداد الى البصرة، انتابني الخوف من وقوع حادث مروع، وبعد ايام قليلة جاء خبر وفاته اثر حادث سير من بين( 13 شخصا ) وهذا مازاد ايماني بالابراج فبت لا اتحرك ولا أقرر إلا بعد الاطلاع على مايخبئه القدر لي .

يقول حيدر باسم موظف (40 عاما): ان الإيمان بالغيبيات مازال يحكم  جيلا كاملا من شبابنا، ما اتاح للكثير من البرامج التلفزيونية والاذاعية ان تجتاح مجتمعنا وتخصص زاوية لجذب الشباب لمعرفة مستقبلهم حتى وان كانت خالية من الصحة وتعتمد بالدرجة الاولى على التجارة الربحية،بالاضافة الى ان الوصول لقارئ الفنجان صعب ويعد عيبا في مجتمعنا، الا ان بعض القنوات سهلت الامر عليهم، فماعليهم سوى الاتصال هاتفيا لمعرفة مستقبلهم المجهول، وكل مايكلف المتصل الانتظار من دون ان يجد الرد الذي ينتظره مقابل استنفاد مبلغ الاتصال بالكامل!، ويضيف باسم وكان الحظ اوفر لمواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بصفحات الشخصيات المعروفة بقراءة الابراج، فما عليك سوى التسجيل و الاعجاب بالصفحة وادخال رقم هاتفك بالاضافة الى تحديد يوم تاريخ الميلاد، لتصلك رسالة نصية و بشكل يومي على هاتفك مقابل استقطاع مبلغ الرسالة لارضاء جمهورعشاق الابراج وملء جيوب المستفيدين.

الحب والحظ والمال ثلاثة امور رئيسة تتحدث عنها الابراج اليومية، امرأة عازبة ستدخل القفص الذهبي خلال هذه الفترة، وآخر يعاني من أزمة مالية، ثم تتحسن أموره، وثالث يعاني من وعكة صحية في المستقبل فيجب عليه الحذر ! كل تلك الأمور هي الشاغل الأكبر للكثير من الاوساط الشبابية ومن خلال متابعتنا لعدة صحف رأينا تناقضات عدة، فعلى سبيل المثال برج السرطان يقول في احدى الصحف حدث جديد يبشرك بأيام لاتخلو من المفاجآة السارة، وفي صحيفة اخرى

يقول هذا اليوم لا يخلو من التأثيرات الفلكية السلبية  وستشعر بالانزعاج، وفي اليوم

التالي تجد البرج يحدثك عن انجازك لاعمالك بمهارة عالية وخلق افكار متميزة تنال

اعجاب محيطك المهني، وفي الاخرى يحذرك من زملائك في العمل والصعوبة التي تواجهها في اتمامه، اما من ناحية الحب فلا يختلف اثنان عن اهمية العاطفة لدى الشباب واللعب على الوتر الحساس، حيث  يقول البرج الحب يطرق باب قلبك بقوة ليخلق فيه فوضى المشاعر، وفي الصحيفة الأخرى من الأفضل أن تبحث عن الشخص الملائم لتكمل المسيره معه!

وأما التناقضات في حظوظ الأبراج على المواقع الألكترونية فهي لا تعد ولا تحصى، إذا أمعنى النظر بدقة، فعلى سبيل المثال تابعنا ما تقوله بعض تلك المواقع عن برج الأسد فوجدنا الآتي:

الموقع الأول: قد تثير فيك المرحلة المقبلة الكثير من مشاعر التوتر والقلق، لكنها ستكون ضرورية لتقدمك المهني، لأن نتائجها ستكون إيجابية وملفتة بفضل إرادتك القوية وعزم الفلك على مساندتك وتعزيز حيويتك.

الموقع الثاني: من اليوم فصاعداً قد تجبر على العمل مع زملائك كفريق واحد، ما سيترك آثاراً إيجابية على أجواء العمل.

الموقع الثالث: لن تجد وقتاً للضجر ولا للتأفّف والتذمّر هذا الاسبوع . ستجري الرياح بسرعة وتجد نفسك نشيطاً ومتفائلاً منذ ساعات الصباح الباكرة. لا حدود لطاقتك ولا من يردعك أو يحبط محاولاتك، وكأنّ الحياة تناديك للتحرّك والخروج الى الضوء.أجواء سهلة وإيجابيّة تهيّئ لك الدرب مهما كان مركزك في الحياة

الموقع الرابع: تستطيع إقناع الآخرين بوجهة نظرك بسهولة، فلديك الأفكار المبتكرة، وقد أثبت أن لديك الموهبة، خاصةً فيما يخص المفاوضات. لا تتردد في إظهار إمكاناتك للآخرين، وأن تستغل نجاحك المستمر. سوف تقابل من يغارون منك، فيجب أن تحذر من أن هناك آخرين يحاولون الاستيلاء على نجاحك. ويتضح أن الموقع الأول يؤكد ان صاحب برج الأسد سيعاني من مشاعر الخوف والقلق، أما الثاني فيخبره انه سيجبر على العمل مع فريق من الزملاء، فيما يرى الموقع الثالث ان صاحب البرج سوف لن يجد وقتاً للضجر ولا للتأفّف والتذمّر، أما الموقع الرابع فهو خليط مما قيل في المواقع السابقة.

يقول رجل الدين الشيخ ابو حسن : الموضوع يتعلق بالوضع البشري الراهن فهناك من يؤمن وهناك من لا يؤمن، ولكن الوقائع اثبتت ان احداث المستقبل هي حقيقة لاشقاق عليها، ولكن التفريط في الاعتقاد بها وعدم الانعتاق منها يؤدي الى حالة من الاتكالية وعدم العمل والتبصر بالواقع، وفي الحقيقة انها تنم عن جانب سيكولوجي عند بعض الناس، فالبعض يتمتع بالارتباط بالروح الالهية، وبالتالي يلجأ الى مثل هذه المعتقدات على صحتها ولكنها صحة محدودة كما في القول المأثور “المنجمون كذبوا وان صدقوا” ففي هذا القول معان ثرة وهناك صدق وامكانية، والكذب المقصود هنا أن لا يتمادى الانسان في مثل هذا الاعتقاد الذي يؤدي الى التكاسل وعدم المبادرة ويجعله مسترخيا وبعيدا عن الواقع، فمثل هذه السلوكيات في الاسلام لم تحرم فقط، بل يعاقب عليها ايضا ضمن الحدود التي شرعها الله، فهذه من المحرمات الواضحة وليس فيها اي نقاش، اما الانقياد الى الابراج والتفاؤل بالمستقبل فممكن، ولكن ان يعول عليه فهذا لايجوز .

مقالات ذات صله